في 3.10.24، قرابة الساعة 22:00، قصفت طائرة حربيّة إسرائيليّة مبنى سكنيًّا مكوَّنًا من ثلاثة طوابق في قلب مخيّم طولكرم للّاجئين. أصابت المبنى ثلاثة صواريخ ودمّرت المقهى والشقّة في الطابق الأرضيّ. قُتل كلّ الذين كانوا فيه. علي خريوِش (24 عامًا)، من سكّان الحيّ، قال في إفادته:
"بدأتُ أركض نحو المبنى كما فعل شبّان كثيرون من المخيّم […]. حاولنا إخماد النار والعثور على ناجين. صُدمتُ عندما اتّضحت الأمور. شقّة سجى خريوِش، إحدى قريباتي، والمجاورة للمقهى، أصبحت خرابًا. رأيتُ أيدي وأرجل ورؤوس شبّان مقطوعة وممزّقة. أكثر ما آلمني هو رؤية رأس الطفل كرم مقطوعًا عن جسده. بدأ السكّان والمسعفون سويّةً بإخلاء الضحايا. أدّت انفجارات الصواريخ الثلاثة التي أطلقتها طائرة إسرائيليّة إلى تناثر جثث معظمهم. خلال عمليّة الإخلاء عثرنا على قتيل تطايرت جثّته بفعل الانفجار وسقطت على أسلاك الكهرباء والهاتف خارج المقهى. نُقلت أشلاء جثث الشبّان الذين كانوا في المقهى والشقّة المجاورة في كراتين إلى المستشفيات".
منذ 7 تشرين الأوّل 2023 أصبحت مخيّمات اللّاجئين والمدن في شمال الضفّة الغربيّة أهدافًا لغارات جوّيّة متكرّرة من قبَل الجيش الإسرائيليّ. ووفقًا لتوثيقات بتسيلم، فمنذ 7.10.23 حتّى 8.3.25، قُتل 261 شخصًا، من بينهم 41 قاصرًا على الأقل، في 69 عمليّة قصف نفذها الجيش الإسرائيلي. بعض تلك الغارات تم تنفيذه بواسطة طائرات حربية، وذلك للمرة الأولى منذ الانتفاضة الثانية. للمقارنة فقط، يشار إلى أن الجيش قَتل 14 شخصًا في عمليّات القصف الجوّيّ في الضفّة الغربيّة على مدى أكثر من 18 عامًا، من 2005 حتّى أوائل تشرين الأوّل 2023.
الدمار في الطابق الثاني والمكان الذي اخترق الصاروخ منه الأرض باتجاه الطابق الأرضي, مُخَيَّم طُولكَرْم. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم
تشكّل عمليّات القصف الجوّيّ في الضفّة الغربيّة جزءًا من تغيير مفهوميّ وعمليّاتيّ أوسع نطاقًا. فمنذ الأسابيع الأولى التي أعقبت هجوم حماس في 7 تشرين الأوّل 2023، أوضح عدد كبير من ممثّلي الجمهور أنّ الحرب التي تشنّها إسرائيل لا تدور رحاها في قطاع غزّة فحسب، وإنّما هي موجَّهة ضدّ مجمل الفلسطينيّين الذين يعيشون تحت سيطرة النظام الإسرائيليّ. في هذا السياق تحدّث رئيس الدولة، يتسحاق هرتسوغ، عن "أمّة بأكملها مسؤولة" عن جرائم حماس، وأوضح وزير الماليّة والوزير الإضافيّ في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، أنّه من ناحيته "لا فرق بين حماس و'الشعب الفلسطينيّ' [...] سوف نحاربهم في يهودا والسامرة أيضًا". وفي وقت لاحق، نسخ ممثّلو جمهور مختلفون لغة الخطاب العسكريّ التي استُخدمت بشأن الهجوم على قطاع غزّة مُحوّلين إياها إلى إعلان نوايا بشأن كثافة النشاط العسكريّ المطلوب، من وجهة نظرهم، في الضفّة الغربيّة. طالب وزير الأمن يسرائيل كاتس بالمساواة بين النشاط العسكريّ في غزّة والنشاط العسكريّ في الضفّة الغربيّة، وصرّح بتسلئيل سموتريتش بأنّ "الفندق، نابلس وجنين يجب أن تبدو مثل جباليا". وقد حظيت هذه التصريحات بمصادقة رسميّة عندما أضافت حكومة إسرائيل "تصعيد النشاط الهجوميّ" في الضفّة الغربيّة إلى وثيقة "أهداف الحرب" في كانون الثاني 2025، وهو القرار الذي نسب سموتريتش الفضل فيه لنفسه. وبحسب التصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير الأمن، كاتس، فمن المتوقّع أن تستمرّ المداهمات الواسعة والفتّاكة التي ينفّذها الجيش في البلدات الفلسطينيّة في شمال الضفّة الغربيّة وأن تتسع لتشمل جميع أنحاء الضفّة الغربيّة.
عمليّات القصف الجوّيّ التي استهدفت، بحسب بيانات الجيش، ناشطين مسلّحين في المخيّمات، جرى تنفيذها في عدد من المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكّان في الضفّة الغربيّة، ما عرَّض السكّان المدنيّين إلى خطر شديد. وكانت عمليّات القصف تُنفَّذ، في كثير من الأحيان، بالتزامن مع اجتياحات برّيّة، أو خلال وقت قريب منها. إضافةً إلى ذلك، أفادت منظّمة "أطبّاء بلا حدود" بأنّ الحصار الذي فُرِض على المناطق التي اجتاحتها القوّات، والدمار الواسع الذي خلَّفته وراءها هذه القوّات، أدَّيا بشكل متواصل إلى عرقلة وصول المرضى والجرحى لتلقّي العلاج الطبّيّ.
خلال اقتحام لقرية طمون، في 8.1.25، أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا أدّى إلى مقتل ثلاثة أبناء عمّ، اثنان منهم طفلان، بجانب منزلهم، وهم: آدم بشارات (23 عامًا)، حمزة بشارات (10 سنوات) ورضا بشارات (8 سنوات). في التحقيق الميدانيّ الذي نشره الجيش ورد ادّعاء بأنّه تم تحديد الشابّ والطفلين وكأنهم يقومون بزرع عبوات ناسفة إثر معلومات استخباراتيّة، لكن لم يتمّ العثور لاحقًا على عبوات ناسفة في المكان. فداء بشارات (41 عامًا)، أمّ لخمسة، بينهم رضا ابن الـ 8 سنوات الذي قُتل في الحادثة، قالت في إفادتها:
" [...] واصلتُ حمل ابني، ولكنّي كنتُ أعلم بأنّه مات. بعد ذلك بوقت قصير أحضر الجنود بطانيّات من منزل عبلة وغطّوا القتلى الثلاثة. لم يحاولوا تقديم الإسعاف الأوّليّ لهم أو حتّى فحصهم، فكان واضحًا أنّهم ميّتون. أخذوهم على نقّالات وغادروا المكان. [...] رضا كان ابننا الوحيد. وُلِد بعد أربع بنات. كان أمير الصفّ والابن المدلّل. أراد دائمًا أن نزور القدس، ولكن بسبب الوضع لم نتمكّن من فعل ذلك. كان يقول لي: "سأشتري سيّارة، وآخذك إلى القدس لأشتري لك كلّ ما تريدين". كان قريبًا جدًّا منّي، وكان دائمًا يقبّل يدَيَّ ورأسي. رغم صغر سنّه إلّا أنّ تفكيره كان أكثر نموًّا من تفكير أصدقائه. شعرتُ بأنّه صديقي. كلّ يوم أشعر بأنّه ينأى ويبتعد عنّي أكثر فأكثر."
