في تجمُّع خربة أبو الريش، الذي كان قائمًا على أراضي قريتي رنتيس واللبّن الغربيّة، كانت تسكن حتّى شباط 2025 أمّ وأبناؤها الخمسة مع عائلاتهم، وهم من عائلة محاريق الموسَّعة. وكان عدد أفراد التجمُّع 29 شخصًا، بينهم 11 قاصرًا.
تنحدر عائلة محاريق من بلدة السمّوع في تلال جنوب الخليل، وقد انتقل أفرادها للسكن في قرية دير بلّوط في العام 2000. لكن في العام 2006، وبعد أن هدمت الإدارة المدنيّة بعض منازلهم وأصدرت أوامر هدم لمنازل أخرى، رحلوا عن القرية وانتقلوا إلى منطقة أبو الريش، حيث لا يزالون يسكنون حتّى اليوم ويكسبون رزقهم من رعي الأغنام.
في العام 2017 هدمت الإدارة المدنيّة ثلاثة منازل تابعة للعائلة كان يسكنها 13 فردًا، بينهم 5 قاصرين، وخمسة مبانٍ لم تكن مستخدمة للسكن، فاضطرّ السكّان إلى الانتقال من المكان مسافة بضع عشرات من الأمتار وإعادة بناء منازلهم.
وفي مطلع العام 2023 أقام مستوطنون البؤرة الاستيطانيّة "حفات أفيحاي" على بُعد نحو كيلومتر واحد عن منازل التجمُّع. بعد إقامتها بدأ السكّان يعانون من مضايقات مُقيمها إيتان ملط، وتقلّصت مساحات الرعي الخاصّة بهم بسبب خوفهم من الاقتراب من البؤرة الاستيطانيّة.
بعد اندلاع الحرب في 7.10.23 ارتفعت وتيرة مضايقات المستوطنين وتقلّصت قدرة السكّان على الوصول إلى مناطق الرعي بشكل أكبر واضطرّوا إلى بيع جزء كبير من أغنامهم من أجل تمويل مصاريفهم.
في 13.4.24، خلال الليل، أشعلت مجموعة من المستوطنين النار في اثنتين من الخيام السكنيّة في التجمُّع في الوقت الذي كان ينام في إحداهما اثنان من أفراد العائلة، وقد تمكَّنا من الفرار منهما في الوقت المناسب. أمّا الخيمتان فاحترقتا بشكل كامل.
بعد هذا الحادث، قرّر أفراد العائلة أن يعود الأطفال وبعض النساء إلى منازلهم القديمة في السمّوع، بينما يبقى الرجال في المكان لحراسة ممتلكاتهم. وبقيت والدة الإخوة وزوجتا اثنين منهم في خربة أبو الريش.
استمرّت مضايقات ومطاردات المستوطنين. وفي يوم 27.1.25، اندلعت مشادّة كلاميّة بين ملط، الذي كان يرعى قطيع أبقاره قرب التجمّع، والسكّان. وبعد وقت قصير حضر إلى المكان أربعة مستوطنين وستّة جنود، معروفين للسكّان بأنهم مستوطنون، في تراكتور صغير ومركبتين رباعيّتي الدفع، وكان بعضهم مسلّحًا بهراوات وبعضهم الآخر بأسلحة ناريّة.
بدأ المستوطنون والجنود بمهاجمة أفراد العائلة بالهراوات وبأعقاب البنادق. وبعد نحو عشر دقائق تمكّن أفراد العائلة من الابتعاد عن المكان واستدعاء الشرطة. عندما وصل أفراد الشرطة وجنود إضافيّون إلى المكان سمحوا للمعتدين بالمغادرة دون احتجاز أيّ شخص منهم.
نُقل بلال محاريق (46 عامًا)، الذي أصيب في رأسه بقضيب حديديّ، إلى المستشفى على وجه السرعة لتلقّي العلاج.
في يوم الجمعة الموافق 21.2.25، قرابة الساعة 5:00، وصلت مركبة عسكريّة إلى التجمّع وخرج منها أربعة جنود شرعوا في تخريب خيام التجمّع بالسكاكين وتدمير الأثاث والمعدّات الأخرى. بعد ذلك هدّدوا السكان بإحراق خيامهم مع سكّانها إذا لم يغادروا المكان في غضون أسبوع.
