منذ أيلول أُجبر نحو 220 فلسطينيًا، بينهم 100 قاصر، على إخلاء منازلهم في الأغوار بحجّة التدريبات العسكريّة. نتحدّث هنا عن سكّان تجمّعات ابزيق، خربة حمصة، وخربة الرأس الأحمر، الذين اضطرّوا إلى البقاء طيلة ساعات، وأحيانا طوال الليل، بعيدًا عن منازلهم وهم عُرضة لأحوال الطقس. تكرار التدريبات العسكرية يقوّض تمامًا حياة السكّان ويهدّد قدرة هذه التجمّعات على العيش. إسرائيل كسلطة احتلال لا يحقّ لها استخدام الأراضي لأغراض عسكرية عامّة، وبالتأكيد لا يحقّ لها تحت هذه الذريعة المسّ بمعيشة سكّان محميّين والسعي لطردهم من منازلهم.
في 24 و-25 تشرين الثاني استولى الجيش على منزلين لعائلتين فلسطينيتين في الخليل، واستخدم جنوده ممتلكات أصحاب المنازل: المرحاض، المطبخ، وفي أحد المنازل استخدموا غرفة النوم أيضًا. خوفًا من الجنود انتقل قسم من الأطفال إلى منازل الأقارب. من ردّ الناطق بلسان الجيش يتبيّن أنّ الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين جرى امتثالاً لأمر صادر عن قائد المنطقة ضمن الاستعدادات لاحتفال جماعيّ أقامه المستوطنون في جوارهم. يجسّد سلوك الجيش مرّة أخرى مجرى الحياة اليومية وسط مدينة الخليل، حيث تُخضِع سلطات الاحتلال حياة الفلسطينيين لأهواء المستوطنين.
حيّ بطن الهوى في القدس الشرقية معروف ببنائه المكتظّ، ومثل أحياء القدس الشرقية الأخرى، أزقته لا يتجاوز عرضها 2-3م. من إفادات سكّان الحيّ، التي جمعتها بتسيلم، يتبيّن أنه منذ بدأ الاستيطان في الحي، في 2004، يواجه سكّانه الأصليّون صعوبة في ممارسة حياة طبيعية. ورغم استيلائهم على موقف خاصّ بهم، فالسيارة المخصّصة لنقل المستوطنين تسدّ الشارع عدّة مرّات يوميًا، طيلة 15-60 دقيقة في كلّ مرّة. سلوك المستوطنين وحرّاسهم، برعاية قوّات الأمن، يعيق وصول السكان في الوقت المناسب إلى أماكن العمل والمدارس، ويعرقل إدخال البضائع إلى مصالحهم التجارية.
في حيّ بَطن الهوى، في سلوان، وبدعم الحكومة والمحاكم، تحدث كبرى عمليات الترحيل التي تشهدها القدس الشرقية في السنوات الأخيرة. جمعية "عطِرِت كوهَنيم"، وتملك فعليًّا 6 مبانٍ في الحيّ، تخطّط لطرد 81 أسرة. فوق معاناة التمييز، يكافح السكان من أجل البقاء في منازلهم. ما يجري هو جزء لا يتجزأ من مسعى السلطات وجمعيات الاستيطان لتهويد حوض البلدة القديمة. نحو 2800 قد استوطنوا في قلب الأحياء الفلسطينية في البلدة القديمة ومحيطها، وبالتالي تكثّف حضور قوّات الأمن والحرس الخاصّ؛ وهؤلاء يعاملون السكان بعنف ويعرقلون الحياة في منطقة يعيش فيها حوالي 100.000 فلسطيني.
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية قدّم مرضى السرطان من كانون الثاني إلى تشرين الأول أكثر من7267 طلبًا لتصريح دخول، 2042 منها رُفضت أو لم تلق ردًا بعد. بسبب حجم الهيمنة التي أبقتها اسرائيل في يديها في القطاع، فإن إمكانية تطوير الخدمات الصحية في غزة، فضلاً عن قدرة مواطنيها على تلقّي هذه الخدمات خارج القطاع – مرتبطة هي أيضًا بإسرائيل. جرّاء القيود التي تفرضها، تعيق إسرائيل تطوير الجهاز المحلي، وفي الوقت نفسه تقلل عدد المرضى الذين تسمح بعلاجهم في أراضيها أو في الضفة الغربية. ورغم أنّ مرضى كثيرين لا يمكن معالجتهم في الجهاز الصحي القائم في غزة، تفرض إسرائيل قيودًا مشدّدة على منح تصاريح للعلاج في أراضيها، ومنذ عملية "الجرف الصامد" قلّصت أكثر وأكثر عدد التصاريح التي تصدرها.
في 3.11.2016 اقتحم جنود ليلاً منزل عائلة سالم، في مخيّم الأمعري، حيث أجروا تفتيشًا عنيفًا، أفزعوا الأطفال من نومهم، واعتقلوا ثمانية من أفراد الأسرة. أخلي سبيل الأمّ مساءً، والباقون – سِوى واحد ما زال معتقلاً – أخلى سبيلهم بعد أسبوع، وكان بينهم قاصر. تبيّن هذه الحالة كيف يستخدم جهاز الأمن صلاحيّاته بشكل جارف، بذرائع أمنيّة واهية تتيح له بسهولة لا تُحتمَل تشويش مجرى حياة سكّان الضفة، المزعزع أصلاً. اقتحام بيوت الناس ليلاً، ترهيبهم وهدر كرامتهم وتخريب ممتلكاتهم، يحدث كلّ ليلة في أنحاء الضفة، حتّى باتَ جزءًا لا يتجزّأ من يوميّات حياة السكان.
