Skip to main content
هنا القدس: نهب وعنف في العيساويّة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

هنا القدس: نهب وعنف في العيساويّة

ملخّص التقرير, آيار 2020

 

منذ نيسان 2019 تشنّ الشرطة حملة تجبّر وعقاب جماعيّ على حيّ العيساويّة في شرقيّ القدس وما زالت الحملة مستمرّة رغم تعليمات التباعد الاجتماعيّ التي أصدرتها الحكومة منذ أسابيع إزاء تفشّي وباء كورونا، بما يعنيه ذلك من تعريض أهالي الحيّ للخطر.

تعتبر العيساويّة من الأحياء الفقيرة في القدس وتقع على السّفوح الشرقيّة لجبل المشارف (هار هتسوفيم) محاصرةً بسلسلة من المؤسّسات الإسرائيليّة والأحياء اليهوديّة ومعسكرات الجيش والشوارع التي أنشئت على أراضيها. يقدّر عدد السكّان الحيّ بـ 22,000 نسمة والكثافة السكّانيّة فيه تبلغ ثلاثة أضعاف ونصف مجمل الكثافة السكّانيّة في القدس. يتناول هذا التقرير مختلف أبعاد سياسة إسرائيل في العيساويّة والتي ولّدت معاً الواقع العصيب الذي يسود الحيّ. غير أنّ هذه السياسة لا تخصّ العيساويّة وحدها إذ تطبّقها إسرائيل في الأحياء الفلسطينيّة الأخرى في شرقيّ المدينة لكنّ تجبّرها بأهالي العيساويّة يتّخذ شكلاً أكثر حدّة:

  1. نهب الأراضي: منذ أن احتلّت الضفة الغربيّة نهبت إسرائيل أكثر من 90% من أراضي العيساويّة وضمّت بعضها في العام 1967. تنفّذ إسرائيل هذا النهب بطرق عدّة منها المصادرة وإعلان مساحات واسعة كـ"أراضي دولة" أو وضع اليد بموجب أوامر عسكريّة. في العام 1945 بلغت مساحة أراضي العيساويّة نحو 10,000 دونم امتدّت من سفوح جبل المشارف (هار هتسوفيم) شرقاً إلى منطقة خان الأحمر. أمّا المساحة التي تبقّت للحيّ اليوم فلا تصل إلى 1000 دونم تحاصرها مؤسّسات وأحياء إسرائيليّة: الجامعة العبريّة ومستشفى هداسا وحيّ التلة والفرنسية وحيّ "تسميرت هبيراه" ومعسكرات للجيش والشرطة وشوارع. أي أنّ الحيّ محصور داخل رقعة أرض مكتظّة لم يتبقّ فيها تقريباً مكان لإضافة أيّ بناء. لا يوجد في شرقيّ القدس حيّ قضمت منه السّلطات الإسرائيليّة واستفادت من نهب أراضيه كما حيّ العيساويّة. نهب الأراضي الدّائم لأجل احتياجات الجمهور اليهوديّ يحرم أهالي العيساويّة من إمكانيّة الاستفادة من جنى أراضيهم ويشكّل أحد العوامل الأساسيّة للفقر الذي يعانونه.
     
  2. سياسة عدم التخطيط: منذ ضمّت إسرائيل العيساويّة إلى مسطّح نفوذ بلديّة القدس بذلت السّلطات جهوداً كبيرة لمنع أيّ بناء أو تطوير فيها مستخدمة في ذلك وسائل عدّة منها الامتناع عن إعداد خريطة هيكليّة مناسبة لاحتياجات الحيّ وإفشال خريطة أعدّها السكّان أنفسهم بالتعاون مع جمعيّة "بمكوم". توجد للحيّ خريطة هيكليّة قديمة صودق عليها في العام 1991 أي بعد مضيّ 24 سنة على ضمّ العيساويّة لمسطّح بلديّة القدس لكنّ هذه الخريطة لم تُتح منذ البداية إمكانيّة لبناء يقارب المطلوب بل يبدو أنّ غايتها الأساسيّة كانت التضييق على الحيّ والحدّ من إمكانيّات البناء فيه وتطويره.

