Skip to main content
أنقاض منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 29.5.19
Menu
المواضيع

إسرائيل استهدفت عمدًا مباني سكنيّة في قطاع غزّة وقتلت 13 مدنيًّا من بينهم قاصران

بين 3.5.19 و-6.5.19 وقعت جولة قتال أخرى بين إسرائيل وتنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة. تنشر بتسيلم اليوم تحقيقًا يُظهر أنّ إسرائيل قتلت خلال هذه الأيّام 13 مدنيًّا بينهم قاصران اثنان. كان مقتل هؤلاء نتيجة متوقّعة سلفًا لسياسة استهداف منازل السكّان المخالفة للقانون والأخلاق التي تنتهجها إسرائيل في قطاع غزّة.

مقهى تعرّض للقصف في بناية زعرب. تصوير خالد العزايزة (بتسيلم).

"بعد ذلك ساد هدوء لمدّة دقيقتين تقريبًا. ناديت صديقيّ لكي أطمئنّ عليهما. ردّ عليّ موسى وأخذ يردّد "الشهادتين" بصوتٍ عالٍ. هدأ روعي قليلًا عندما سمعت صوته. ثمّ ناديت هاني بكنيته "أبو وسيم، أبو وسيم" فردّ عليّ قائلًا "حبيبي يا أحمد" وعندها اطمأنّ قلبي أكثر. زحفت نحو الجهة التي جاء منها صوت موسى وعندما وصلت إليه تحسّست رأسه. نظرت إليه فرأيته مصابًا بجروح بليغة في بطنه ورجليه. لم أستطع تحمّل المنظر فأغمي عليّ".

- أحمد زعرب (19 عامًا) من سكّان رفح.

بين 3.5.19 و-6.5.19 وقعت جولة قتال أخرى بين إسرائيل وتنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة. خلال هذه الأيّام أطلق الذراعان العسكريّان لحركتي حماس والجهاد الإسلامي نحو 700 قذيفة على إسرائيل قُتل جرّاءها ثلاثة إسرائيليين وجُرح 123 آخرون. كما قُتل مواطن إسرائيليّ آخر جرّاء صواريخ مضادّة للدبابات ألقتها الأذرع العسكريّة. إنّ إطلاق النار باتجاه التجمعات المدنية في إسرائيل غير قانوني وغير أخلاقي.

قصفت إسرائيل من الجوّ بالصّواريخ والقذائف المدفعية أكثر من 350 موقعًا فأصابت 153 شخصًا وقتلت 25 من بينهم 13 لم يشاركوا في القتال ولم يكونوا منتمين إلى أيّ من الأذرع العسكريّة - ومن بين هؤلاء ثلاث نساء إحداهنّ في الأشهر المتقدّمة من حملها وقاصران: رضيعة في الشهر الثالث من عمرها والآخر طفل يبلغ من العمر 11 عامًا.

وكما في العمليات العسكريّة السابقة في هذه المرّة أيضًا استهدفت إسرائيل مباني سكنيّة ومباني مكاتب. تفيد معطيات الأمم المتحدة أن 100 منشأة ومنها 33 وحدة سكنيّة قد جرى تدميرها تمامًا وأنّ 30 منشأة أخرى ومن بينها 19 وحدة سكنيّة - لحقتها أضرار شديدة أي أنّ في المحصلة دُمّرت 52 وحدة سكنيّة وشُرّدت 52 أسرة تعد 327 شخصًا من بينهم 65 طفلًا تحت سنّ الخامسة. إضافة إلى ذلك تضرّرت نحو 700 وحدة سكنيّة أخرى.

في أربع من الغارات الجوّية التي استهدفت المباني قُتل أشخاص كانوا في داخلها أو في محيطها. بلغ مجموع الفلسطينيّين الذين قُتلوا في هذه الملابسات 13 جميعهم لم يشاركوا في القتال وقُتل شخص آخر شارك في القتال. كذلك أظهر التحقيق أنّه في جميع الحالات لم توجّه إسرائيل تحذيرًا جدّيًّا للسكّان قبل القصف فلربما كان التحذير سيمكنهم من النجاة بأنفسهم وإنقاذ ممتلكاتهم.