التقرير الذي ينشره بتسيلم اليوم يتقصّى الوسائل التي تستخدمها إسرائيل في الاستيلاء على الحيّز القرويّ الفلسطيني، تحطيمه إلى شظايا، ونهب أراضي ومياه السكّان لنقلها إلى أيدي المستوطنين. يأتي وصف عملية الاستيلاء من خلال عرض مصائر قرىً ثلاث في محافظة نابلس – عزموط ودير الحطب وسالم، والمسار الذي اجتازته منذ أقامت إسرائيل مستوطنة ألون موريه في جوار هذه القرى. حكاية القرى الثلاث هي مثال على سياسة واسعة النطاق تطبّقها إسرائيل في أنحاء الضفة الغربية منذ عشرات السنين، يلعب المستوطنون فيها دورًا مركزيًا.
منذ أكثر من عشرين عامًا تنتهج إسرائيل في مدينة الخليل سياسة الفصل مع التمييز، ويجري تنفيذها أساسًا من خلال عدد كبير من الحواجز الدائمة. منذ تشرين الأول 2015 وسّع الجيش البنية التحتية في الحواجز القائمة، كثّف التفتيش، وبدأ بتقييد دخول الفلسطينيين إلى بعض الأحياء. بهذا أضيفت إلى سياسة الفصل مع التمييز طبقات أخرى من العقاب الجماعي الصارم المفروض على الفلسطينيين. هذه الممارسة تمنع السكان من إدارة مجرى حياة طبيعيّ فتجبرهم على مغادرة المنطقة، وبذلك تشجّع الترانسفير الهادئ والمتواصل للفلسطينيين من وسط المدينة.
يوم الأحد، 20.11.2016 وصل مندوبو الإدارة المدنية إلى مجمّع ابزيق شمال طوباس وسلّموا أوامر إخلاء لـ14 عائلة تضمّ 78 نسمة - منهم 42 قاصرًا، من ظهيرة يوم الاثنين والعودة صباحَ اليوم التالي، الثلاثاء؛ ثمّ الإخلاء مجدّدًا من ظهيرة الثلاثاء والعودة صباحَ الأربعاء. يعني ذلك أنّ تلك العائلات – بشيوخها وأطفالها – مجبرة على قضاء ليلتين بلا مأوًى بعيدًا عن منازلها. في الأسابيع الأخيرة يتدرّب الجيش كثيرًا في منطقة الأغوار، وفي إطار ذلك يُخلي عشرات من سكّان التجمّعات الفلسطينية من منازلهم الواقعة في تلك المنطقة، التي تعرّفها إسرائيل كمنطقة تدريبات عسكريّة.
في 25.10.16 نشرت وسائل الإعلام أنّ تحقيقًا عسكريًا أقرّ بأنّه "كان يمكن لقوّات الجيش الإسرائيليّ وحرس الحدود التصرّف بطريقة مغايرة في أحداث إطلاق الرصاص التي وقعت في الأسبوعين الماضيين، بل وتلافي إطلاق الرصاص في قسم منها". من تحقيق بتسيلم يتبيّن أنه في ثلاث حالات، قتلت قوّات الأمن دون أيّ مبرّر فلسطينيّين، أحدهما عمره 15 عامًا، وأصابت فلسطينيًا آخر عمره 15 عامًا. ومع ذلك، اختار جهاز الأمن التعامل مع الحالات بطرق لن تؤدّي إلى تغيير جوهريّ في سلوك الجنود في الميدان، ولا إلى اتّخاذ أيّ إجراء ضدّ المسؤولين عن إطلاق الرصاص، ولا إلى تفادي تكرار أعمال مماثلة في المستقبل.
في تموز 2016 هدمت السلطات الإسرائيلية 13 منزلاً شرقيّ قلنديا البلد، قرب الجدار الفاصل، وفي أيلول أصدرت أمر هدم لبناية أخرى. تفاقم إهمال قلنديا وأحياء أخرى منذ عزلها بواسطة الجدار، فهناك لا تقدّم البلدية الخدمات وتكاد لا تطبّق قوانين البناء. سياسة التخطيط التي تمنع البناء في الأحياء الفلسطينية الواقعة غرب الجدار جذبت الفلسطينيين سكّان القدس الشرقية إلى هناك، حيث يُتاح المحافظة على مكانة "مقيم" وحيث قلّة تطبيق القوانين تتيح بناء المنازل. غير أنّ البلدية قرّرت استثنائيًّا أن توفّر خدمات في هذه المنطقة أيضًا – وأن تهدم المنازل التي تمّ بناؤها.
في الأسابيع الأخيرة، عاد الجيش ونفّذ تدريبات عدّة مرّات داخل مناطق سكنية أو مناطق للرعي تابعة للتجمّعات السكنيّة الفلسطينية، وذلك بحجّة أنّ الحديث يدور حول "مناطق إطلاق نار". هذا رغم أنّ هذه التجمّعات تعيش وترعى أغنامها في هذه الأراضي منذ سنوات طويلة. عمليات الإخلاء المتكرّرة للتجمّعات تتسبّب في إزعاج دائم لا يطاق، وتثير شكوكًا حول قدرة هذه التجمّعات على مواصلة العيش في منازلها. لا يجوزُ لإسرائيل، كسلطة احتلال، استخدام الأراضي لأهداف عسكرية عامّة مثل التدريبات العسكريّة، وبالتأكيد لا يحقّ لها تحت هذه الذريعة الإضرار بسبل عيش سكّان محميّين والسعي لطردهم من منازلهم.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.