Skip to main content
Menu
المواضيع

مواصلة الطّمس: معالجة جهاز الأمن لمقتل فلسطينيّين وإصابة فلسطيني آخر في تشرين الأول 2016

مستجدات: توفّي زياد عطا بايض في مستشفى برام الله يوم 23.12.16، بعد أن رقد في غيبوبة منذ إصابته، في 15.10.16.

في تاريخ 25.10.16 نشرت وسائل الإعلام أنّ تحقيقًا داخليًا عسكريًا أقرّ بأنّه "كان يمكن لقوّات الجيش الإسرائيليّ وحرس الحدود التصرّف بطريقة مغايرة في أحداث إطلاق الرصاص التي وقعت في الأسبوعين الماضيين، بل وتلافي تلافي إطلاق الرصاص في قسم منها". تطرّق هذا التحقيق إلى أربع حالات إطلاق نارـ انتهت حالتان منها بوفاة وانتهت حالة بإصابة أحد الفتية إصابات بليغة، وفي حالة أخرى تطرّق إليها التحقيق أطلق رجال شرطة حرس الحدود النار على سيارة في بلدة الرام، لكن لحسن الحظّ لم تقع إصابات.

يُظهر تحقيق بتسيلم بشأن الحالات الثلاث الأولى أنّ قوّات الأمن أطلقت الرصاص دون مبرّر في حين لم يتهدّد حياة أفرادها أيّ خطر.

فارس بايض. الصورة بلطف من العائلة1) إصابة فارس بايض

في تاريخ 15.10.16، نحو الساعة 17:15، قرب دخل مخيّم الجلزون، أطلق جندي رصاصة معدنية مغلّفة بالمطاط (لاحقًا: "رصاص مطاطيّ")، على رأس فارس زياد عطا بايض، البالغ من العمر 15 عامًا، وسبّب له جروحًا خطيرة. يفيد تحقيق بتسيلم، أنّ مجموعة بلغ عددها 40-60 فتىً وشابًا خرجت، نحو الساعة 17:00، للتظاهر قرب مستوطنة بيت إيل المجاورة للمخيم. تموضع المتظاهرون خلف مدرسة البنين، الواقعةعلى بعد نحو مائة متر من برج الحراسة العسكريّ على أطراف المستوطنة. وقد أطلق المتظاهرون الهتافات الموجّهة نحو الجنود، وألقوا الحجارة بواسطة المقلاع في اتجاه البرج.

بعد نحو ربع ساعة، خرجت مجموعة مكوّنة من 10-8 جنود لتفريق المتظاهرين. ألقى الجنود قنبلة صوتيّة وأطلقوا "الرصاص المطاطيّ" والرصاص الحيّ اتجاه المتظاهرين. أصيب فتىً (15 عامًا) كان على وشك إلقاء زجاجة حارقة، من رصاصت مطّاط أصابتا رأسه وخاصرته. تراجع الفتية إلى الشارع الذي يربط بين رام الله ونابلس وتلة مجاورة، حيث واصلوا من هناك إلقاء الحجارة بأيديهم وبواسطة المقلاع نحو الجنود الذين كانوا على بعد 40-50 مترًا منهم. أثناء المواجهات، أصيب شابّ يبلغ من العمر 23 عامًا من شظايا رصاصة "توتو"، فيما فتىً آخر (14 عامًا) أصيب في ظهره ويده جرّاء إطلاق "الرصاص المطاطيّ". تمّ نقل المصابين الثلاثة إلى المستشفى ومن ثمّ تسريحهم إلى منازلهم.