على نحوٍ مستقلّ أجرت منظّمة Human Rights Watch تحقيقًا خاصًّا بها - سوف يُنشر اليوم أيضًا - ويُظهر نتائج مماثلة.

المنازل المهدّمة في برج الشيخ زايد رقم 12. تصوير ألفت الكرد (بتسيلم).

"فجأة ودون سابق إنذار فقدت أنا وشقيقتاي أسرتنا بأكملها - الأب والأمّ والأخ - دون أيّة فرصة لوداعهم. كان القصف عنيفًا لدرجة أنّنا لم نعثر على الجثث سليمة. عند الدفن وضعنا جثمان أخي الصغير مع جثمان والدتي في قبر واحد. وُلد أخي بعد محاولات حمل استمرّت عشر سنوات ولذلك كان الصغير المدلّل. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. رحم الله والدي ووالدتي وأخي الصغير. أشعر الآن بأنّي وحيد في هذا العالم لا أب لي ولا أمّ ولا حتّى بيت لي بعد أن قصفوه بالكامل. أرجو من الله أن يلهمني الصبر على ما جرى لي".

- محمد أبو الجديان (26 عامًا).

إطلاق الصّواريخ وإلقاء القنابل على مناطق مأهولة بكثافة كما في قطاع غزّة ينطوي بطبيعة الحال على خطر محقّق يطال السكّان المدنيّين. لا نتحدّث هنا عن خطر نظريّ مفترَض بل عن واقع مُثبَت: لقد قتلت إسرائيل في السنوات الأخيرة آلاف المدنيّين في غارات جوّية ومن ضمن ضحاياها مئات الأطفال الذين كانوا في منازلهم. في عملية "الجرف الصّامد" العسكرية وحدها في صيف 2014 قُتل جرّاء القصف الجويّ ما لا يقلّ عن 1,055 فلسطينيًّا لم يشاركوا في القتال - أي ما يقارب نصف الفلسطينيّين الذي قُتلوا في تلك الحملة - ومن بين هؤلاء 405 أطفال و-229 امرأة. ورغم النتائج المروّعة المتوقّعة واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع مستهدفة منزلًا تلو منزل وأسرة تلو أسرة.

طريقة استخدام القوّة خلال هذه الغارات تندرج ضمن السياسة التي وضعها كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين. ليست هذه ممارسات جنود وطيّارين مخالفين للأوامر بل هي ممارسة منهجيّة تبعًا للأوامر الصادرة تعزّزها لاحقًا آراء خبراء قضائيّين في النيابة العسكريّة مهمّتهم تبرئة جميع المتورّطين بحجّة أنّها سياسة لا تخالف القانون. تبعًا لذلك، لم تكن ممارسات الجيش في جولة القتال الأخيرة استثنائيّة ولا غريبة. علاوة على ذلك، لن تتمّ محاسبة أحد من المتورّطين فيها لأنّهم في نظر الجيش لم يفعلوا شيئًا سوى تنفيذ الأوامر.

لكنّ هذه السياسة "ترفّ من فوقها راية سوداء" مشيرة إلى مخالفتها للقانون. ما يدركه العقل السّليم جسّدته تجربة الماضي مرّة تلو الأخرى: لا تستطيع إسرائيل استخدام القوّة العسكريّة في غزّة دون المسّ الفادح بسكّان القطاع والفتك بهم بما في ذلك النساء والأطفال. وكما في حالات أخرى لا تعدّ ولا تُحصى تحاول إسرائيل هنا أيضًا تأويل القانون الإنسانيّ الدوليّ على نحوٍ يبرّر هذا المسّ الفادح بحقوق الإنسان - في الحالات المعروضة هنا قتل وجرح المدنيّين لتقول إنّ أفعالها لا تخالف القانون. لكنّ تأويلات إسرائيل ينبغي رفضها قطعًا لأنّها خاطئة قانونيًّا وتستند إلى تصوّر مشوّه أخلاقيًّا.