دير دبوان، محافظة رام الله: مستوطنون يهاجمون، ليلًا، عاملين في مزرعة ويسرقون مواشي، ثم بعد ساعات، صباحًا، يهاجمون مزارعين أثناء حراثة أراضيهم، يصيبون عددًا منهم ويسرقون مركبات
دير دبوان، محافظة رام الله: مستوطنون يهاجمون، ليلًا، عاملين في مزرعة ويسرقون مواشي، ثم بعد ساعات، صباحًا، يهاجمون مزارعين أثناء حراثة أراضيهم، يصيبون عددًا منهم ويسرقون مركبات
محمد عواودة بعد الاعتداء عليه. تصوير: محمد رمانة، بتسيلم
في الليلة الواقعة بين الخميس والجمعة، 26-25.12.25، قرابة الساعة 1:30 فجرًا، اقتحم خمسة مستوطنين ملثمين مزرعة تقع شمال قرية دير دبوان، في منطقة صُنّفت وفق اتفاقيات أوسلو كمنطقة . B
غرفة الحراسة التي جرى فيها تقييد وضرب (أ. ع.) وابن أخيه. تصوير: محمد رمانة، بتسيلم
كان أحد المستوطنين مسلحًا ببندقية بينما حمل الآخرون هراوات. اقتحموا غرفة الحراسة التي كان ينام فيها (أ. ع.)، من سكان القرية ويعمل في المزرعة، وابن شقيقه (م. ع.). جرّدوا (أ. ع.) من ملابسه وقيدوه من يديه وقدميه إلى السرير بينما كان يرتدي ملابسه الداخلية فقط، كما قيّدوا ابن شقيقه، الذي كان ينام على فراش على الأرض، بأسلاك شاحن هاتف. بعد ذلك اعتدوا عليهما بالضرب وهددوهما بالبندقية لعدة دقائق، ثم سرقوا بطاقتي هويتهما وهاتفيهما ومحفظة (أ. ع.) التي كان فيها مبلغ كبير من المال نقدًا.
في الوقت نفسه، اقتحمت مجموعة أخرى من المستوطنين حظيرة الأغنام في المزرعة وسرقت قطيعًا يضم 150 رأسًا من الغنم.
وقبل مغادرتهم غرفة الحراسة، حطم المستوطنون شاشة التلفاز الخاصة بكاميرات المراقبة وقطعوا سلك جهاز التسجيل وهددوا بقتل الرجلين إذا حاولا ملاحقتهم.
وبعد وقت قصير من مغادرة المستوطنين، تمكن (م. ع.) و(أ. ع.) من فك قيودهما وهربا عائدين إلى القرية حيث توجها لتلقي العلاج الطبي.
قرابة الساعة 8:30 صباحًا، وصل نحو 50 مزارعًا من القرية لحراثة أراضيهم المحيطة بالمزرعة بواسطة تراكتورات. جرت أعمال الحراثة دون أي إزعاج حتى نحو الساعة 12:30 ظهرًا، حين وصل مستوطنان مع قطيع أغنام وأدخلاه للرعي في الأراضي التي كان المزارعون قد حرثوها.
انتقل المزارعون إلى حراثة أراضٍ أخرى في محاولة لتجنب الاحتكاك مع المستوطنين، لكن قرابة الساعة 1:00 ظهرًا، وصل إلى المكان نحو 20 مستوطنًا في ثلاث مركبات، وكان بعضهم ملثمًا. كان بعضهم مسلحًا بالسلاح الناري وآخرون بالهراوات.
وبمجرد نزولهم من المركبات، بدأ المستوطنون بإطلاق الرصاص الحي نحو المزارعين الذين فروا من المكان، بعضهم بالمركبات وبعضهم سيرًا على الأقدام. لاحق المستوطنون المزارعين الذين فروا ركضًا وتمكنوا من اللحاق بعدد منهم واعتدوا عليهم بوحشية مستخدمين الهراوات والحجارة والبنادق.
كما سرق المستوطنون مركبتين وجرارين زراعيين وألحقوا أضرارًا بمركبات أخرى.
حاول بعض المزارعين صد الهجوم ورشقوا المستوطنين بالحجارة. وادعى مستوطنون على شبكات التواصل الاجتماعي أن رعاة مستوطنين تعرضوا لهجوم وأفادوا بإصابة أحدهم بحجر. وبعد نحو ربع ساعة، وصلت قوة عسكرية إلى المكان وبقيت مع المستوطنين نحو ساعة ونصف الساعة حتى غادروا، وبعد وقت قصير غادر الجنود أيضًا.
أُصيب تسعة مزارعين خلال الاعتداء نتيجة الضرب بالهراوات أو الحجارة ونُقلوا لتلقي العلاج الطبي.
سجّل باحث بتسيلم الميداني محمد رمانة إفادات عدد من المزارعين:
(أ. ع.)، أب لولدين:
أعمل في مزرعة لتربية الأغنام والأبقار في منطقة خلة اللوزة، شرق دير دبوان. بحسب علمي، صُنّفت هذه المنطقة وفق اتفاقيات أوسلو كمنطقةB . المزرعة التي أعمل فيها قائمة منذ نحو ثماني سنوات، ويملكها مزارعان.
