Skip to main content
Menu
المواضيع

هدم البيوت كوسيلة عقاب

هدم البيوت كعقاب جماعيّ هو إحدى الوسائل الأكثر تطرّفًا التي تستخدمها إسرائيل في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية منذ بداية الاحتلال وحتى الآن (كذلك في قطاع غزّة حتى العام 2005). في إطار هذه السياسة هدمت إسرائيل مئات المنازل وأبقت بذلك آلاف الأشخاص بلا مأوى.

سياسة هدم المنازل أعدّت بحُكم تعريفها لإيذاء أشخاص لم يفعلوا شيئًا ولم يُشتبه بهم بفعل شيء - فقط لكونهم أقرباء فلسطينيّين ألحقوا الأذى أو حاولوا إلحاق الأذى بمواطنين إسرائيليين أو بعناصر قوّات الأمن. في معظم الحالات لا يسكن الشخص الذي جرى هدم المنزل بجريرة أفعاله مع الأسرة أصلاً في وقت الهدم، إمّا لأنّ قوات الأمن قامت بقتله أثناء العملية التي نفّذها وإمّا لأنّه اعتُقل على يد إسرائيل وينتظر عقابًا بالسجن لمدّة طويلة.

ولكونها كذلك تشكّل هذه السياسة عقابًا جماعيًّا ممنوع بوصفه انتهاك لمبادئ القانون الدولي التي تُلزم إسرائيل. لا نتحدّث هنا عن مبدأ قانون دوليّ معقّد أو نظريّ، وإنما عن قاعدة أخلاقية-إنسانية أساسية: ممنوع مطلقًا المسّ بأبرياء لا ذنب لهم بجريرة خطأ ارتكبه آخرون. هكذا في التوراة في سِفر تثنية ("لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ") وهكذا في ميثاق جنيف ("لا يعاقَب شخص محميّ على أمر لم يفعله شخصيًّا. العقابات الجماعيّة وجميع وسائل التهديد والإرهاب ممنوعة. النهب ممنوع. الردّ بالانتقام من أشخاص محميّين وممتلكاتهم ممنوع").

تدّعي جهات رسميّة أنّ هدم المنازل أعدّ "لردع" الفلسطينيّين الآخرين عن تنفيذ عمليّات بأنفسهم. يفترض هذا الادّعاء أنّ أذيّة أقرباء الفلسطينيّ الذي نفّذ عمليّة أو المشتبه به في تنفيذ عمليّة ستردع الفلسطينيين عن تنفيذ عمليّات خوفًا على عائلاتهم من الأذيّة.

من الواضح أنّ الأثر الرادع لهدم المنازل على فرض وجوده لا يكفي لجعل هدم المنازل فعلاً أخلاقيًّا أو قانونيًّا. هذا الهدم يشكّل مسًّا بالأبرياء بهدف تحقيق غاية لا صلة لهم بها، ومعناه أنّ السلطات تتعامل معهم كوسائل وليس كأشخاص مستقلّين لهم حقوق. إنّها سياسة لا أخلاقيّة وغير قانونيّة في جوهرها.

وأكثر من ذلك: لم تعرض الدولة أبدًا معطيات تثبت أنّ هدم المنازل يردع الفلسطينيين عن تنفيذ العمليّات بل ولم يطلب منها أحد نشر معطيات كهذه. في غياب ما يثبت نجاعة هذه الوسيلة المتطرّفة والمؤذية ينعدم مبرّر الأداتيّة الذي يغطّيها ظاهريًّا منذ البداية. في مقابل ذلك هناك شواهد على عكس ذلك، تثبت أنّ هدم المنازل بالتحديد يزيد من دوافع الفلسطينيين لتنفيذ العمليّات.

في شباط 2005 توصّلت لجنة برئاسة اللواء "شَني" أنّه من المشكوك في نجاعة سياسة هدم المنازل كوسيلة ردع وأنّ أضرارها أكثر من منافعها، بسبب الكراهية التي تولّدها هذه الخطوة القاسية. العرض الذي أعدّ بناءً على نتائج اللجنة أظهر أنّ هذه السياسة تقع "على حافّة القانونيّة وذلك رغم أنّ كلّ شيء يبدو قانونيًّا عند فحصه على ضوء القانون الدولي ومحكّ المجتمع الدولي والديمقراطية والصورة الذاتيّة، كما على محكّ الكميّة". استمرارًا قيل هناك: "لا يمكن للجيش في دولة يهودية ديمقراطية أن يسير على حافّة القانونيّة، فكم بالحريّ إذا سار على حافّة الشرعيّة!!!". كذلك عندما أوعز وزير الدفاع آنذاك "شاؤول موفاز" بقبول نتائج اللجنة توقّف جهاز الأمن لمدّة عقد من السنين عن استخدام هذه الوسيلة باستثناء هدم وحدة سكنيّة واحدة وإغلاق اثنتين في القدس الشرقية عام 2009.