في الأيّام التالية عاد الجنود وتجبّروا على السكّان، احتجزوهم وأجبروهم على الجلوس على الأرض لفترات زمنيّة متفاوتة، كما اعتدوا عليهم بالضرب في بعض الأحيان.
في 28.2.25، قرّر السكّان الذين بقوا في المكان أنّهم لم يعودوا قادرين على تحمّل الضغوط الممارسة عليهم، فغادروا منازلهم. عاد بعضهم إلى السمّوع وانتقل بعضهم الآخر للسكن لدى معارف لهم في قرية دير بلّوط المجاورة، حيث نقلوا إلى هناك ما تبقّى لديهم من أغنام وعددها 70 رأسًا.
محمّد محاريق (35 عامًا) قال في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد رمّانة، في 4.3.25:
في يوم الجمعة الموافق 21.2.25، قرابة الساعة 5:00 فجرًا، وصلت مركبة تابعة للجيش الإسرائيليّ إلى خيامنا وخرج منها أربعة جنود بكامل عتادهم العسكريّ وبوجوه مكشوفة. بقي جنديّ واحد بجانب المركبة العسكريّة واقترب ثلاثة جنود إلى خيامنا.
أعتقد أنّ أحد هؤلاء الثلاثة كان قد حضر إلى خيامنا في السابق مع المستوطن إيتان، لكنّه كان يرتدي حينها ملابس مدنيّة.
عندما وصلوا، كان أخي إسماعيل مستيقظًا وكانت أمّي أيضًا مستيقظة وكانت تخبز الخبز. طلب أحدهم من أخي إسماعيل تراخيص التراكتور الخاصّ بنا ووثائق سيّارة "مشطوبة" (بدون ترخيص) كانت موجودة هناك.
في تلك الأثناء استيقظتُ أنا وإخوتي وأبناء إخوتي ورأينا الجنديّين الآخرين يقتربان من خيامنا. وفجأةً بدآ بثقب وتمزيق شوادر الخيام بالسكاكين.
دفع أحدهم والدتي المسنّة (69 عامًا) وسكب الطحين الذي كانت تخبزه على الأرض. ثمّ أمرونا جميعًا بالتجمّع أمام الخيام وقام الجنديّان أيضًا بتدمير أثاثنا والبطانيّات والوسائد وألقوا بها على الأرض.
راح الجنديّ الذي فحص التراخيص يهدّدنا بأنّه سيحرق المكان على مَن فيه إذا لم نغادر خلال أسبوع.
في الأيّام التالية وصلت المركبة العسكريّة إلى منطقة خيامنا مرّة أخرى، وطلب الجنود بطاقات هويّتنا وهواتفنا مجدّدًا وأجبرونا على الجلوس على الأرض وضربونا في بعض الأحيان.
لم يحضروا في وقت محدّد. كانوا يأتون أحيانًا في الصباح الباكر، وأحيانًا أخرى في فترة ما بعد الظهر، وكانوا يأتون أحيانًا أكثر من مرّة في اليوم.
على امتداد هذه الفترة كلّها جاء إيتان أيضًا إلى خيامنا أكثر من مرّة، مع أبقاره، والتقط لنا صورًا بهاتفه. في الأيّام التي لم يحضر فيها كان يُطيِّر طائرة شراعيّة فوق خيامنا.
في يوم الجمعة الموافق 28.2.25، قرابة الساعة 15:00، انتهينا من رزم الأغراض الأساسيّة وحمّلناها مع سبعين رأسًا من الأغنام بقيت لدينا في مركبة ونقلنا كلّ شيء إلى صديقنا الذي يسكن في دير بلّوط، قرب رنتيس.
انتقلت زوجتا شقيقيّ إسماعيل وبلال إلى قرية السمّوع، جنوبيّ الخليل، وانتقلتُ أنا وزوجتي للسكن لدى أحد أصدقائي في قرية دير بلّوط، لكي نبقى على مقربة من مكان تجمّعنا. أذهب إلى موقع خيامنا من حين إلى آخر، للاطمئنان عليها.