خربة المراجيم، محافظة نابلس: مُستوطنون يهاجمون المنازل والسكان بالحجارة ويُضرمون النار في عدد من المنازل والسيّارات. الجنود يحتجزون السكان ويهاجمون طفلة ويتيحون للمُستوطنين مُغادرة المكان دون أن يوقفوهم
خربة المراجيم، محافظة نابلس: مُستوطنون يهاجمون المنازل والسكان بالحجارة ويُضرمون النار في عدد من المنازل والسيّارات. الجنود يحتجزون السكان ويهاجمون طفلة ويتيحون للمُستوطنين مُغادرة المكان دون أن يوقفوهم
المطبخ الذي حرقه المُستوطنون في منزل نسيم مسلّم. تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
في يوم الجمعة المُوافق 14.3.25، قرابة منتصف اللّيل، حضر إلى تجمّع خربة المراجيم الواقع جنوبي غرب قرية كفر دوما، نحو ثلاثين مستوطناً على تراكتورات صغيرة ("تراكتورونات")، وكان بعضهم مسلّحًا بسلاح ناريّ وبعضهم الآخر بالهراوات، ومعهم حاويات فيها موادّ قابلة للاشتعال.
هاجم المُستوطنون بالحجارة منازل التجمّع والسكان الذين خرجوا ليدافعوا عن منازلهم. عندما حاول الأهالي صدّ المُستوطنين عبر رشقهم بالحجارة أطلق المُستوطنون نحوهم الرّصاص الحيّ. بعد مضيّ نحو عشر دقائق أدرك الأهالي أنّ المُستوطنين كثيرون بحيث لن يتمكّنوا من صدّهم فتراجعوا إلى الوراء، ودخل البعض منهم إلى منازلهم. أضرم المُستوطنون النار في ثلاثة منازل، حطّموا كاميرات مُراقبة وألواحاً شمسيّة وأتلفوا خزّانات مياه ومعدّات أخرى.
المصابيح وخزّان المياه وكاميرات المُراقبة التي أتلفها المُستوطنون في منزل محمد مسلّم. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم
في منزل عائلة مسلّم، كان الطفلان موسى (سنة ونصف السنة) وميرا (خمسة أشهُر) وحدهُما، بعد أن خرج الوالدان تفحّص ما يجري في الخارج عندما علما بوجود المُستوطنين. اقتحم المُستوطنون المنزل وأخرجوا منه الطفلين ثمّ أضرموا فيه النار. عندما تنبّه المُستوطنون إلى وُجود الأب، محمد مسلّم، في الخارج ومعه آخرون من العائلة فرّوا من المكان وتركوا الطفلين بعيدين عن المنزل قرابة خمسين متراً. وقد أتت النيران على جميع محتويات المنزل.
بعد مضيّ نصف ساعة على بدء هُجوم المُستوطنين حضر إلى المكان نحو عشرين جنديّاً في أربع مركبات عسكريّة، وأتاحوا للمُستوطنين مُغادرة المكان دون عائق.
منزل نسيم مسلّم الذي أحرقه المُستوطنون. تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
أحد سكّان التجمّع، ويُدعى عارف مسلّم (40 عاماً)، كان في طريقه إلى التجمّع عائداً في سيّارته مع أفراد عائلته من إفطار رمضانيّ في تلفيت، وحين وصل إلى مدخل التجمّع أوقفه ثلاثة جنود وأمروه بأن يعود أدراجه. حين رفض ذلك جرّه أحد الجنود بالقوّة إلى خارج السيّارة وأوقعه أرضاً ثمّ أمره بأن ينبطح أرضًا ويداه خلف ظهره. عندما أخذت ابنته لين (14 عاماً) تصرخ "بابا! بابا!"، لكم أحد الجنود وجهها بقبضته، ما أدّى إلى تورّم وجهها. أوقف الجنود افراد العائلة مدّة عشر دقائق ثمّ سمحوا لهُم بمُواصلة طريقهم. عندما وصلوا إلى منزلهم تبيّن لهم أنّ النيران تشتعل فوق سطح المنزل، بعد أن أضرم المُستوطنون فيه النار.