توجد هنا ثلاث حظائر من الصفيح للأغنام والأبقار وغرفة حراسة من الصفيح وعدة غرف صغيرة مبنية من البلوك. يوجد في المزرعة 50 بقرة/عجلًا و150 نعجة و150 حملاً. أعمل حارسًا ليليًا وخلال النهار أُطعم المواشي وأعتني بها.
قبل نحو سنتين، أقام مستوطنون بؤرة رعوية تبعد نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر عن المزرعة في منطقة تُعرف باسم الذنّابية، في الأراضي الشرقية لدير دبوان. منذ ذلك الحين، هاجم مستوطنو هذه البؤرة سكان القرية عدة مرات وتسببوا بتهجير تجمعات رعوية في المنطقة. كما يجلب هؤلاء المستوطنون مواشيهم إلى هنا كل يوم تقريبًا ويرعونها قرب المزرعة. كذلك قطعوا التيار الكهربائي عن المزرعة عدة مرات.
الباب الزجاجي المكسور في غرفة الحراسة في المزرعة. تصوير: محمد رمانة، بتسيلم
في يوم الجمعة الموافق 26.12.25، كنت في المزرعة مع ابن أخي (17 عامًا). بعد أن أنهينا العمل ذهبنا للنوم في غرفة الحراسة الواقعة في الجهة الجنوبية من المزرعة، مقابل البؤرة الاستيطانية. عند الساعة 1:30 فجرًا استيقظت على صوت زجاج يتحطم. نظرت نحو باب غرفة الحراسة التي كنا ننام فيها، فرأيت رجلًا ملثمًا يحطم الباب الزجاجي. أدخل يده من الفتحة في الزجاج إلى المفتاح الموجود في القفل وفتح الباب بينما كان يسلط ضوء مصباح على وجهي.
ما إن فتح الباب حتى صوب بندقيته الطويلة نحونا. حين رأيته أدركت أن المصباح مثبت على البندقية. صرخ بالعربية الركيكة: "شرطة! جيش! سلّم نفسك!" ودخل الغرفة. دخل بعده أربعة رجال آخرين، جميعهم ملثمون ومسلحون بالعصي. فور دخولهم، هاجمني اثنان منهم بينما اعتدى اثنان آخران على ابن أخي الذي كان ينام على فراش على الأرض. لم نتمكن من رؤية سوى عيونهم. لاحظت أن أحدهم لديه ندبة كبيرة قرب عينه اليسرى وبشرته فاتحة.
المستوطنان اللذان اعتديا عليّ جرّداني تمامًا من ملابسي وأخذا كل ثيابي باستثناء الملابس الداخلية. أجبراني على الاستلقاء على بطني ثم قيدا يدي بأصفاد بلاستيكية وربطاهما برأس السرير الحديدي، وبعدها قيدا قدميّ بإطار السرير. غطى أحدهما وجهي وبدآ يضربانني ويشتمانني. كل ذلك جرى بينما كان الرجل الذي حطم النافذة وفتح الباب يوجه بندقيته نحونا. بعد ذلك سمعت المستوطنين يسألون ابن أخي عن حادثة تعرض فيها أحد المستوطنين لهجوم قبل نحو سنة. سألوه من الذي هاجم المستوطن، فقال إنه لا يعرف. ثم بدأوا يسألوننا أين يوجد المال والذهب في المزرعة. قلت لهم إننا مجرد عمال ولا نعرف عما يتحدثون.
الحظيرة التي سُرق منها القطيع. تصوير: محمد رمانة، بتسيلم
ظلوا يضربوننا ويشتموننا ويحققون معنا داخل غرفة الحراسة مدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، وخلال ذلك سمعت أصواتًا خارج الغرفة وقدرت أن هناك أشخاصًا آخرين في الخارج. بعد ذلك سرقوا بطاقة هويتي وهاتفيّ المحمولين وأجبروني على فتحهما. كما سرقوا هاتف ابن أخي ومحفظتي التي كان فيها 2,000 شيكل. وقبل مغادرتهم غرفة الحراسة، حطم أحدهم شاشة كاميرات المراقبة بأداة معدنية وقطع سلك جهاز التسجيل. وقبل أن يغادروا جميعًا، هددنا المستوطن الذي كان يتحدث العربية بالقتل إذا حاولنا ملاحقتهم أو تتبعهم. بعدها غادروا.
فور مغادرتهم، بدأت أحاول تحرير نفسي من الأصفاد البلاستيكية التي قيدوني بها. استغرق الأمر نحو دقيقة، ثم حررت قدميّ وبعدها حررت ابن أخي الذي كانوا قد قيدوه بأسلاك شاحن هاتف. لم يجردوه من ملابسه. كان لدي جرح ينزف في كف يدي اليمنى.
أخذوا ملابسي وحذائي لكنني وجدت ملابس أخرى وارتديتها، ثم غادرنا المزرعة وتوجهنا إلى منزل ابن أخي. من هناك اتصلت بصاحب المزرعة وأبلغته بما حدث، ثم ذهبت إلى العيادة في القرية حيث عالجوا الجرح في كف يدي اليمنى. كما كانت لدي كدمات في أنحاء مختلفة من جسدي وفوق عيني اليسرى.
