منذ أن اندلعت الحرب في غزّة جمّدت إسرائيل إصدار تصاريح الدّخول إلى أراضيها وكذلك إلى أراضٍ يملكها فلسطينيّون لكن تم فصلها عن الضفة الغربيّة بواسطة جدار الفصل. تملك عائلة حجر، من قرية الشويكة في محافظة طولكرم، شركة وورشة لتصنيع الألومنيوم في قرية برطعة الشرقيّة، التي حُبِسَت هي أيضاً مع قرىً أخرى في جيب منعزل وفُصلت عن الضفة الغربيّة بواسطة جدار الفصل. في أعقاب تجميد إصدار التصاريح حُرم أفراد العائلة من الوُصول إلى مصنعهم.
في يوم السبت الموافق 16.12.23، نحو السّاعة 9:30، حاول اثنان من أبناء عائلة حجر، هُما سيف (19 عاماً) وسليم (25 عاماً)، الوصول إلى مصنع العائلة. اجتاز الاثنان ثغرة في الجدار الفاصل وقطعا مسافة 800 متر سيراً على الأقدام ثمّ استقلّا سيّارة مع عُمّال آخرين بهدف الوصول إلى عملهما. لم تكد السيّارة تتقدم بضعة أمتار وإذ بنحو 15 جنديّاً يخرجون من كمين على بُعد قرابة خمسين متراً ويشيرون إلى السّائق بأن يتوقّف. خرج الجميع فوراً من السيّارة، بمن فيهم السّائق، وهربوا بين الأشجار فأطلق الجنود نحوهم وابلاً من الرّصاص الحيّ. أصابت إحدى الرّصاصات سليم حجر في رأسه فوقع أرضاً.
تمكّن سيف من الابتعاد واختبأ خلف صُخور تبعد عن الموقع نحو خمسين متراً وأخذ يُراقب الجنود وهُم يُخلون شقيقه من المكان في سيّارة إسعاف. بعد بضع ساعات، عندما غادر الجنود المنطقة، خرج سيف من مخبئه واستقلّ سيّارة أعادته إلى حاجز جبارة وهناك اجتاز الجدار عائداً إلى منزله. لدى وصوله علم أنّ أخاه سليم قد قُتل وأنّ إسرائيل تحتجز جثمانه.
أثناء المطاردة، اعتقل الجنود سائق السيّارة وأحد العمّال فيما تمكّن عامل آخر من الفرار. أمّا جثمان سليم فلم يتمّ تسليمه إلى العائلة، بعد.
في تصريح لوسائل الإعلام قال الناطق بلسان الجيش إنّ "عمليّات المراقبة رصدت في 16 كانون الأوّل عشرات المتسلّلين الذين اجتازوا الجدار في منطقة التماسّ قرب قرية دير الغصون في منطقة "منشه". وصلت إلى المكان قوّة من الجيش الإسرائيلي وشرعت في مطاردة للمشبوهين انتهت بإلقاء القبض عليهم جميعاً. بعد ذلك، أثناء تمشيط المنطقة عُثر على أحد المتسلّلين مصاباً في رأسه". يتجاهل هذا التصريح تماماً إطلاق الجنود للرّصاص الحيّ نحو ركّاب السيّارة، كما يتجاهل حقيقة أنّهم قتلوا سليم حجر. إنّها حادثة أخرى تنضمّ إلى أحداث أخرى أطلق فيها الجنود الرّصاص الحيّ دون وُجود ما يعرّض حياتهم للخطر، خلافاً لتعليمات إطلاق النار التي يصرّح بها الجيش الإسرائيلي.
باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي سجّل إفادات عدد من شهود العيان:
سيف حجر (19 عاماً)، شقيق سليم حجر، أدلى بإفادته في 20.12.23 فقال:
منذ أكثر من عشر سنوات تملك عائلتنا شركة وورشة لتصنيع الألومينيوم والتريس في قرية برطعة الشرقية المعزولة وراء الجدار. وقد اعتدتُ أنا وسليم ووالدنا أن نسافر إلى هناك كلّ يوم عبر حاجز ريحان، وقد كانت معنا تصاريح دخول من إصدار مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ وكنّا نمرّ دائماً دون مشاكل.
منذ أن بدأت الحرب في قطاع غزّة منعنا الجيش ومكتب التنسيق من الوصول إلى مصنعنا. لقد ألغوا تصاريحنا، وها نحن منذ نحو 70 يوماً بدون مصدر دخل - مثل جميع الفلسطينيّين الذين كانوا يعملون في إسرائيل حتى اندلاع الحرب. جاء والدي إلى الحاجز عشرات المرّات وحاول العبور لكي يفحص أوضاع المصنع، في كلّ مرّة كان يضع البطاقة المغناطيسيّة للمسح لكنّ البوّابة لا تفتح، مثلما حصل مع آخرين كثيرين ممّن لديهم محالّ تجاريّة في برطعة. مرّ الكثير من الوقت، ولهذا قرّرنا أنا وسليم أن نحاول الوصول إلى المصنع عبر ثغرة في الجدار، داخل أراضي قرية دير الغصون.