مبنى المرحاض وخزّان المياه في ساحة منزل نسيم مسلّم، وقد أحرقهما المُستوطنون. في الخلفيّة، البؤرة الاستيطانيّة "جال يوسف". تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
استمرّ الهجوم نحو نصف ساعة تمكّن المُستوطنون خلالها من إحراق منزلين وسيّارة وإضرام النيران في منزل آخر. كذلك سرق المُستوطنون حصاناً وأتلفوا ألواحاً شمسيّة ونوافذ وأبوابًا ومُمتلكات أخرى.
باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي سجّلت إفادات عدد من سكّان التجمّع:
محمد مسلّم (25 عاماً)، أب لطفلين:
تركنا طفلينا في الغرفة وخرجنا أنا وزوجتي من المنزل، لكنّ المُستوطنين حطّموا الباب وأخذوا طفلينا. لم يخطر في بالنا أنّ هذا ما سيحدث، أن يُضرموا لنار ونصل إلى هذا الوضع. عندما رأوا أعمامي آتين تركوا الطفلين ولاذوا بالفرار. ولكن بعد ماذا؟ بعد أن أتلفوا كلّ شيء. الحمد لله على أنّ الأمر اقتصر على ذلك. منذ أن اندلعت الحرب يُهاجمنا المُستوطنون كلّ يوم تقريباً، وقد اشتدّت هجماتهم منذ بداية شهر رمضان. الجيش إلى جانبهم والجميع إلى جانبهم. قبل أسبوعين خرّبوا إطارات جرّار زراعيّ كان متوقّفاً في الخارج. إنّهم يصلون إلى الحظيرة ويسكبون العلف. في الهجوم الأخير، قبل بضعة أيّام، أتلفوا سيّارة جديدة اقتناها لي والدي منذ وقت ليس ببعيد. هكذا هو الوضع طوال الوقت.
نسيم مسلّم (60 عاماً)، أب لولدين:
في يوم الثلاثاء المُوافق 14.3.25، نحو السّاعة 00:10، كنت وحدي في المنزل وسمعت جلبة في الخارج. نظرت عبر إحدى النوافذ وشاهدت في الخارج ما يُقارب ستّة "تراكتورونات" ونحو 15 مُستوطناً يرشقون المنزل بالحجارة. بقيت في الغرفة وأقفلت بابها الحديديّ. أخذت الأصوات خارج الغرفة تتعالى، أصوات تكسير وتدمير، خبط أبواب ومعادن. طوال بضع دقائق، بدت لي دهراً، بقيت صامتاً ولم يبدر عنّي أيّ صوت، خشية أن يُطلقوا عليّ النار ويقتلوني.
نسيم مسلّم في منزله المُحترق. تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
عندما خفتت الأصوات في الخارج تشجّعت وفتحت الباب بحذر. شاهدت إطارين يشتعلان في وسط صالون المنزل الذي كانت النيران قد اشتعلت فيه. خرجت من المنزل بسُرعة. لقد أضرموا النار أيضاً في المبنى المتنقّل الذي نصبناه خارج المنزل ونستخدمه كمنافع. عند هذه المرحلة لم أشهد مستوطنين في الخارج.
اتّصلت بالدّفاع المدنيّ في بورين وأبلغتهم أنّ مُستوطنين قد هاجمونا وأحرقوا منزلي. في هذه الأثناء وصل عدد من أقارب العائلة من تلفيت، وبصعوبة تمكّنا من إخماد النيران، بأيدينا، لأنّنا لم نملك أيّة وسائل إطفاء. وصلت سيّارة الإطفاء فقط بعد مضيّ ساعة تقريباً، لأنّ بورين بعيدة عن المراجيم.