بعد مضيّ دقائق معدودة تسلّق نحو ستة جنود التلة التي وقف عليها المتظاهرون. فرّ قسم من المتظاهرين وتموضعوا في أماكن أخرى، بينما هبط نحو ستة آخرين إلى أسفل التلة، واختبأوا في مكان يبعد 20-30 مترا عن الجنود، الذين كانوا على رأس التلة وأطلقوا النار عليهم. عندما شرع بايض في إلقاء زجاجة حارقة باتجاه الجنود – ولمّا يشعلها بعد، أطلق الجنود عليه 3-4 رصاصات مطاطية ورصاصًا حيًّا، فأصابت إحدى رصاصات المطاط رأسه. ش.ع. (17 عامًا)، من سكّان مخيم الجلزون، وصف عملية إطلاق الرصاص أمام الباحث الميداني في بتسيلم، إياد حدّاد:

في الوقت الذي اختبأت فيه بجانب فارس بايض، أطلقوا من فوق الرّصاص المطاطي عليه مباشرة ، وقد أصيب في الجهة الأمامية العلوية من رأسه. أحدثت الإصابة فتحة قطرها اثنان أو ثلاثة سنتيمترات. بدأ ينزف بقوة وسقط على الظهر فاقدًا الوعي تمامًا، دون حركة. انقلبت عيناه.

عدد من الفتية الموجودين في المكان سحبوا بايض عدّة أمتار، وهم يحاولون الاختباء من الجنود. وصل سائق فلسطيني إلى المكان ونقل بايض إلى سيارة إسعاف توقّفت على بُعد نحو 300 متر، نقلته إلى مستشفى في رام الله، حيث أجريت له عملية جراحية. تمّ إخراج "الرصاصة المطاطية" من رأس فارس، ولكنه لا يزال فاقدًا الوعي ولا يزال موصولاً بأجهزة الإنعاش في قسم العناية المركّزة.

وفقًا لتحقيق داخلي أجراه الجيش، كما نشرت وسائل الإعلام، "كان هناك ما يبرّر إطلاق النار من قبل القوّة، ولكن سلوكها المهنيّ كان خاطئًا وجعل الجنود في موضع أدنى". في تعقيبه على نشر التحقيق، لم يتطرّق الناطق بلسان الجيش إلى إطلاق الرصاص على بايض وإنّما فقط إلى المراحل الأولى للمظاهرة؛ كما وأشار الناطق إلى أنّه "في أعقاب الحادثة تمّ توضيح الإجراءات في منقطة التماسّ الحسّاسة هذه، وتمّ استدعاء قائد الفصيلة للتحقيق أمام قائد الكتيبة". يبيّن تحقيق بتسيلم أنّ إطلاق النار الذي أصيب جرّاءه بايض كان مخالفًا للقانون. استُهدف بايض حين كان على وشك إلقاء زجاجة حارقة غير مشتعلة نحو الجنود، كما أنّه من مكانه أسفل التلة لم يشكّل أيّ خطر على حياة الجنود في موقعهم فوق التلّة. وكما حدّد التحقيق الداخلي للجيش، فإنّ سلوك الجنود كان خاطئًا وأدّى إلى إطلاق أحد الجنود "الرصاص المطاطيّ" باتجاه فتى يبلغ من العمر 15 عامًا، من مسافة، هي أيضًا غير قانونيّة وفق تعليمات الجيش، وتشكّل خطرًا على الحياة. تعقيب الجيش، ومفاده أنّ الإخفاق في سلوك القوّة العسكريّة كان إخفاقًا مهنيًا لا غير، لا يتفق مع العواقب الوخيمة لاطلاق النار.

رحيق يوسف. الصورة بلطف من العائلة2) مقتل رحيق يوسف

في 19.10.16، نحو الساعة 13:00 ظهرًا، أطلق رجال شرطة حرس الحدود النار على رحيق شجيع محمد يوسف (19 عاما) عند مفرق زعترة (تابواح). يفيد التحقيق الداخليّ للجيش أنّه بعد أن سحبت رحيق سكينًا، نفّذ أحد رجال الشرطة إجراء اعتقال مشبوه، أطلق النار على قدميها ولكنه لم يصبها. عند ذلك، وكما يظهر أيضًا في شريط الفيديو الذي نشرته وسائل الإعلام، وبينما كانت رحيق على بُعد عدّة أمتار من أربعة رجال شرطة حرس الحدود، أطلق هؤلاء عليها نحو ثلاثين رصاصة وقتلوها. ووفقًا لتقارير وسائل الاعلام، فقد أصيبت جرّاء إطلاق النار أيضًا مركبة كان يقودها سائق من سكان أرييل، لم يصب بأذى.