    لا حاجة للقول أنّ غياب خريطة هيكليّة لائقة لا يلغي أبداً حاجة السكّان إلى منازل يسكنون فيها وفي غياب أيّ خيار آخر يضطرّ كثير من السكّان إلى بناء منازلهم دون ترخيص بما يعنيه ذلك من العيش في حالة من انعدام اليقين والتهديد الدّائم باحتمال إصدار أوامر هدم وخطر تنفيذها وهدم المنزل في أيّة لحظة، أو تغريمهم مبالغ طائلة تصل إلى مئات آلاف الشواكل. يوجد اليوم أكثر من 2,000 منزل بُني دون ترخيص - وهي أكثر من نصف منازل الحيّ. ولكنّ الأنكى من ذلك أنّ البلديّة تتذرّع بالواقع الذي أنشأته بنفسها لتفسّر امتناعها عن إقامة مباني عامّة في الحيّ وتطوير وصيانة البُنى التحتيّة، وحتّى أنّها وجدت طرقاً لجني الأموال من هذا الوضع حيث بلغت الغرامات التي ألزمت بها "المخالفين" ملايين الشواكل على مرّ السنين.
     
  3. حملة التجبّر والعقاب الجماعيّ: منذ أكثر من سنة تشنّ الشرطة حملة عنيفة على الحيّ حيث يقتحم مقاتلو الوحدات الخاصّة (اليَسام) وحرس الحدود حيّ العيساويّة دون سبب ودون أيّة حادثة تستدعي أو تبرّر وجود قوّات شرطة فما بالك وجود أعداد كبيرة من قوّات شبه عسكريّة عنيفة مدجّجة عناصرها بالسّلاح من رأسها إلى أخمص قدميها وترافقها مركبات ترانزيت وجيبات وطائرات استطلاع. في إطار الحملة تتعمّد هذه القوّات افتعال أحداث "احتكاك" تعسّفيّة وعنيفة تشوّش حياة أهالي الحيّ وتلحق بهم الكثير من الأذى وبضمنها الإغلاق العشوائيّ لشوارع مركزيّة والتسبّب في ازدحام مروريّ وانتظار السيّارات في طوابير طويلة؛ تشغيل مكبّرات الصّوت في مركبات القوّات في ساعات متأخّرة من اللّيل؛ التهديد الاستفزازيّ للأهالي عبر إشهار السّلاح في وجههم؛ تفتيش المارّة بشكل مهين وتفتيش السيّارات والحقائب (بما في ذلك حقائب تلاميذ المدارس)؛ الاستفزاز الكلاميّ؛ مطالبة التجّار بإغلاق محالّهم دون سبب ودون إظهار أمر من أيّ نوع كان؛ تفتيش المحالّ التجاريّة بمرافقة كلاب؛ اقتحام المنازل وإجراء تفتيشات دون أمر تفتيش؛ اعتقالات تعسّفيّة للقاصرين (بعضها تنفّذها القوّات في منتصف اللّيل) ضمن انتهاكات صارخة لحقوقهم وغير ذلك. في بداية الحملة كان عناصر من شرطة الزيّ الأزرق ومراقبو المرور يتجوّلون في الحي ويقفون عند مخارج الحيّ ويسجّلون المخالفات لأتفه الأسباب للسّائقين وأصحاب المحالّ التجاريّة والمارّة.