لقد احترق المنزل كلّه. كانت فيه ثلاث غرف، صالون ومطبخ وغرفتا منافع. تسبّبت شدّة النيران بتصدّع جزء من حيطان المنزل. المنزل قديم جدّاً فقد بناه جدّي قبل عشرات السّنين، فوق أرض كانت مُلك أجدادنا وورثناها عنهُم. أنا أيضاً أعمل في هذه الأرض كمُزارع وأعتني بها، لأنّها مصدر دخل لي ولأسرتي.
منذ ذلك اليوم أبيت خارج المنزل، في العراء، والنساء يبتن لدى أقاربنا في تلفيت.
نظرة على البؤرة الاستيطانيّة "جال يوسف" من مدخل منزل نسيم مسلّم. تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
محمد عارف مسلّم (39 عاماً)، أب لثمانية أولاد:
في يوم الثلاثاء المُوافق 14.3.25 كنّا مدعوّين لوليمة إفطار لدى والدي زوجتي في تلفيت. نحو السّاعة 00:40 عُدت إلى خربة المراجيم في سيّارتي، ومعي زوجتي ليندا مسلّم (42 عاماً) وأولادنا: لين (14 عاماً)، ماجد (12 عاماً)، مُرسي (11 عاماً)، شام (8 أعوام)، يحيى (6 أعوام)، هنيّة (4 أعوام)، عارف (3 أعوام)، ورائد (عام ونصف).
غرفة في منزل محمد مسلّم أضرم فيها المُستوطنون النار. تصوير: أفيشاي موهر، بتسيلم
في الطريق شاهدنا مركبة عسكريّة تقف في عرض الشارع وتسدّه. وكان هناك ثلاثة جنود أشاروا لنا أن نعود أدراجنا. قلت للجنديّ "إلى أين أذهب؟ أنا أريد العودة إلى منزلي". قال لي الجنديّ "ممنوع". قلت له "بيتي هُناك"، وأشرت إلى الطريق المؤدّية إلى منزلي، وكنت على بُعد نحو 300 متر منه.
سحبني الجنديّ من داخل السيّارة وأخرجني منها بالقوّة ثمّ ألقى بي أرضاً. قال لي "ابق على الأرض، واليدان وراء الظهر". وضعت يديّ خلف ظهري، وأنا مبطوح على بطني.
صارت ابنتي لين تصرخ وتقول "بابا! بابا!"، فما كان من الجنديّ إلّا أن تقدّم نحوها ولكم وجهها بقبضته، وهي في داخل السيّارة. تورّم وجهها، لكنّ وضعها الآن أفضل. جميع أولادي كانوا يبكون مذعورين. لم نعرف شيئاً. كنّا عائدين إلى المنزل، كأيّة أسرة أخرى.
بعد مضيّ عشر دقائق تقدّم نحوي جنديّ آخر وطلب بطاقة هُويّتي فناولته إيّاها. أمرني أن أعود إلى المنزل، وعندما سألته "ماذا عن بطاقة هُويّتي؟" قال لي وهو يُدخلها في جيبه "فيش".
واصلت طريقي إلى المنزل وبُغتّ حين شاهدت النيران تشتعل على السّطح. طلبت من زوجتي والأولاد أن يبقوا داخل السيّارة، لأنّني خفت عليهم، وأخمدت النيران. لاحظت أنّهم قد ألحقوا أضراراً في السّقف. يبدو أنّهم حاولوا الدّخول إلى المنزل لكي يُحرقوه. سطح المنزل من الصّفيح. الحريق على السّطح سبّب أضراراً لخزّان المياه. وجدت فيه ثقوباً.
كذلك حطّم المُستوطنون سبع كاميرات منصوبة حول المنزل، وثلاثة مصابيح كشّاف "بروجكتور" تعمل على الطاقة الشمسيّة. لقد أحرقوا أيضاً ماكينة غسيل كانت في ساحة المنزل، وبدت النوافذ كأنّما حاولوا اقتحامها، لكنّهم لم يفلحوا. الكهرباء كانت مقطوعة بسبب النيران التي اشتعلت على سطح المنزل.
قُدت سيّارتي إلى منزل والديّ لكي تبيت زوجتي والأولاد عندهُم، لأنّنا خفنا أن يعود المُستوطنون.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.