Skip to main content
أسرى فلسطينيّون في سجن مجيدو. تصوير نير الياس، رويترز، 15.5.2005
Menu
المواضيع

إسرائيل تواصل التجبّر على آلاف الأسَر الفلسطينية ممّن تحتجز أبناءهم في أراضيها خلافًا للقانون

تفيد المعطيات المتوفّرة لغاية 30.6.18، أنّ إسرائيل تسجن ما يقارب 5300 من المعتقلين والسّجناء الأمنيّين الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربية في المعتقلات الإسرائيلية؛ والتي تقع جميعها، باستثناء سجن عوفر، داخل المناطق الإسرائيلية. 

يضطرّ سّكان الضفة الغربية إلى اجتياز إجراءات بيروقراطيّة مطوّلة لحين الموافقة على زيارتهم من قبل السّلطات المختصّة: الإدارة المدنية، مصلحة السّجون الاسرائيلية وجهاز الأمن العامّ ("الشّاباك"). عدا الحاجز البيروقراطي، فإنّ القيام بالزّيارة بعد الموافقة عليها من قبَل السّلطات الإسرائيلية يقتضي رحلة تستغرق يومًا بأكمله، بسبب سلسلة من التفتيشات والعراقيل التي تؤخّرهم. للحصول على معلومات حول القيود التي تفرضها إسرائيل على الزّيارات العائلية للسّجناء من قطاع غزة ، يُنظر هنا.

أولًا، يُطلب من السكّان تقديم طلب للحصول على تصريح دخول من خلال ممثليّة اللّجنة الدوليّة للصّليب الأحمر، بصفتها الجهة التي تولّت منذ عام 1969 مسؤوليّة التنسيق بين الزوّار وبين الإدارة المدنية ومصلحة السّجون الإسرائيلية. تصدر الإدارة المدنية تصاريح لدخول إسرائيل لغرض زيارة السّجناء شريطة أن يكون الزوّار أقارب من الدّرجة الأولى - الآباء والأمّهات والأجداد والأزواج والأبناء والأشقّاء. عمومًا هي تصاريح سارية المفعول لمدّة عام واحد. ولا يُسمح للزوّار الذين ليسوا من الأقرباء من الدّرجة الأولى بزيارة السّجناء إلّا في حالات استثنائيّة، وفقط عندما تقرّ السّلطات الإسرائيلية بوجود "أسباب إنسانيّة" توجب السّماح بالزّيارة.

ومع ذلك، تفرض الإدارة المدنية قيودًا على زيارة الأقارب من الدّرجة الأولى أيضًا: إذا قرّر جهاز الأمن العامّ أن يصنّف مقدّم طلب تصريح الزيارة "ممنوع لأسباب أمنيّة" فقد يمنعه كلّيًّا من الزيارة أو يوافق على "تصريح زيارة سجين للممنوعين" - وهو تصريح زيارة خاصّ يسري مفعوله لمدّة 45 يومًا عادة ولزيارة مفردة. إضافة إلى ذلك، هناك حظر شامل على إصدار تصاريح زيارة سنويّة للرّجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 سنة؛ هؤلاء تُصدر لهم السّلطات تصاريح خاصّة أيضًا، إذا وافقت على تصريح أصلًا. فعليًّا، حتى الأشخاص الذين يحصلون على تصريح سنويّ لا يُسمح لهم بزيارة أقاربهم في المعتقلات الإسرائيلية بشكل متواتر: تتيح مصلحة السّجون الإسرائيلية زيارة واحدة فقط في الشهر لعائلات السّجناء الفلسطينيين - الأمنيّين والجنائيّين. ورغم أنّ التعليمات تسمح للسّجناء الجنائيّين باستقبال زوّارهم بشروط أسهل إلّا أنّ الزيارة تتمّ وفقًا للشروط الصّارمة المطبقة على السّجناء الأمنيين، لأنّ الزوّار الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية)، وبضمنهم أهالي السّجناء الجنائيّين، يُسمح لهم القدوم للزّيارات فقط بواسطة سفريّات ينظّمها الصّليب الأحمر في تواريخ محددة مسبقًا.  
 

Thumbnail
نعمة هندي تحمل صورة ابنها رائد، الذي لم تره منذ نهاية عام 2017. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18

يستغرق الذّهاب إلى الزّيارة يومًا كاملًا: يُطلب من جميع الزوّار بغضّ النظر عن سنّهم أو صحّتهم الوصول باكرًا في الصّباح إلى نقاط تجمّع محدّدة مسبقًا. من هناك، تسافر الحافلات التي يستأجرها الصليب الأحمر إلى نقطة الحاجز الأخيرة قبل دخول إسرائيل، حيث يخضعون لفحص أمنيّ وتفتيش وهذه عمليّة تقتضي انتظارًا طويلًا لأنّه في هذا الوقت يمرّ أيضًا عبر الحاجز العمّال الفلسطينيون العاملون في إسرائيل والمستوطنات في منطقة التّماس. بعد ذلك، في الجانب الإسرائيلي يستقلّ الزوّار حافلات أخرى تحمل لوحة صفراء مستأجرة من قبَل الصّليب الأحمر. وتمنع قوّات الأمن الإسرائيلية فتح أبواب الحافلة طيلة ساعات السّفر الكثيرة من لحظة مغادرتها الحاجز حتى تصل إلى المعتقل. في المعتقل، يخضع الزائرون لفحوصات أمنيّة إضافية تشمل التفتيش الجسديّ.