في 4 تشرين الأوّل 2024 أدانت مفوَّضيّة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان الهجوم الذي شنّه الجيش على طولكرم في اليوم السابق (لتفاصيل الحادثة والإفادات الكاملة)، ووصفته بأنّه "جزء من نمط مقلق للاستخدام غير القانونيّ للقوّة من قبَل قوّات الأمن الإسرائيليّة في عمليّات عسكريّة شبْه حرب في الضفّة الغربيّة". ووفقًا للمفوّضيّة، فإنّ هذا الاستخدام للقوّة القاتلة هو "غير ضروريّ في كثير من الأحيان، وغير متناسب - وبالتالي فهو غير قانونيّ" بموجب الأحكام المعمول بها فيما يتعلّق بإنفاذ القانون في أرضٍ محتلّة. كما أدانت مفوّضيّة الأمم المتّحدة الغارات الجوّيّة الإسرائيليّة في شمال الضفّة الغربيّة على امتداد أشهر الحرب، في بيانات أصدرتها في تشرين الثاني 2023، آب 2024 وكانون الثاني 2025.
ينبغي النظر إلى الاعتماد المتزايد على القصف الجوّيّ في المناطق الحضريّة المكتظّة باعتباره جزءًا من نهج أشمل لـ "غزوَنة" الضفّة الغربيّة، يتضمّن استنساخًا متزايدًا لأساليب وأنماط قتاليّة إضافيّة طوّرها الجيش الإسرائيليّ وصقلها خلال هجومه الذي استمرّ أشهرًا على غزّة. على سبيل المثال، أصبحت سياسة إطلاق النار التي ينتهجها الجيش في الضفّة الغربيّة أكثر تساهلًا بشكل متزايد، وهي تؤدّي، في كثير من الحالات، إلى إلحاق أضرار عشوائيّة وغير متناسبة بالمدنيّين الفلسطينيّين. وتتميّز عمليّات الاجتياح العسكريّ المتكرّرة للبلدات الفلسطينيّة بتدمير واسع النطاق للبنى التحتيّة المدنيّة، بما في ذلك الشوارع، شبكات الكهرباء، المياه والصرف الصحّيّ، وحتّى القصف المتعمّد للبيوت السكنيّة، ما يُعيد إلى الأذهان أساليب القتال التي استخدمها الجيش الإسرائيليّ في قطاع غزّة. إنّ إحدى أبرز النتائج وأكثرها خطورة لاستخدام هذه الأساليب في الضفّة الغربيّة، شأنها شأن قطاع غزّة، هي التهجير الجماعيّ للمدنيّين من مناطق النشاط العسكريّ. وبحسب وكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (UNRWA)، فإنّه منذ بدء عمليّة "الجدار الحديديّ" التي أعلنها الجيش في 21 كانون الثاني 2025، والتي امتدّت من مخيّم جنين للّاجئين إلى مخيّمات طولكرم، نور شمس والفارعة، تعرَّض نحو 40,000 فلسطينيّ للتهجير القسريّ من منازلهم.
إنّ حيثيّات الحوادث والإفادات الواردة أعلاه مأخوذة من تحقيق ميدانيّ أجرته بتسيلم في أربع حالات قصف جوّيّ في شمال الضفّة الغربيّة وقعتْ بين آب 2024 وكانون الثاني 2025. وقد قُتل ضحايا الغارات الأربع أثناء وجودهم في مقهى، في الشارع أو في منازلهم. قُتِل 18 شخصًا من جرّاء قصف طولكرم في 3.10.24، بينهم عائلة مكوّنة من أربعة أفراد قُتلت كلّها في منزلها؛ قُتلت امرأتان داخل منزلهما إثر قصف طولكرم في 24.12.24؛ قُتل ثلاثة أبناء عمّ، اثنان منهم طفلان (8 و10 سنوات)، بينما كانوا يلعبون في الساحة بجوار منزلهم في القصف الذي تعرّضت له بلدة طمّون في 8.1.25. وقد قُتل، جراء القصف على مخيم الفارعة مساء 18.8.24، أربعة شبان اثنان منهم قاصران كانا ينامان على سطح منزلهما. فيما يلي التحقيق الميدانيّ الكامل:
تفاصيل الحوادث:
طائرة إسرائيلية أطلقت صاروخًا أصاب جدارً وقائيًا على سطح بناية سكنية في مخيم الفارعة، مما أدى إلى مقتل قاصرَيْن كانا نائمين على السطح وشابين آخرين كانا في الشارع بمحاذاة البناية [للمزيد عن الحادثة]
طائرة حربيّة إسرائيليّة قصفت مقهى داخل مبنى سكنيّ في مخيّم طولكرم للّاجئين، ما أدى إلى مقتل 18 فلسطينيًّا [للمزيد عن الحادثة]
خلال عمليّة اجتياح استمرّت يومين لمخيّمي طولكرم ونور شمس، أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا أدى إلى مقتل امرأتين وهما في منزليهما [للمزيد عن الحادثة]
خلال اجتياح لبلدة طمّون، أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا أدى إلى مقتل طفلين وشابّ بجانب منزل عائلتهم [للمزيد عن الحادثة]
طائرة حربية إسرائيلية تطلق صاروخا يصيب حاجزًا وقائيًا على سطح مبنى سكني في مخيم الفارعة ويقتل قاصرَيْن كانا نائمين على السطح وشابين كانا في شارع مجاور للمبنى
إبراهيم غنيمة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في يوم 28.8.24، أطلقت إسرائيل عملية "مخيمات صيفية"، التي شملت سلسلة من المداهَمات استمرت بضعة أيام شنتها القوات الإسرائيلية على مخيمات اللاجئين والمدن في شمال الضفة الغربية. في تلك الليلة، حوالي منتصف الليل، داهمت قوات من عدة اتجاهات مخيم الفارعة للاجئين في محافظة طوباس برفقة جرافات عسكرية بدأت بتدمير الشوارع والبنى التحتية في أنحاء المخيم. وقد اندلعت في عدة مواقع في المخيم اشتباكات شملت إلقاء الحجارة على القوات الإسرائيلية وتبادل إطلاق النار بين مسلحين والقوات.
في تلك الليلة، كان ثلاثة أشقاء من عائلة نعجة نائمين على سطح منزلهم المكون من ثلاثة طوابق في المخيم، بسبب الحرّ الشديد. أفراد الأسرة الآخرون، الذين بقوا داخل المنزل، كانوا يتابعون عملية الاقتحام على وسائل التواصل الاجتماعي. خارج المبنى كانت تجلس مجموعة من الشبان، بعضهم نشطاء في تنظيمات مسلحة. حوالي الساعة 2:00، أطلقت طائرة حربية إسرائيلية صاروخًا أصاب حاجزًا واقيًا على السطح مما أسفر عن مقتل اثنين من الأشقاء الذين كانوا نائمين عليه ـ مراد نعجة (14 عامًا) ومحمد نعجة (17 عامًا)؛ وأصيب شقيقهما بشار (27 عامًا) بجروح خطيرة، كما أصيب والدهما مسعود نعجة (52 عامًا) بينما كان لدى والدته في الطابق الأول. وأصيب، أيضًا، عشرة من الشبان الذين كانوا يجلسون خارج المبنى. وقُتل كذلك، على الفور، اثنان من النشطاء، هما إبراهيم غنيمة (22 عامًا) وأحمد نبريسي (23 عامًا).