في يوم السّبت الموافق 16.12.23، في ساعات الصباح، تمكّنا من اجتياز الثغرة في جدار الفصل، مع عمّال آخرين. تقدّمنا راجلين مسافة 700- 800 متر ودخلنا إلى إحدى السيّارات التي كانت تنتظر العمّال هناك لنقلهم بعد أن اجتازوا الثغرة. كنّا في السيّارة خمسة، بمن فيهم السّارق. انطلق السّائق، ثمّ بعد بضعة أمتار فوجئنا بـ 10- 15 جنديّاً يخرجون من كمين في الجهة الشرقيّة من قرية إبثان.
عندما رأيناهُم أوقف السّائق السيّارة وخرجنا منها جميعاً ثمّ هربنا بين أشجار الزيتون، ومعنا السّائق الذي يحمل بطاقة هُويّة إسرائيليّة. تمكّن الجنود من القبض على السّائق وأحد العمّال فيما تمكّنتُ أنا وعامل آخر من الفرار. صرخ الجنود يأمروننا بالتوقّف وأطلقوا النار نحونا لكنّنا واصلنا الرّكض.
تمكّن أحد الجنود من إصابة سليم، أمّا أنا فقد واصلت الفرار حتى ابتعدت مسافة 40- 50 متراً واختبأت خلف صخرة طوال 4-5 ساعات. أرسلت عبر الهاتف رسالة إلى أفراد عائلتي أبلغهم فيها بأنّ جنوداً طاردونا وأنّ سليم أصيب ووقع وأنّ الجنود يحيطون به. طلبت أن لا يتّصلوا بي لأنّني خفت أن يسمع الجنود رنين الهاتف ويعتقلوني.
كان سليم ملقىً على الأرض دون حراك والجنود يقفون حوله. بعد بضع دقائق جاءت سيّارة إسعاف من "نجمة داوود الحمراء" وأخلته من المكان. بقيت في مخبئي لأنّني كنت ما زلت خائفاً إن خرجت أن يُطلق الجنود النار نحوي أو يعتقلوني. حضرت قوّات جيش إضافيّة وأخذ الجنود يجولون المكان وأحياناً يمرّون قريباً جداً منّي، لكنّهم لم يروني.
بعد أن ابتعد الجنود وما عُدت أسمع أصواتهم خرجت ورأيت ثياب سليم على الأرض، ملطّخة بالدّماء. ابتعدت من هناك وعثرت على سيّارة أقلّتني إلى حاجز جبارة. عُدت إلى المنزل دون أن أعلم أنّ سليم قد قُتل.
عندما وصلت إلى المنزل كان الأقارب متجمّعين هناك، أخبروني أنّ سليم أصيب في رأسه وقُتل وأنّ السلطات الإسرائيليّة تحتجز جثته.
لم تكن لنا أيّة مشاكل أمنيّة مع السّلطات الإسرائيليّة. كنّا مُجبرين على الوصول إلى مصنعنا فقط، وبسبب تجميد التصاريح منذ 70 يوماً لم يكن أمامنا خيار آخر. عندما رأينا الجنود ذُعرنا ولُذنا بالفرار.
عامل اجتاز الجدار في ذلك اليوم، قال في 20.12.23:
أنا أعمل في إسرائيل منذ سنتين، لكنني لم أتمكّن من الوصول إلى مكان عملي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزّة. بقيت بدون عمل مدّة 70 يوماً ولم أقدر على إعالة أسرتي. عندما سمعت أنّ هناك عمّالاً ينجحون في عبور ثغرة في الجدار حيث الأراضي الغربيّة لقرية دير الغصون والوصول إلى عملهم قرّرت أن أفعل الشيء ذاته.
في يوم السّبت الموافق 16.12.23، نحو الساعة 9:30، تمكّنت من عبور الثغرة والتسلّل بين كُروم العنب والزيتون حتى وصلت إحدى السيّارات التي تقلّ عمّالاً إلى داخل إسرائيل. التقيت في الطريق سليم وسيف حجر وشخصاً آخر لا أعرفه. اتّفقنا أن نستقلّ سيّارة واحدة توصلنا إلى أماكن عملنا، وفعلاً وجدنا سيّارة كانت تنتظر هناك. بعد أن سارت بنا السيّارة مسافة قصيرة، بضع عشرات من الأمتار، وقبل أن نصل إلى قرية إبثان، فوجئنا بمجموعة من الجنود خرجوا من مخبأ وهُم يصوّبون أسلحتهم نحو السيّارة ويصرخون بنا أن توقّفوا.
توقّف السّائق فوراً، وهربنا جميعاً بين أشجار الزيتون لأنّنا خفنا أن يعتقلونا ويعذّبونا. تفرّقنا أثناء فرارنا، كلّ إلى جهة. كان عدد الجنود الذين يطاردوننا 10-15 جندياً، وكانوا على مسافة نحو 50 متراً منّا. تمكّنت من الفرار والتخلّص منهُم. ابتعدت عن الجنود كثيراً، وفي النهاية وصلت إلى منازل قرية إبثان. أثناء فراري كان الجنود يطلقون نيراناً كثيفة، وقد شعرتُ ببعض الرّصاصات تمرّ قرب رأسي وجسمي. لحسن الحظّ لم تصبني أيّ منها. بعد بضع دقائق رأيت سيّارة إسعاف قادمة إلى المنطقة وسمعت من بعض الناس أنّ سليم قد أصيب. سمعت أيضاً أنّ الجنود تمكّنوا من اعتقال السّائق وأحد العمّال الذين كانوا معنا في السيّارة. في ساعات ما بعد الظهر علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ سليم قد قُتل.