وفي نهاية المطاف، يتحمّل الفلسطينيّون كلّ هذه المشقّة لكي يروا أحبّائهم فقط من خلال حاجز شفّاف والتحدّث معهم فقط عبر الهاتف لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. يحقّ للسجناء أن يقدّموا طلبًا زيارة خاصّة بدون حاجز فاصل، لكنّ سلطات السّجن نادراً ما تسمح بذلك.

جميع السّجون التي تحتجز فيها اسرائيل المعتقلين الفلسطينيين، باستثناء سجن واحد، تقع داخل المناطق الإسرائيلية السّياديّة وليس في الأراضي المحتلّة. مجرّد احتجاز سكّان الأراضي المحتلّة داخل المناطق الإسرائيلية يعتبر انتهاكًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ الذي يحظر نقل المدنيّين بما في ذلك المعتقلين والسّجناء من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال إلى أراضي الدولة المحتلة. إنّه انتهاك متواصل وخطير يتبعه مسّ خطير بحقّ سكّان الأراضي المحتلّة في زيارات متواترة وضمن ظروف معقولة للسّجناء من أفراد الأسرة؛ بل هُم في أحيان كثيرة يُحرمون تمامًا من حقّ الزّيارة. إنّ المشقّة الملازمة لزيارات الأهل لأبنائهم السّجناء ليست سوى مثال على الرّوتين اليوميّ للاحتلال الذي ينوء تحته سكّان الأراضي المحتلّة. 

في الإفادات التي أدلت بها أسَر المعتقلين والسّجناء أمام الباحثين الميدانيّين من بتسيلم، تجدون وصفًا مفصّلًا للمحنة التي يعيشونها لدى زياراتهم لأحبّتهم القابعين في سجون إسرائيل.

 

طالب حمد (80 عامًا) وهو من سكّان قرية تلّ، أرمل وأب لعشرة أولاد، صاحب حانوت بقالة. في شهادة أدلى بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة، سلمى الدّبعي، قال:

طالب حمد. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18
طالب حمد. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18

اعتُقل ابني أحمد في تاريخ 18.3.02، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة، ولاحقًا تمّ الإفراج عنه ضمن "صفقة شاليط" في عام 2011؛ ولكن بعد ثلاث سنوات - في عام 2014 - جرى اعتقاله مرّة أخرى، ودون أن يخضع لمحاكمة جديدة أودع السّجن ليقضي بقية عقوبته الأصلية.

قرّرت سلطات إسرائيل أنّ دخولي ممنوع "لأسباب أمنيّة" ولذلك لم أتمكّن من الحصول على تصريح سنويّ لزيارة ولدي في السّجن - يعطونني فقط تصاريح خاصة محدّدة لزيارة واحدة، بحيث أنّني مضطرّ لأجل كلّ زيارة إلى تقديم طلب تصريح جديد. أتساءل حقًّا، ما الخطر الأمنيّ الذي تواجهه دولة إسرائيل من رجل يبلغ من العمر 80 عامًا؟!. زوجتي، عزيزة، عانت من مشكلة صحيّة في الكلى طيلة أربع سنوات وتوفّيت قبل تسعة أشهر عن عمر ناهز 72 عامًا. قبل وفاتها ببضعة أشهر جئنا معًا، وعندما وصلنا إلى الحاجز لم يسمحوا لها بالعبور قائلين إنّ دخولها ممنوع "لأسباب أمنيّة". بسببهم لم تستطع رؤية أحمد خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من حياتها مع أنّها قدّمت عدّة طلبات للحصول على تصريح زيارة، مرفقة بوثائق طبية لكنّهم لم يسمحوا لها بزيارته. حرموها من رؤيته قبل أن تغادر هذه الدّنيا.

في يوم الزيارة، أغادر المنزل قبل صلاة الفجر وأصلّي في نابلس، لكي أصل قبل أن تغادر حافلة الصليب الأحمر محطّة الحافلات المركزية في المدينة. من هناك تنقلنا الحافلة إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم). لدى وصولنا إلى الحاجز ننتظر طويلًا، لأننا نصل في وقت وصول العمّال الذين يعملون داخل إسرائيل. من لحظة وصولك إلى الحاجز إلى أن تغادره يمكن أن يستغرق الأمر ساعتين؛ وطيلة هذا الوقت تظلّ واقفًا لأنه لا توجد مقاعد ولا كراسي. هذا صعب جدًّا بالنسبة لشخص في مثل عمري. أنا ابن 80 سنة.