أحمد نبريسي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
قام سكان من المخيم بإخلاء الشبان الذين أصيبوا في الشارع عبر الأزقة وتمكنت عائلة نعجة من إخلاء بشار، الذي أصيب بشظايا في ساقيه، إلى داخل المنزل وتقديم العلاج الأولي له ولوالده مسعود، الذي أصيب بشظايا في ظهره. كان أفراد الأسرة يخشون إخلاء الشقيقين اللذين قتلا لأن الطائرات الإسرائيلية كانت لا تزال تحلق فوق المنزل. ولم يُسمَح لطاقم الإسعاف الذي وصل إلى مكان الحادث بالدخول إلى المنزل وتم توثيق الجنود في شريط فيديو وهم يعيقون سيارة الإسعاف. بعد حوالي ثلاث ساعات من الهجوم، تمكن أفراد الأسرة من مغادرة المنزل خِفية وإخلاء مسعود وبشار لتلقي العلاج الطبي، بينما كانوا يحملونهم بأنفسهم عبر الأزقة حتى الوصول إلى سيارة الإسعاف. ولم يتمكن المسعفون من الصعود إلى سطح المنزل إلا في حوالي الساعة 9:30 صباحًا، بعد التنسيق مع الهلال الأحمر، ولم يُسمَح لهم بإخلاء جثمانيّ الفتيين القتيلين إلا بعد أن تأكد الجنود من أنهم غير مسلحين.
حاجز السطح الذي أصابه الصاروخ الذي أطلق على بناية عائلة نعجة. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
في البيان الذي أصدره المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي عقب الحادث، تجاهلَ بصورة تامّة حقيقة أن اثنين من القتلى كانا قاصرَيْن أصيبا أثناء نومهما على سطح منزلهما وكذلك حقيقة إصابة اثنين آخرين من أفراد الأسرة واكتفى بالقول فقط إن "طائرة هاجمت وقتلت من الجو أربعة "مخربين" مسلحين كانوا يعرّضون القوات في المنطقة للخطر". بالإضافة إلى ذلك، يشير تحقيق أجرته بتسيلم إلى أن الشبان الذين كانوا في الشارع بالقرب من منزل العائلة، بمن فيهم غنيمة وأحمد نبريسي، الذين قتلوا جراء الصاروخ، لم يشاركوا في تبادل إطلاق النار. وفي الواقع، لم يكن السكان على علم بوجود قوات إسرائيلية في الجوار.
جمع باحث بتسيلم الميداني عارف دراغمة إفادات من أبناء العائلة في 2.9.24:
عمّ مراد ومحمد، حازم نعجة (40 عامًا)، أبٌ لثلاثة، قال في إفادته:
محمد نعجة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
أسكن في مبنى مؤلّف من ثلاثة طوابق في وسط مخيم الفارعة للاجئين، حيث يسكن أيضًا إخوتي وعائلاتهم وأمّي المسنّة. جاء والداي إلى المخيم كلاجئين بعد طردهما من قرية الكفرين في قضاء حيفا.
كانت ليلة 28.8.24 ليلة رعب لم نشهد لها مثيلًا من قبل. حوالي منتصف الليل سمعنا أن قوات كبيرة كانت تداهم المخيم من جميع الاتجاهات. كنت في المنزل مع زوجتي وأولادنا وأبقينا الأولاد بعيدًا عن النوافذ خوفًا من إطلاق النار عليهم من قبل القوات الإسرائيلية. حوالي الساعة الثانية ليلًا، سمعنا صوت انفجار قويّ، مقابل بنايتنا وكذلك من جانبه الغربي. سمعت سلام، زوجة أخي مسعود، تصرخ من الطابق السفلي أن مسعود قد أصيب. صعدنا إلى السطح معًا ورأينا أبناء أخي مضرّجين بدمائهم. كان جثمانا اثنين منهم ممزقين، وكان أحدهما مقطوع الرأس. كان بشار مصابًا ويئن من الألم. كانت طائرة بدون طيار لا تزال تحلق فوقنا وخشينا أن تطلق النار علينا. لم نتمكن من البقاء وإخلاء الجثث، لكننا تمكنا من إخلاء بشار وإدخاله إلى المبنى. كما تضررت النوافذ في المبنى وخزانات المياه على السطح بسبب الصاروخ.
سحبتُ بشار على الدرج، وبمساعدة أفراد الأسرة الآخرين نقلناه إلى غرفة الاستقبال في شقتنا. تعمل زوجتي ممرضة ولدينا بعض الضمادات والمطهرات في المنزل، لذلك بدأنا بتقديم العلاج له. أصيب أخي مسعود بجروح طفيفة. كان الجميع خائفين للغاية، يبكون ويصرخون من المشاهد الفظيعة.
لم نتمكن من إخلاء بشار ومسعود إلا بعد حوالي ثلاث ساعات، حوالي الخامسة فجرًا، وذلك عن طريق الأزقة. تحققنا من عدم وجود جنود في الخارج ثم نقلناهما مسافة تزيد عن 70 مترًا ومن هناك تم إخلاؤهما بواسطة سيارة إسعاف إلى المستشفى وعدنا نحن إلى المنزل. لم نستطع إخلاء جثتي القتيلين لأن الصعود إلى السطح كان لا يزال خطِرًا. كان هناك عدد كبير جدًا من الجنود في المخيم.
في حوالي الساعة التاسعة صباحًا، جاء جنود إلى المنزل مع مسعفي الهلال الأحمر. صعدوا إلى السطح وتأكدوا من أنهما قاصران وبعد ذلك فقط سمحوا للمسعفين بإخلائهما بواسطة سيارة الإسعاف. بقي الجيش في المعسكر لأكثر من ثلاثين ساعة. طوال ذلك الوقت لم نتمكن من إحضارهما للدفن. الاحتلال قتل أبنيّ أخي دون أي مبرر. نحن أناس بسطاء، فقط نعمل ونعيش حياتنا. ليس بيننا مسلحون أو مطلوبون. ثمة من ينبغي محاسبته على هذه الأفعال.
حوالي الساعة الثانية، كنت في شقتنا في الطابق الأوسط مع عائلتي. رأيت، مثل الجميع، على وسائل التواصل الاجتماعي أن هناك اقتحامًا للمخيم. جلست حاملًا هاتفي لسماع الأخبار ومتابعتها. نزل زوجي، مسعود، إلى الطابق الأول للاطمئنان على والدته، التي تعيش هناك بمفردها منذ وفاة زوجها، رحمه الله.
فجأة، سمعت صوت انفجار قوي. نزلت إلى الطابق السفلي ورأيت مسعود ينزف. من هول الصدمة، لم يكن قادرًا على الحركة. عُدت إلى أعلى بسرعة وناديتُ شقيقه، حمزة، وآخرين من أبناء العائلة لمعالجته. أردت أن أفحص ما جرى لأولادي: مراد ومحمد وبشار، الذين كانوا نائمين على السطح، كما يفعلون في الصيف عادة لأن المنزل حار جدًا. صعدت إلى هناك بسرعة وما رأيته عندما وصلت صدمني. أصابتني نوبة هستيرية. رأيت أبنائي على الأرض يغرقون في دمائهم. جثمان محمد كان ممزقًا إلى قطع متناثرة على السطح. كان بشار مصابًا ويتحرك قليلاً. عدت بسرعة إلى الطابق السفلي وطلبت المساعدة. خرج الجميع بحذر، خوفًا من إطلاق الجيش المزيد من النيران. تمكنتُ أنا وحازم، شقيق زوجي، من إنزال بشار إلى شقة حازم في الطابق الثالث وهناك قامت زوجته عبير، التي تعمل ممرضة، بتضميد جراح بشار. تركنا جثتي مراد ومحمد على السطح. حاولنا التركيز على معالجة الجرحى. كنا مذعورين جدًا وابتعدنا عن النوافذ التي تحطم زجاجها جرّ اء القصف.