في صيف 2014 في أعقاب اختطاف ومقتل ثلاثة الفتيان تلاميذ مدرسة دينيّة في مفرق "غوش عتسيون"، عاد جهاز الأمن إلى هدم المنازل كوسيلة عقاب، دون أن يقدّم أيّ تبرير لذلك. بعد العودة إلى تطبيق هذه السياسة ادّعت الدولة في مداولة جرت في محكمة العدل العليا وتناولت هدم منزل، انّها في الواقع لم تقصد التوقّف تمامًا عن استخدام تلك الوسيلة وأنّها مع اختلاف الظروف - ارتفاع عدد العمليّات - لا تجد مانعًا للعودة إلى تطبيق السياسة القديمة. لم تفسّر الدولة كيف تنسجم أقوالها هذه مع توصيات لجنة "شَني". منذ ذلك الحين هدمت الدولة عشرات المنازل الأخرى.

هدم المنازل هو إجراء إداري يُطبّق دون محاكمة ودون الحاجة إلى إظهار أدلّة أيًّا كانت وذلك استنادًا إلى المادّة 119 من تعليمات الدفاع (أوقات الطوارئ) التي أصدرها الانتداب البريطاني عام 1945. بعد تسليم أمر الهدم للأسرة يمكنها تقديم اعتراض أمام القائد العسكري خلال 48 ساعة. في قرار محكمة العدل العليا من العام 1989، حكمت المحكمة أنّه عند رفض الاعتراض يجب إتاحة الفرصة أمام العائلة لتقدّم التماسًا لمحكمة العدل العليا، قبل تنفيذ الهدم.

ولكن رغم أنّ محكمة العدل العليا هي التي حكمت بأنّه ينبغي تمكين العائلات من التوجّه إليها لكي تنظر في أمر الهدم، يبدو أنّ ذلك قرار الحُكم المذكور كان مجرّد إجراء شكليّ وتقنيّ لا غير وأنّه كان يهدف إلى خلق وهْم يوحي بأنّها تحرص على حقّ الاستئناف المحفوظ لأصحاب المنزل. على مرّ السنين تمّ تقديم عشرات الالتماسات ضدّ هدم المنازل وطُرحت فيها حجج مبدئية تطعن في قانونيّة هذه الوسيلة، وحجج تداولية تطعن في طريقة تطبيقها، وحجج ضدّ استخدامها في حالات عينيّة. ولكنّ محكمة العدل العليا رفضت تلك الالتماسات على نحوٍ جارف سوى البعض القليل منها وبعض قضاة قدّموا رأي الأقلية في قرار الحُكم.

استمرارًا لموقف الدولة كتب القضاة في الأحكام التي أصدروها حول هذه المسألة أنّ الحديث يجري عن وسيلة ردع فقط، وليس عن وسيلة لمعاقبة أفراد الأسرة. ومع أنّه لم تُعرض أمامهم معطيات أبدًا - وهُم حتى لم يطلبوها - قبل القضاة ادّعاء نجاعة الردع وقرّروا أنّه لا يمكنهم التدخّل في تقديرات الجهات الأمنيّة. كذلك وبحجّة أنّ هدم المنازل غايته الردع لا أكثر رفض القضاة حجّة الملتمسين بأنّ هذا الأمر هو بمثابة عقاب جماعيّ محظور في القانون الدولي وقرّروا أنّ قوانين الدولة نفسها على كلّ حال، تعلو على مبادئ القانون الدولي.

كذلك قبل القضاة عودة الدولة إلى هدم المنازل في 2014 دون اعتراض وقرّروا أنّه ليس من وظيفتهم التدخّل في اعتبارات جهاز الأمن، وقبلوا حجّة الدولة القائلة إنّه بإمكان السلطات تغيير سياستها وبالتأكيد يمكنها ذلك لدى تغيّر الظروف.

ختم القانونيّة الذي طبعت به محكمة العدل العليا هدم المنازل أتاح للسلطات مواصلة تطبيق هذه السياسة دون قيد ولكنه لا يكفي لجعل الهدم المنهجي لمنازل الأبرياء أخلاقيًّا ولا قانونيًّا: كلّ ما يفعله هذا الختم هو أنّه يجعل القضاة شركاء في الجريمة.