حين عدت إلى المزرعة، كان صاحبها هناك مع عدد من الشبان وأبلغوني بأن 150 نعجة كبيرة سُرقت من المزرعة. لم أتفقد المزرعة قبل مغادرتنا لأنني كنت أخشى أن يكون المستوطنون ما زالوا في داخلها أو في محيطها.
أخشى أن أُضطر لترك عملي في المزرعة بسبب اعتداءات المستوطنين، وهو مصدر الرزق الوحيد لعائلتي. عائلتي تخشى أن أُصاب بأذى. هذه المرة كانت مجرد كدمات وسرقة أغنام، لكن المرة القادمة قد تكلفني حياتي.
محمد عواودة (68 عامًا)، أب لولد:
في يوم الجمعة الموافق 26.12.25، قرابة الساعة 10:00 صباحًا، ذهبت إلى أراضينا في منطقة خلة اللوزة/أم حبيب مع عدد من سكان القرية للإشراف على حراثة أراضينا. كنا نحو 50 شخصًا.
عندما وصلت كان بعض السكان والشبان موجودين هناك، وكانت التراكتورات قد بدأت الحراثة في المنطقة الشرقية. استمر العمل بهدوء ولم يكن هناك مستوطنون أو مشاكل. لكن قرابة الساعة 12:00-13:00 ظهرًا، جاء مستوطنان ملثمان مع قطيع أغنام وأدخلا القطيع إلى الأرض التي كنا قد حرثناها، في محاولة لاستفزازنا وافتعال صدام على ما يبدو. انتقلنا فورًا إلى حراثة قطعة أرض أخرى لتجنب أي احتكاك معهم. في تلك اللحظة رأيت أحد المستوطنين يتحدث عبر الهاتف، وبعد 10 إلى 15 دقيقة اقتربت ثلاث مركبات دفع رباعي من المكان الذي كنا نحرث فيه وتوقفت على الطريق الترابي على بعد يتراوح بين 50 و100 متر عن الأرض التي كنا نعمل فيها.
نزل من المركبات الثلاث 20 إلى 25 مستوطنًا على الأقل، معظمهم ملثمون وبعضهم مسلح ببنادق. كانوا جميعًا يرتدون ملابس مدنية. وما إن نزلوا من المركبات حتى بدأ المسلحون بإطلاق الرصاص الحي نحونا ونحو المركبات التي مرت في المنطقة. بدأنا جميعًا بالفرار شمالًا باتجاه الطريق الواصل بين دير دبوان وقرية رمون. لاحقنا المستوطنون وواصلوا إطلاق الذخيرة الحية علينا.
ركضت مع عدد من السكان حتى وصلت إلى مزرعة لأحد أهالي القرية، لكن بوابتها كانت مغلقة ولم نتمكن من الدخول، فواصلت الركض شمالًا بينما كان عدد من المستوطنين يلاحقونني. تمكن أحدهم، وكان مسلحًا، من اللحاق بي وصوب بندقيته نحوي وهو يصرخ بي أن أتوقف. لكنني لم أتوقف وواصلت الركض، فضربني ببندقيته على ظهري وأسقطني أرضًا. وما إن سقطت حتى هاجمني عدد كبير من المستوطنين وانهالوا عليّ بالضرب دون رحمة على جميع أنحاء جسدي مستخدمين البنادق والهراوات. ركزوا ضرباتهم على رأسي ووجهي، بشكل أساسي. لا أعرف كم استمر ذلك.
في الوقت نفسه رأيت مجموعة كبيرة من المستوطنين تواصل ملاحقة التراكتورات والسكان الذين حاولوا الفرار من المنطقة. بقي أربعة أو خمسة مستوطنين واقفين إلى جانبي، فتشوني وأخذوا هاتفي الآيفون ومفاتيح السيارة، ثم تركوني وابتعدوا. تمكنت من الوقوف على قدميّ والفرار باتجاه طريق دير دبوان- رمون، حيث صادفت سيارة لأحد السكان نقلتني إلى المركز الطبي في القرية. ومن هناك نُقلت إلى مركز فلسطين الطبي في رام الله، حيث خضعت لفحوصات وصور أشعة وتبين أن لدي كدمات وجروحًا في أنحاء جسدي، خاصة في الرأس والوجه. قطبوا جرحًا في الجهة الخلفية اليسرى من رأسي بست قُطَب. كما أخذت الشرطة الفلسطينية إفادتي في المستشفى.
بعد الاعتداء، وعندما انسحب المستوطنون، لم يعثر شبان القرية على سيارتي.
مرت عليّ لحظات مرعبة حقًا. الذين هاجموني لم يكونوا بشرًا. في البداية ظننت أنني لن أخرج من هناك حيًا، لكن الحمد لله خرجت بأضرار طفيفة نسبيًا مقارنة بحجم الذعر والرعب الذي شعرت به حين أطلقوا علينا الرصاص الحي.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.