بقي زوجي وبشار المصابان في المنزل لأكثر من 3 ساعات ثم حمل حازم شقيقه مسعود على ظهره وتمكنّا من حمل بشار حتى المكان لذي تم منه إخلاؤهما بواسطة سيارة إسعاف لتلقي العلاج إلى المستشفى التركي في طوباس. في تلك الأثناء، كان الفجر قد بدأ يبزغ. لم نرَ جنودًا حول المنزل، لكن السكان أفادوا بأن المخيم كان محاصرًا من جميع الاتجاهات.
فقط في وقت لاحق فقط علمت أن سيارة إسعاف حاولت الوصول إلينا لكن الجنود سدوا الطريق أمامها وأخّ روا المسعفين. بقي ابناي على السطح على هذه الحالة بضع ساعات. لم أجرؤ على الصعود إلى هناك ورؤيتهم في هذه الحالة مرة أخرى، كما كنت خائفة من الجيش أيضًا.
فقط في حوالي الساعة 9: 30 صباحًا وصل مسعفون برفقة جنود إلى منزلنا. بدأ الجنود بتفتيش المنزل ثم صعدوا إلى السطح وعندما رأوا أنهما قاصران سمحوا للمسعفين بإخلائهما. تم نقلهما إلى سيارات الإسعاف على نقالات. أما نحن، فقد حبسنا الجنود في المنزل ولم يسمحوا لنا بالخروج. كان الجوّ في المخيم مخيفًا، سمعنا أصوات طلقات نارية وانفجارات. سألت، عبر الهاتف، للاطمئنان أن زوجي وبشار بخير.
واصل الجيش فرض الحصار على المخيم لأكثر من 30 ساعة وطوال تلك المدة، لم نتمكن من إحضار أبنيّ ودفنهما. تم الاحتفاظ بجثمانيهما في حجرة تبريد في وسط طمون لأن الثلاجات في المستشفى التركي كانت مليئة بالموتى من منطقة جنين.
أنا أعيش كابوسًا، ليتني أستطيع إعادة استجماع قواي. أصيب زوجي وأبنائي جميعًا دفعة واحدة. حدث ذلك بسرعة فائقة. كنا جالسين في المنزل بهدوء ومنشغلين بأمور روتينية-ماذا سنفعل غدًا، الشؤون اليومية. لم يخطر ببالنا أبدًا أن شيئًا كهذا سيحدث لنا. لا ي أمن هنا إطلاقًا. الاحتلال والجنود سلبونا فرح الحياة. رأيت أولادي يموتون أمام عيني. لا يزال جميع الأولاد الآخرين في الأسرة تحت تأثير الصدمة منذ رأوا الجرحى والقتلى.
نحن نطالب بتقديم الاحتلال إلى العدالة، لكننا نعلم أنه لم تجر، في أية مرة، معاقبة أحد على هذه الأفعال. بماذا أخطأ أولادي؟ كانوا نائمين وانفجر العالم عليهم. قتل الجيش أبنيّ دون أي مبرر. لقد أرادا فقط أن يعيشوا مثل جميع الأولاد، لكن الاحتلال قتلهما وتركنا مكسوري القلوب، نعيش المرارة والألم.
سلاح الجوّ الإسرائيليّ يقصف مقهى في مبنى سكنيّ في مخيّم طولكرم للّاجئين ويقتل 18 فلسطينيًّا
في 3.10.24، قرابة الساعة العاشرة ليلًا، قصفت طائرة حربيّة إسرائيليّة مبنى مكوَّنًا من ثلاثة طوابق في قلب مخيّم طولكرم للّاجئين. أصابت المبنى ثلاثة صواريخ واخترقت سقفه وانفجرت في الطابق الأرضيّ. أسفر القصف عن تدمير المقهى والشقّة التي في الطابق الأرضيّ، ما أدّى إلى مقتل جميع الذين كانوا فيها. كانت الشقق في الطابقين الثاني والثالث من المبنى غير مسكونة، باستثناء شقّة عائلة قاسم في الطابق الثاني، التي لم يكن أفراد العائلة موجودين فيها لحظة القصف.
كرم وشام مع والدهما محمد أبو زهرة. الصور قدمتها العائلة مشكورة
أدّى الهجوم إلى مقتل 18 فلسطينيًّا، بينهم ثلاثة قاصرين. ستّة من القتلى لم يكونوا مسلّحين أو ناشطين في الجناح العسكريّ لأيّ تنظيم. أربعة منهم من عائلة أبو زهرة، وقد قتلوا في شقّتهم التي في الطابق الأرضيّ والمجاورة للمقهى، وهم: الوالدان محمّد أبو زهرة (30 عامًا) وسجى خريوش-أبو زهرة (28 عامًا) وطفلاهما شام (8 سنوات) وكرم (5 سنوات). أمّا المدنيّان الآخران فكانا من ضمن القتلى الـ 14 في مقهى الفيات، وهما: صاحب المقهى عمر الفيات (29 عامًا) وأحد زبائن المقهى ويُدعى أنور مسيمي (34 عامًا).
مكان إصابة أحد الصواريخ على سطح البناية. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم
بحسب الجيش، فإنّ المستهدفين في عمليّة الاغتيال هم زاهي عوفي (39 عامًا) وغيث رضوان (28 عامًا) وعشرة نشطاء مسلّحين آخرين كانوا موجودين في المكان ولم يتمّ ذكر أسمائهم.
جمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي الإفادات في 5.10.24:
شقيق سجى، محمّد خريوش (21 عامًا)، الذي كان في طريقه لزيارة شقيقته في منزلها، قال في إفادته:
في يوم الخميس، 3.10.24، قرابة الساعة العاشرة ليلًا، ركبتُ درّاجة كهربائيّة واتّجهتُ إلى منزل أختي سجى في وسط حيّ الحمام. وعندما صرتُ على بُعد عشرين مترًا عن منزلها سمعتُ صوت انفجار قويّ من المبنى الذي تسكن فيه. كان حولي دخان وغبار، وسقطتُ من على الدرّاجة. لم أتمكّن من رؤية أيّ شيء أمامي لمدّة بضع ثوان.
الدمار في الطابق الأرضي. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم
في تلك اللحظات لم أفكّر إلّا بأختي وزوجها وطفليها الصغيرين. ذهبتُ إلى الجزء الخلفيّ من المبنى، وصُدمتُ عندما وجدتُ أنّ حيطان شقّتهم مدمّرة. وفجأةً رأيتُ جسد ابنة أختي شام المقطّعة إلى أشلاء. دخلتُ في حالة هستيريّة، حملتُها بسرعة، ولففتُها بقطعة قماش وأخذتُها ركضًا إلى الشارع ومن هناك إلى المستشفى، رغم أنّني كنتُ أعلم أنّها ماتت.