ومع ذلك، أفادت شرطة حرس الحدود تعقيبًا على التحقيق أنّ "الحادثة قيد التقصّي الداخليّ، وأنّه منذ لحظة شلّ حركة الفلسطينيّة- أوقف المقاتلون إطلاق النار". اطلاق النار المكثّف باتجاه رحيق يوسف، بينما كانت ممدّدة على الأرض ولم تعرّض بعد للخطر حياة أفراد شرطة حرس الحدود، غير مبرّر ومخالف للقانون، وبذلك تنضمّ هذه الحادثة إلى عشرات حوادث الإعدام دون محاكمة والتي جرت منذ تشرين الأوّل عام 2015. هذه السياسة تحظى بدعم القيادة السياسية والعسكرية، وتتضمّن توجيهات لقوّات الأمن بأنّ منفذي العمليات مصيرهم الموت. وكما يقول وزير الأمن الداخليّ جلعاد اردان، "ينبغي لكلّ مخرّب أن يعرف أنّه لن يخرج سالمًا من الهجوم الذي يوشك على تنفيذه".

خالد بحر. الصورة بلطف من العائلة3) مقتل خالد بحر

في 20.10.16، نحو الساعة 17:00، عند مدخل بستان يقع غربي شارع 60 في بيت أمّر، أطلق جندي النار وقتل خالد بحر أحمد بحر (15 عامًا)،. يفيد تحقيق بتسيلم، أنّه بعد الساعة الخامسة بدقائق معدودة، توقفت سيارة جيب تابعة للجيش قرب البستان، بعد أن ألقيت قبل ذلك بوقت قليل حجارة باتجاه شارع 60 من مكان قريب، وجرّاء ذلك أصيب جنديّ بجروح طفيفة. تزامن وصول سيارة الجيب إلى البستان مع دخول خالد بحر راكضًا إلى البستان نفسه. نزل ثلاثة جنود من الجيب وأطلق أحدهم النار على بحر من مسافة نحو عشرين مترًا، فأصابه وقتله. إياد الأخضر، من سكان الخليل، 55 عامًا، كان يعمل حينها في بستان قريب يملكه، وهو يصف ما شاهده لمحقق بتسيلم موسى أبو هشهش:

رأيت ثلاثة جنود يترجّلون من سيارة الجيب عند مدخل البستان. صوّب أحد الجنود بندقيته باتجاه البستان المقابل - على ما يبدو نحو الفتى الهارب. صرخت على الجندي ألاّ يطلق النار، ولكن بعد ذلك مباشرة سمعت إطلاق نار. الجندي الذي أطلق النار ركض إلى داخل البستان وعاد مسرعًا إلى الضابط، وكان واقفًا بجانب الجيب، وأخبره بأنّ بحر قد مات. سألتُ الضابط لماذا أطلق الجندي النار على بحر وقتله. أجاب الضابط أنّه ألقى حجارة وأنّه أصابه في قدمه.

بعد نحو عشر دقائق، وصلت إلى المكان سيارة إسعاف فلسطينية ثمّ تبعتها أيضًا سيارة إسعاف عسكريّة وسيارة إسعاف تابعة لنجمة داوود الحمراء، والتي رُفعت إليها جثّة بحر. في 27.10.16 تمّ تشريح جثة بحر، وتشير نتائج التشريح أنّ الإصابة في ظهره وأنّ النار أطلقت عليه من خلف. لا تزال قوّات الأمن تحتجز الجثمان وتعرقل إعادته إلى العائلة.