    وقد كان للشرطة ما أرادت: ولّدت أحداث الاحتكاك العنيفة والاستفزازيّة ردوداً من قبَل أهالي الحيّ استجرّت "أعمال شغب" تستغلّها الشرطة لكي تبرّر بأثر رجعيّ حملتها برمّتها. يردّ الأهالي على وجود القوّات برشق الحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة والمفرقعات. على هذا يردّ مقاتلو القوّات الخاصّة وشرطة حرس الحدود بقنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع وإطلاق الرّصاص الإسفنجيّ الصّلب وضرب الأهالي. نتيجة لعُنف الشرطة أصيب منذ كانون الثاني 2020 ما يقارب 300 من أهالي الحيّ وفقاً لأقوال قادة الحيّ. هذا إضافة إلى الاعتقالات التعسفيّة لعدد من أعضاء قيادة الحيّ.

الحملة العنيفة التي تشنّها الشرطة على العيساويّة منذ أكثر من سنة تجسّد جيّداً ما نعرفه جميعاً منذ زمن بعيد: تتعامل السّلطات الإسرائيليّة مع الأحياء الفلسطينيّة في شرقيّ القدس وكأنّها مادّة يشكّلها المحتلّ الإسرائيليّ كما يشاء ويفعل بالأهالي ما يحلو له. لا يشغل إسرائيل في تعاملها مع هذه الأحياء سوى طموحها إلى نهب السكّان بأقصى ما يمكنها وترسيخ سيطرتها على أوسع مساحة ممكنة من الأراضي بكلّ ما يقتضيه ذلك من تجاهُل مطلق للواقع المعيشيّ الصعب الذي تفرضه على السكّان، بما في ذلك نسب الفقر العالية جدّاً، الاكتظاظ السكّانيّ الشديد والفوضى التخطيطيّة العارمة.

منذ أن ضمّت إسرائيل شرقيّ القدس تنظر إلى السكّان هناك على أنّهم حُمولة زائدة ينبغي التخلّص منها. حيّ العيساويّة مجرّد مثال وإن كان متطرّفاً على السّياسة التي تطبّقها إسرائيل في الأحياء الفلسطينيّة بهدف التضييق على السكّان والضغط عليهم. يهدف الضغط على المدى القريب إلى قمع السكّان الفلسطينيّين والتحكّم بهم والإبقاء عليهم فقراء مستضعفين يخيّم عليهم القلق الدّائم. أمّا على المدى البعيد فترمي السياسة الإسرائيليّة علناً إلى الحفاظ على التفوّق الديمغرافيّ اليهوديّ في المدينة. يبدو إذن أنّ الغاية الأساسيّة من هذا التضييق المتواصل والظلم الصّارخ والممنهج دفع السكّان إلى اتّخاذ قرارهم بمغادرة منازلهم والرّحيل عن المدينة برمّتها.

هذه الممارسات ما هي إلّا تعبير صارخ عن الاعتبارات الديمغرافيّة التي توجّه دولة إسرائيل لناحية تفضيل المواطنين اليهود على أولئك الذين ينفّرها وجودهم أي الفلسطينيّين. والنتيجة هي عمليّة تجبّر مستمرّة بكافّة سكّان المدينة الفلسطينيّين تقوم بها السّلطات الإسرائيليّة ومن ضمنها المثال الصّارخ الذي نعرضه بالتفصيل في هذا التقرير والذي يمسّ ما يقارب 20,000 إنسان هم أهالي حيّ العيساويّة. هذا التجبّر الذي يعبّر عن سياسة متواصلة تدعمها جميع حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ 1967 يعرّي سلّم أولويّات إسرائيل في الجزء الوحيد من الضفّة الذي ضمّته رسميّاً إلى حدودها - حتى الآن. أي أنّ الضمّ يقوم على التمييز في الحقوق وحتى في الخدمات البلديّة ولا يعني من جهة سلطات الدّولة سوى تسخير قوّتها لأجل المزيد من التغوّل وفرض تفوّق مجموعة من سكّان المدينة على مجموعة أخرى.

 

خارطة أالسيطرة الإسرائيلية على أراضي العيساويّة

اضغطوا للتكبير.