لا أعلم ماذا حدث لي. رأيتُ أشلاء جثث متناثرة على الأرض حيث كانت شقّة أختي سجى ومقهى عائلة الفيات. عندما بلغتُ المستشفى بدأتْ سيّارات إسعاف بالوصول إلى هناك، كما حضر سكّان يحملون أجزاء جثث وضحايا. أحضروا إلى هناك جثث أختي سجى وزوجها محمّد أبو زهرة وابن أختي كرم وأخي محمود. لا أزال مصدومًا من المشاهد القاسية التي رأيتُها.
علي خريوش (24 عامًا)، من سكّان الحيّ وقد كان في الشارع في ذلك الوقت، قال في إفادته:
في يوم الخميس، 3.10.24، قرابة الساعة العاشرة ليلًا، كنتُ مع شبّان آخرين في الشارع في حيّ الحمام، وسط مخيّم طولكرم. كان المخيّم هادئًا تمامًا وكان الناس يتجوّلون في الشارع. عندما لا تكون هناك مداهمات من قبَل الجيش يسهر الشبّان حتّى وقت متأخّر من الليل.
فجأةً سمعتُ انفجارًا. كنتُ أقف على بُعد نحو مائة متر من المبنى والمقهى اللذين قُصفا. كان حولي نار وكثير من الدخان والغبار. أخذتُ أركض نحو المبنى مثلما فعل شبّان كثيرون من المخيّم. كنّا نعلم بأنّ شبّانا كثيرين يجلسون في المقهى دائمًا، وحاولنا إخماد النار والعثور على ناجين.
صُدمتُ عندما اتّضحت الأمور. شقّة قريبتي سجى خريوش، المجاورة للمقهى، تحوّلتْ إلى خراب. كان من حولي أيادي وأرجل ورؤوس شبّان مبتورة ومقطَّعة. أكثر ما آلمني هو رؤية رأس الطفل كرم مفصولًا عن جسده.
بدأ السكّان والمسعفون سويّةً بإخلاء الضحايا. أدّت انفجارات الصواريخ الثلاثة التي أطلقتها طائرة إسرائيليّة إلى تمزّق جثث معظمهم. أشلاء جثث الشبّان الذين كانوا في المقهى والشقّة المجاورة نُقلتْ في كراتين إلى المستشفيات. خلال عمليّة الإخلاء عثرنا على جثّة قتيل قذفها دويّ الانفجار بعيدًا وسقطتْ على أسلاك الكهرباء والهاتف خارج المقهى. سكّان المخيّم معتادون على سماع أصوات الطائرات بدون طيّار، ولكن لم يخطر ببالنا قطّ أن تقصف طائرة مقاتلة مبنى لكي تقتل شابًّا أو شابّين. أدّى قصف المبنى والمقهى إلى مقتل 18 شخصًا. عائلة سجى، بمَن في ذلك زوجها وطفلاها الصغيران، مُحيتْ بكاملها من سجلّ السكّان.
علاء قاسم (35 عامًا)، أب لثلاثة ويسكن في الطابق الثاني من المبنى الذي تعرّض للقصف، قال في إفادته:
في يوم الخميس، 3.10.24، قرابة الساعة السابعة مساءً، ذهبتْ زوجتي وأولادنا الثلاثة لزيارة والديها في حيّ المربعة. بقيتُ أنا في المنزل واتّفقتُ مع زوجتي على أن آتي لاحقًا لآخذهم. نمتُ قليلًا، وعندما استيقظتُ قرابة الساعة التاسعة مساءً، نزلتُ إلى المقهى الموجود تحت الشقّة وطلبتُ فنجان قهوة. كان يجلس في المقهى حينها نحو 13 شابًّا من المخيّم، وكنتُ أعرف بعضهم. خرجتُ حاملًا القهوة وتوجّهتُ شرقًا نحو منزل والدَيّ زوجتي.
مررتُ بمجموعة من الجيران والأصدقاء الذين كانوا جالسين عند مدخل بيوتهم وانضممتُ إليهم. سألني أحد أصدقائي لماذا لم أحضر قهوةً لهم أيضًا، فأجبتُه بأنّني سأذهب لأشتري له. عندما كنتُ على وشك النهوض والعودة إلى المقهى سمعتُ دويّ انفجار على بُعد 15 مترًا عن المكان الذي كنّا جالسين فيه. امتلأ المكان بالغبار والدخان وطرتُ ساقطًا على الأرض. لم أفهم ماذا حدث. من شدّة رُعبي قمتُ عن الأرض وهربتُ من المكان. ركضتُ باتّجاه منزل والدَيّ زوجتي للعثور على زوجتي وأولادي. عندما وصلتُ إليهم كنتُ أرتجف من شدّة الخوف. في تلك الليلة بقينا في منزل والدَيّ زوجتي لننام هناك. وفي اليوم التالي ذهبنا لتفقّد ما حلّ بشقّتنا، واكتشفنا أنّها دُمّرتْ جزئيًّا، إلى جانب تحطّم بعض الأثاث والنوافذ الزجاجيّة.
سلاح الجوّ الإسرائيليّ يطلق صاروخًا من طائرة حربيّة ويقتل امرأتين في منزليهما خلال عمليّة اجتياح استمرّت يومين لمخيّمي اللّاجئين طولكرم ونور شمس
المطبخ الذي كانت خولة تطبخ فيه وقت إصابة الصاروخ. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
قرابة منتصف الليلة الواقعة بين 23-24.12.2024 داهمت قوّات من الجيش وحرس الحدود و"الشاباك" مخيَّمَي طولكرم ونور شمس للّاجئين. ألحقت القوّات الإسرائيليّة خلال هذه العمليّة أضرارًا واسعة بالبنى التحتيّة في مخيّم نور شمس، بما في ذلك الشوارع، شبكة المياه، المنازل، وحتّى المسجد. وخلال عمليّة الاجتياح نشب تبادل لإطلاق النار مع ناشطين في التنظيمات المسلّحة في المخيّمين، والذين فجّروا عبوات ناسفة ضدّ المركبات العسكريّة. وفي صباح يوم الثلاثاء قُتِل الناشط في الجناح العسكريّ للجهاد الإسلاميّ، فتحي عبيد (19 عامًا)، خلال تبادل لإطلاق النار مع الجنود.
أطلقت الطائرات الإسرائيليّة، خلال الاجتياح، صواريخ على مخيّم طولكرم المكتظّ بالسكّان. وفي نحو الساعة 13:00 أطلق صاروخ على أحد شوارع في جنوب مخيّم طولكرم للّاجئين، وقد استهدف على ما يبدو ناشطين فلسطينيّين مسلّحين كانوا يتّجهون إلى وسط المخيّم. بعد ذلك ببضع دقائق أصاب صاروخ آخر سقيفة في ساحة منزل عائلة عبدو، وذلك بعد وقت قصير من عبور ناشطين فلسطينيّين قرب المنزل في طريقهم إلى وسط المخيّم. أصيبت خولة عبدو (50 عامًا) في رأسها بشظايا الصاروخ أثناء وجودها في مطبخ منزلها، وقُتِلتْ على الفور. تعرّض منزلها لأضرار بالغة، كما أصابت شظايا الصاروخ المنزل المجاور التابع لعائلة الشيخ علي، والذي كانت تقف فيه ثلاث نساء، ويراقبن معًا، من خلال النافذة، ما يحدث في أزقّة المخيّم. أصيبت اثنتان منهنّ، وهما: براءة عطّار (28 عامًا)، أمّ لطفل، وأصيبت بجروح خطيرة في رأسها، وشقيقة زوجها، مرح (25 عامًا)، وأصيبتْ بجروح طفيفة. وقد نُقلتا إلى مستشفى ثابت ثابت، حيث أقرّت وفاة براءة.