يفيد التحقيق الداخلي للجيش، وفق ما نُشر في وسائل الإعلام، أنّ الجنود أبلغوا أنّه بعد إلقاء الحجارة باتجاه السيارات في شارع 60، قاموا بملاحقة راشقي الحجارة. هم يقولون أنّهم نفّذوا إجراء اعتقال مشبوه وأطلقوا النار باتجاه بحر الذي انحنى ليرشقهم بحجر. وقد أقرّ التحقيق العسكري أنّ الجنود حين أطلقوا النار لم تكن حياتهم معرّضة للخطر. الناطق بلسان الجيش أفاد فقط أنّ "الحادثة قيد التحقيق في شرطة التحقيقات العسكرية، ولدى انتهاء التحقيق سيتمّ تحويل النتائج إلى النيابة العسكرية".ويفيد تحقيق بتسيلم أنّه قد جرى إطلاق النار على بحر دون أيّ مبرّر، وأنّ جنديًّا أطلق النار على ظهره لدى هروبه من الجنود ومن هنا، لم يعرّض حياتهم للخطر مطلقًا.

في الحالات الثلاث المذكورة أعلاه، قتلت قوّات الأمن فلسطينيّين اثنين ، بينهما فتىً يبلغ من العمر 15 عامًا، وأصابت بجروح خطيرة فتىً فلسطينيًا آخر يبلغ من العمر 15 عامًا، وكلّ ذلك دون أيّ مبرّر ودون أن يتهدّد خطر حياة أيّ من أفرادها. اختار جهاز الأمن مواجهة هذه الحالات بطرق متنوّعة - عبرفتح تحقيق في شرطة التحقيق العسكرية، عبر إجراء تحقيق داخلي لا يمكن للجمهور العامّ الاطلاع على مضمونه، أو عبر "تحديث الإجراءات". لكن لهذه الطرق جميعًا ثمّة معنى واحد. فهي لن تُحدث تغييرًا جوهريًا في سلوك الجنود في الميدان، ولن تُفضي إلى خطوات من أيّ نوع تُتخذ ضدّ المسؤولين عن إطلاق النار، ولن تمنع تكرار أفعال مشابهة في المستقبل.

هذه الحوادث الخطيرة، والردّ القاصر عليها من جانب جهاز الأمن، تثير السؤال: ما هو دور تعليمات إطلاق النار التي تُعطى للجنود؟. يرى الجهاز أنّ هذه التعليمات قد أعدّت لمنع وقوع إصابات قاتلة أو خطيرة للأشخاص الذين لا يشكّلون خطرًا على حياة أحد. لكن في الحالات المفصّلة أعلاه، كما في حالات كثيرة أخرى حقّقت فيها منظمة بتسيلم في الماضي، تصرّف الجنود بشكل مخالف لهذه التعليمات، ورغم ذلك لم تُتّخذ أيّة خطوات ضدّهم، بل ولم يتمّ التحقيق معهم في بعض الحالات، وبقيت التعليمات كما كانت.

مرارًا وتكرارًا، يختار جهاز الأمن عدم تغيير سياسة فتح النار أو طريقة معالجة قتل الفلسطينيين على يد أفراده دون أيّ مبرّر وبشكل يخالف التعليمات التي وضعها بنفسه. حتى في الحالات التي يُفتح فيها تحقيق، لا يسعى جهاز تطبيق القانون العسكريّ إلى الحقيقة وضمان المساءلة، بل هو يعمل على تمويه التحقيقات وطمس الحقائق وخلق مظهر زائف لتطبيق القانون والعدالة. هنالك مغزىً واحد لمواصلة اتّباع هذه السياسة، وبضمنها عدم إفضاء الانتهاك المتكرّر لتعليمات إطلاق النار إلى اتخاذ أيّ خطوات ضدّ أفراد قوّات الأمن المخالفين، ومواصلة الطمس في التحقيقات القليلة التي مع ذلك يتمّ فتحها، وهذا المغزى هو: قتل المزيد من الأشخاص- والأمر يدلّ على استخفاف لا يُحتمل بحياة الإنسان.