في المساء ذاته، قرابة الساعة 18:30، أطلِق صاروخ آخر على المخيّم، ما أدّى إلى مقتل أربعة ناشطين في تنظيمات مسلّحة في وسط المخيّم، وكان من بينهم مهيمن أخرس، وهو فتى يبلغ من العمر 16 عامًا وكان ناشطًا في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ. في ذلك الحين لم يكن هناك تبادل لإطلاق النار في المكان. وفي نحو الساعة 20:00 قُتِل محمود أعمر (19 عامًا)، وهو ناشط في الجناح العسكري لحركة "حماس"، بصاروخ أطلقته طائرة إسرائيليّة، خلال تبادل لإطلاق النار مع القوّات الإسرائيليّة في مخيّم نور شمس القريب.
العريشة في الساحة التي أصابها الصاروخ. الصور قدمتها العائلة مشكورة
خلال ساعات المساء المتأخّرة من يوم الثلاثاء، فجّر مسلّحون فلسطينيّون عبوة ناسفة أصابت مركبة عسكريّة كانت تقلّ قادة كبارًا في الجيش، ما أدّى إلى إصابة أحدهم بجروح طفيفة. انتهى الاجتياح في ساعات مساء يوم الأربعاء، 25.12.24. وأفادت وزارة الصحّة الفلسطينيّة بإنّ عمليّات القصف الجوّيّ أدّت إلى إصابة تسعة أشخاص، بينهم طفل في الـ 10 من عمره.
في ردّه على جريدة هآرتس قال المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ إنّه "خلال عمليّة إحباط للإرهاب في طولكرم، هاجمت طائرة مسلّحين أطلقوا النار على قوّاتنا. معروف أنّه قُتلت امرأتان كنتيجة لهجوم أمس، والأمر قيد التحقيق. الادّعاء بأنّ قوّة الجيش الإسرائيليّ احتجزت سيّارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر غير معروف لنا، والجيش الإسرائيليّ يعرب عن أسفه لإيذاء غير ضالعين".
جمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي الإفادات في 29.12.24:
أخت زوج براءة، دعاء الشيخ علي (31 عامًا)، قالت في إفادتها:
قرابة الساعة 13:00 كنتُ في الطابق الثاني من المنزل مع أختي مرح ووالدينا وزوجة أخي براءة عطّار وابنها. في الليلة السابقة، عند منتصف الليل تقريبًا، اجتاحت قوّات الجيش الإسرائيليّ المخيّم. فجأةً سمعنا دويّ انفجار في منطقة مربعة حنون. بعد ذلك ببضع دقائق، سمعنا بجانب المنزل صراخ الشبّان وهم يفرّون عبر أزقّة حيّنا. ركضوا باتّجاه حي الحمام الذي يقع في وسط المخيّم، غربيّ منزلنا.
ذهبتُ أنا ومرح وبراءة إلى نافذة غرفة النوم ونظرنا إلى الأزقّة. فجأةً أطلِق صاروخ من طائرة بدون طيّار وأصاب ساحة منزل جيراننا، عائلة عبدو، على بُعد 6-7 أمتار عنّا. سقط الصاروخ على سقيفة من الصفيح فوق ساحة المنزل الصغيرة. شعرنا برعب شديد جدًّا. تصاعدت سحب من الغبار والدخان من مكان سقوط الصاروخ وتطايرت الشظايا في كلّ الاتّجاهات.
فجأةً، سقطت زوجة أخي، براءة، على الأرض. توقّفت عن الحركة ولم تستطع التحدّث. بدأتُ أصرخ وحاولتُ التحدّث معها. كانت تنزف بغزارة من مؤخّرة رأسها، وأخذنا نحن نصرخ ونبكي. هرع والداي، اللذان كانا في غرفة أخرى، إلينا وبعد ذلك ببضع دقائق حضر مسعفون. وضعوا براءة على الحمّالة وأخرجوها هي وأختي مرح التي جُرحت بشكل طفيف بشظيّة في رأسها، سيرًا على الأقدام، لأنّ سيّارة الإسعاف لم تتمكّن من العبور هناك. نقلوهما سيرًا على الأقدام عبر الأزقّة مسافة تبلغ نحو 200 متر جنوبًا، إلى منطقة مربعة حنون، ومن هناك تمّ إخلاؤهما بسيّارة إسعاف إلى مستشفى ثابت ثابت. وقام المسعفون أيضًا بإخلاء جارتنا، خولة عبدو، التي أصيبت بشظايا الصاروخ وفارقت الحياة على الفور. في المستشفى، أقرّ الأطبّاء وفاة براءة من جرّاء إصابتها بشظايا في رأسها.
أدّى الصاروخ الذي سقط في ساحة منزل عائلة عبدو إلى مقتل براءة وجارتنا خولة عبدو. وهو لم يُصبْ أحدًا من الشبّان المسلّحين الذين فرّوا باتّجاه حيّ الحمام في وسط المخيم.
أخت زوج براءة، مرح الشيخ علي (25 عامًا)، قالت في إفادتها:
قرابة الساعة الواحدة ظهرًا سمعنا ضجيج انفجار هائلًا. صاروخ أطلق من طائرة بدون طيّار وسقط في منطقة مربعة حنون، على بُعد نحو 200 متر عن منزلنا. رأيتُ سحبًا من الغبار والدخان في كلّ مكان حولي.
بعد دقيقتين أو ثلاث دقائق سمعنا أصوات شبّان يهربون باتّجاه حيّ الحمام عبر الأزقّة القريبة من منزلنا. ذهبتُ أنا ودعاء وبراءة إلى النافذة التي تطلّ على الجهة الغربيّة وتشرف على الأزقّة. فجأةً، سقط صاروخ في ساحة عائلة عبدو، على بُعد نحو سبعة أمتار عن منزلنا. انفجر الصاروخ وغطّى الدخان والغبار كلّ شيء. صار وجهي وعيناي تحرقني، ولم أتمكّن من رؤية أيّ شيء. ابتعدتُ باتّجاه الغرفة ثمّ سمعتُ أختي تصرخ وتحاول التحدّث مع براءة، ففهمتُ أنّ شظايا الصاروخ قد أصابتها.
بعد أن غسلتُ وجهي بالماء وهدأتُ قليلًا، عدتُ إلى الغرفة التي كنّا واقفات فيها. رأيتُ براءة، التي أصيبت بشظايا، ملقاة على الأرض وكانت تنزف من رأسها. وكان يقف حولها والداي وأختي دعاء. في البداية لم أشعر بأنّني أصبتُ، حتّى فهمتُ بأنّ الدم كان ينزف من رأسي أنا أيضًا.
المسعفون الذين حضروا إلى شقّتنا أخلوني أنا وبراءة إلى منطقة مربعة حنون، وهناك أصعدونا إلى سيّارتي إسعاف نقلتانا إلى مستشفى ثابت ثابت. صُدمتُ عندما رأيتُ هناك جارتنا، خولة عبدو، وقد فارقت الحياة. فهمتُ أنّها أصيبت بشظيّة من الصاروخ نفسه. في المستشفى أقرّ الأطبّاء أيضًا وفاة براءة. بعد أن فحصوني وأجروا لي صور أشعّة، تبيّن أنّ شظيّة صغيرة اخترقت رأسي. قرّر الأطبّاء عدم إزالتها وطلبوا منّي أن أعود لمراجعة طبيّة في المستشفى خلال الأيّام التالية.
عمّة خولة، حليمة عبدو (67 عامًا)، قالت في إفادتها:
قرابة الساعة 13:00 كنتُ وحدي في غرفتي. كانت ابنة أخي، خولة، في شقّتها المجاورة لشقّتي في ذلك الوقت. فجأةً، سمعتُ شبّابًا يركضون ويتحدّثون بعضهم مع بعض. بدا الأمر وكأنّهم هاربون من الجيش، الذي كان قد داهم المخيّم منذ منتصف الليلة السابقة وبقي فيه حتّى مساء يوم الأربعاء.
بعد مرور الشبّان سمعتُ انفجارًا قويًّا في الساحة المشتركة بين منزلي ومنزل خولة. أحدث الانفجار ثقبًا في حائط غرفتي، وتناثر الحصى في أنحاء الغرفة، وكان هناك الكثير من الضجيج والغبار. شعرتُ برعب شديد. كان من حسن حظّي أنّي كنت جالسة على سريري لحظة حدوث الانفجار، في زاوية الغرفة.
بعد بضع لحظات، وعندما استقرّ الغبار قليلًا، خرجتُ من الغرفة. كنتُ لا أزال أشعر برعب شديد حينها، ورأيتُ أنّ الشظايا اخترقت سقيفة الصفيح في الساحة وأنّ أجزاء الصاروخ تناثرت فيها. سمعت صراخًا قادمًا من البيت المجاور التابع لعائلة الشيخ علي. لم أكن أعلم حينها بأنّ براءة عطّار أصيبت بجروح خطيرة من جرّاء شظايا ذلك الصاروخ.
دخلتُ إلى بيت خولة فوجدتُها مُلقاة على الأرض والدم ينزف من رأسها بشدّة. أدركتُ أنّها فارقت الحياة. كان صنبور المياه مفتوحًا وكانت النار مشتعلة على موقد الغاز. أعتقد أنّها كانت تعدّ للتوّ طعامًا لنفسها في مطبخها، الذي يقع بجانب الساحة.
بدأتُ أصرخ للجيران وللمسعفين لكي يأتوا. حضر مسعفون من الحيّ وأخرجوا خولة. وفي الوقت نفسه رأيتُ مسعفين آخرين يقومون أيضًا بإخراج جارتنا من المنزل المقابل لنا، براءة عطّار، التي أصيبت في رأسها بشظايا.
بعد إخلائهما علمتُ بأنّ الأطبّاء في مستشفى ثابت ثابت أعلنوا وفاة ابنة أخي خولة وجارتي براءة. لم يكن هناك مطلوبون في منزلنا، ولا أعلم ما هو سبب إطلاق الصاروخ على ساحة بيتنا.
سلاح الجوّ الإسرائيليّ يطلق صاروخًا من طائرة حربيّة ويقتل طفلين وشابًّا بجانب منزل عائلتهم خلال اجتياح بلدة طمّون
رضا بشارات. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في يوم الأربعاء، 8.1.25، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، اقتحمت قوّات إسرائيليّة مدينة طوباس وبلدة طمّون وقرية العقبة في الأغوار الشماليّة. في العقبة اعتقلت القوّات شابّين في منزلهما. وفي طوباس حاصرت القوّات منزلًا، وبعد فشلها على ما يبدو في اعتقال الشخص المطلوب، اعتقلت أخاه للضغط عليه لتسليم نفسه.
خلال اقتحام طمّون نشبت مواجهات بين مسلّحين فلسطينيّين والقوّات الإسرائيليّة في المنطقتين الجنوبيّة والشرقيّة من البلدة. ونحو الساعة 10:00 أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا أدّى إلى مقتل ثلاثة أبناء عمّ، اثنان منهم طفلان، بجوار منزلهم، وهم: آدم بشارات (23 عامًا)، وحمزة بشارات (10 سنوات)، ورضا بشارات (8 سنوات). بعد نحو 10 دقائق من إطلاق النار وصلتْ قوّات إسرائيليّة إلى المكان وأبعدت أقارب القتلى إلى أحد المنازل. ثمّ قامت القوّات بأخذ بطانيّات من المنزل، ولفّتْ الجثث الثلاث بها وأخذتها من المكان. أعيدت الجثث إلى العائلة في وقت لاحق من اليوم نفسه عن طريق مكتب الارتباط الفلسطينيّ.
في التحقيق الميدانيّ الذي نشره الجيش بعد ذلك بنحو ثلاثة أسابيع، ادّعى الجيش بأنّ طائرة شخّصت الشابّ والطفلين الذين قُتلوا كمَن يقومون بزرع عبوات ناسفة. وبحسب الجيش، فقد تمّ تشخيصهم كذلك إثر معلومات استخباراتيّة، لكن لم يتمّ العثور لاحقًا على أيّ عبوات ناسفة في المكان. وزعم التحقيق الميدانيّ الذي نشره الجيش بأنّه "بناء على التشخيص في وقت الحادثة كان من الصعب تحديد أنّ هؤلاء كانوا قاصرين".
المكان الذي أصيب فيه الأولاد. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
جمعت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي الإفادتين في 29.1.25:
عبلة بشارات (49 عامًا)، أمّ لستّة، بينهم آدم بشارات، قالت في إفادتها:
آدم بشارات. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في 8.1.25 استيقظتُ نحو الساعة 5:30 صباحًا. جهّزتُ ابني سعيد (10 سنوات) لمغادرة المنزل، وركب هو الحافلة متّجهًا إلى المدرسة في الساعة 6:45. لم يذهب أُبيّ (16 عامًا)، الطالب في الصفّ الحادي عشر، إلى المدرسة في ذلك اليوم، لأنّه تمّ إلغاء الدراسة بسبب وجود الجيش في المنطقة. أغلقتُ هاتف أُبيّ وأوصدتُ النوافذ حتّى يتمكّن من مواصلة النوم. غادرتُ المنزل نحو الساعة 9:00 صباحًا لزيارة أختي عبير. دعوتُ ابني آدم (23 عامًا) لتناول القهوة معنا بعد أن يشحن بطاقة الكهرباء الخاصّة بنا [بطاقة تُستخدَم للدفع لشركة الكهرباء مُسبقًا].
جلستُ عند أختي. عندما قدّمتْ لنا القهوة أخبرتُها بأنّ آدم من المفروض أن يأتي، فأجابت بأنّه عندما يصل سنقوم بإعداد القهوة مرّةً أخرى. في تلك اللحظة سمعنا انفجارًا قويًّا جدًّا هزّ أركان البيت. خرجنا بسرعة لرؤية ما حدث. رأيتُ أخت زوجي، إيمان (39 عامًا)، تصرخ مستغيثةً وهي تحمل ابنها حمزة البالغ من العمر عشر سنوات، والذي كان مُغطّى بالدماء. ورأيتُ ابني أُبيّ وابنتي إسراء (27 عامًا) اللذين استيقظا من نومهما وخرجا بعد سماعهما صوت الانفجار. ورأيتُ أيضًا شابًّا، لم أتعرّف عليه في البداية، وكان مُلقى على الأرض.
عندما اقتربتُ رأيتُ أنّه ابني، آدم. كان يُغرغِر وسقط رأسه جانبًا. عرفتُ أنّه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. رأيتُ أخت زوجي فداء (41 عامًا) قد جاءت هي أيضًا وكانت تصرخ طالبة إحضار سيّارة إسعاف لعلاج ابنها، رضا (8 سنوات). وفجأةً حضر إلى المكان نحو عشرين جنديًّا، وصوّبوا أسلحتهم نحوي وأجبروني على الابتعاد عن آدم. ابتعدتُ أنا وأبيّ وإسراء مسافة عشرين مترًا تقريبًا، ووقفنا قرب مدخل منزلي. بدت الدهشة على وجوه الجنود عندما رأوا الطفلين القتيلين وآدم. دخل الجنود إلى عدد من منازل الحيّ، بما في ذلك منزل فداء، وأخذوا منها بطانيّات وغطّوا القتلى الثلاثة بها.
أمرنا الجنود بالدخول إلى المنزل. كنتُ أرتعد، حتّى أنّني لم أبكِ من هول الصدمة. حاول أبيّ الاتّصال بسيّارة إسعاف. كنتُ قلقة عليه، كلّ ما أردتُه هو حمايته حتّى لا يحدث له شيء. رأيتُه هو أيضًا مصدومًا، وكان وجهه أصفر وكان يكزّ على أسنانه.
بعد نحو 40 دقيقة من القصف غادر الجنود المكان وأخذوا القتلى الثلاثة معهم. علمتُ لاحقًا بأنّهم نقلوهم على نقّالات، ثمّ قاموا في وقت لاحق بتسليمهم إلى مكتب الارتباط الفلسطينيّ في حاجز تياسير. بعد ذلك جاء جميع جيراننا وأقاربنا وأصدقائنا إليّ إلى منزلي؛ لم أعلم كيف سمعوا بما حدث. في تلك الأثناء غادر الجيش القرية.
لم أستطع استيعاب ما حدث. صلّيتُ أن أستيقظ وأكتشف أنّ كلّ هذا كان مجرّد كابوس، لكنّه كان حقيقيًّا. فقدتُ ابني آدم، الرابع بين إخوته. كان يعمل مع والده في منطقة الأغوار، وكان عادة ما يغيب عن المنزل لمدّة أسبوع ثمّ يعود. اعتدتُ على رؤيته عائدًا، لكنّه الآن ذهب ولن يعود. قتلوه أمام بيتنا، أمام عينَيّ. نحن جميعًا في المنزل نحاول إخفاء حزننا عن بعضنا البعض، ولكنّ الصمت يسود المنزل. لا أحد يتكلّم. اختفت الأحاديث والابتسامات، وكلّ ما بقي لي هو ذكريات من آدم.
قبل يومين من مقتله فقط عاد آدم من العمرة. كان يخطّط للعودة إلى العمل في الأسبوع المقبل فقط، لكي يستريح ويقضي بعض الوقت معنا. قال إنّه اشتاق لنا كثيرًا.
في الآونة الأخيرة بدأ زوجي ببناء منزل جديد لنا وللأولاد في أحد أحياء القرية. قبل أن يُقتل آدم كنتُ متحمّسة جدًّا للانتقال إلى ذلك المنزل، ولكن الآن أنا أريد البقاء في هذا المنزل. أجلس كلّ يوم بجانب بقايا دمه، أنظر باستمرار إلى المكان الذي قُتل فيه وأتذكّر كيف رأيتُه ينزف على الأرض بجانب أبناء عمّه. لم أعد أريد شيئًا من هذه الحياة، لم أعد أريد شيئًا سوى ذكرى آدم.
فداء بشارات (41 عامًا)، أمّ لخمسة، بينهم رضا بشارات، قالت في إفادتها:
حمزة بشارات. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في 8.1.25، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، استيقظتُ وأعددتُ وجبة الإفطار. أيقظتُ الأولاد حتّى يتمكّنوا من الاستعداد للمدرسة. ثمّ أبلغتني إيمان بأنّ الدراسة أُلغيت بسبب اقتحام الجيش.
في الساعة 8:30 تقريبًا خرجتُ مع ابني رضا (8 سنوات) لزيارة أخت زوجي إيمان. كان رضا وحمزة (10 سنوات) ابن إيمان يلعبان معًا بعض الوقت، ثمّ خرجا للعب في ساحة صغيرة بين البيوت، وهما عادةً ما يلعبان فيها. أخذتُ أنا وأخت زوجي نتحدّث في تلك الأثناء، وفي الخلفيّة كنّا نسمع طنين طائرة بدون طيّار. نحن معتادون على هذا الصوت، خاصّة أثناء الاجتياحات التي يشنّها الجيش.
قرابة الساعة 9:30 خرجتُ من منزل إيمان وعدتُ إلى البيت. رأيتُ في الطريق رضا وحمزة يلعبان، وبجانبهما آدم الذي كان يجلس وينظر في هاتفه. بمجرّد دخولي البيت سمعتُ انفجارًا قويًّا أفزعني كثيرًا وهزّ المنطقة بأكملها. عدتُ على الفور إلى الخارج ورأيتُ أختَي زوجي، إيمان وعبلة، أمّ آدم، واقفتين بجانب الطفلين اللذين كانا على الأرض تغطّيهما الدماء. اقتربتُ ورفعتُ ابني. كان الدم يسيل من رأسه ورقبته وكان يئنّ. صرختُ طالبةً أن يحضروا سيّارة إسعاف، وفجأةً جاء جنود. قال أحدهم بالعربيّة إنّهم سيقدّمون له الإسعاف الأوّليّ. أبعد الجنود عبلة وولديها أبيّ وإسراء اللذين حضرا إلى المكان بعد استيقاظهما بسبب الانفجار.
واصلت حمل ابني، ولكنّني كنت أعلم بأنّه مات. بعد ذلك بوقت قصير أحضر الجنود بطانيّات من منزل عبلة وقاموا بتغطية القتلى الثلاثة. لم يحاولوا تقديم الإسعاف الأوّليّ لهم أو حتّى فحصهم. كان من الواضح أنّهم ماتوا. أخذوهم على نقّالات وغادروا المكان. كانت الساعة 10:30 تقريبًا. بعد ذلك غادر الجيش المنطقة. وفي ساعات ما بعد الظهر سلّموا الجثث الثلاث عن طريق مكتب الارتباط الفلسطينيّ، عند حاجز تياسير. بعد صلاة العشاء أجرينا لهم جنازة ثمّ دفنوا في مقبرة القرية.
كان رضا ابننا الوحيد. وُلِد بعد أربع بنات. كان أمير الصفّ والابن المدلّل. أراد دائمًا أن نزور القدس، ولكن بسبب الوضع لم نتمكّن من فعل ذلك. كان يقول لي: "سأشتري سيّارة، وآخذك إلى القدس وأشتري لك كلّ ما تريدين". كان قريبًا جدًّا منّي، وكان دائمًا يقبّل يدَيَّ ورأسي. رغم أنّه كان لا يزال صغيرًا، إلّا أنّ تفكيره كان أكثر تطوّرًا من تفكير أصدقائه. شعرتُ بأنّه صديقي. أشعر به كلّ يوم ينأى ويبتعد عنّي أكثر فأكثر. يا ربّي، كم هو صعب ومرعب ولا يطاق استيعاب أنّه لن يعود. أخذوه منّي، من أخواته، من بيته. لم يفعل شيئًا، ومات فقط لأنّ أحد الجنود أخطأ، أو ربّما أراد قتل فلسطينيّ، ولا يهمّ إن كان ذلك الشخص مطلوبا كبيرًا أو مجرّد ناشط مسلّح. كان من الممكن أن أُقتل أنا أيضًا هناك، فقد مررتُ بجانبهم قبل القصف بلحظات قليلة.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.