بعد الانتهاء من الحاجز نستقلّ حافلات من الجانب الإسرائيلي تتبع للصليب الأحمر. تستغرق الرحلة إلى سجن رامون في النقب نحو ثلاث ساعات. كان ابني في سجون أخرى في الماضي، لكنّه معتقل هناك خلال السنوات الثلاث الماضية. عندما نصل إلى السّجن تبدأ المعاناة الكبيرة. في البداية نسلّم بطاقات الهوية والتصريح ونبلغهم اسم السّجين الذي جئنا لزيارته، ثم نسلّمهم السّجائر والملابس التي جلبناها من أجل أبنائنا. نظلّ واقفين معظم الوقت لأنّ المقاعد ليست كافية للجميع، علمًا أنّ هذه العمليّة تستغرق نحو ساعتين. لا أفهم لماذا يجب أن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً. أشعر أنّه يجري تأخيرنا عمدًا.

بعد ذلك تأتي مرحلة التفتيش الجسديّ. يتحسّسون جسمي بأيديهم، بما في ذلك بين ساقيّ، ويطلبون منّي رفع ملابسي وكشف جسدي. هذا الأمر مهين للغاية. بعد ذلك، يجرون على جسدي تفتيشًا بواسطة جهاز مغناطيسيّ يدويّ. رغم كلّ التفتيشات التي أجروها عند الحاجز وعلمًا أنّه ممنوع فتح باب الحافلة حتّى وصولنا يتعيّن علينا الخضوع للفحص والتفتيش في السّجن مرّة أخرى!. ما نمرّ به خلال الزّيارة هو تعذيب وانتهاك لكرامة الإنسان. أنا رجل مسنّ. إنه إذلال.
ماتت زوجتي وأحمد لا يزال في السّجن. وأنا أخشى أنّني سأموت قبل إطلاق سراحه. خلال الزّيارة، أراه فقط من خلال الحاجز الشفّاف الذي يفصل بيننا. لا أستطيع سماعه جيداً لأن سمعي ضعيف ولا يمكنك أن تسمع جيدًا عبر سمّاعات الهاتف تلك ناهيك عن الضجيج والجلبة في غرفة الزيارات. عندما ينتهي الوقت المخصّص للزّيارة يقطعون المحادثة على الفور ولا تستطيع أن تسمع أيّ شيء. ورغم كلّ هذه المشقّة، لن أتوقّف عن زيارته طالما أنا على قيد الحياة، لأنّه لا شيء أغلى من الابن.

عدنان صبح (53 عامًا) وهو من سكّان مدينة طولكرم وصاحب شركة لبيع الأقراص المدمجة (سي. دي)، متزوّج وأب لأربعة أولاد. في شهادة أدلى بها في 19.6.18 أمام الباحث الميدانيّ عبد الكريم سعدي، روى ما يلي:

עדנאן סובוח. צילום: עבד אל-כרים סעדי, בצלם, 19.6.18عدنان صبح. تصوي: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.6.18
عدنان صبح. تصوي: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.6.18

اعتُقل أخي، سامي صبح، في 1.8.03، في ذروة الانتفاضة الثانية، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة. وهو الآن يقضي بقيّة عقوبته في سجن مجيدّو.
بعد سنتين من السّجن وافقوا على إصدار "تصريح خاصّ" لوالدي، الذي يبلغ الآن من العمر 85 عامًا. تتيح التصاريح الخاصة زيارة واحدة فقط. كان أبي يسافر وحده، رغم أنه حتى حينذاك كان قد أصبح متقدّمًا في السنّ، ويتحمّل المشقّة فقط ليراه لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. في عام 2007، تمكّنت شقيقاتي الأربع أيضًا من الحصول على تصاريح خاّصة لزيارة سامي. أمّا أنا فقد تمكّنت من الحصول على تصريح خاصّ للمرّة الأولى في عام 2011، بعد ثماني سنوات من اعتقاله!. آخر زيارة لي إليه كانت في تاريخ 12.6.18. 
كانت زيارة روتينيّة. في ذلك اليوم استيقظت في الخامسة صباحًا، استعدادًا للزّيارة. تصل عائلات السّجناء إلى محطّة الحافلات المركزيّة في طولكرم، ويسافر الجميع على متن حافلات الصّليب الأحمر. تغادر الحافلات في الساعة 6:30 إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) حيث تبدأ رحلة المعاناة والإذلال.
تنطلق عادة أربع أو خمس حافلات معًا. عند وصولك إلى الحاجز تجد طابورًا طويلًا عند الباب الدوّار في مدخل الحاجز. تبدأ الخطوة الأولى بعبور ماكينة الفحص المغناطيسي. بعد ذلك، يجري نقل بعض الأشخاص لتفتيشهم بواسطة جهاز الأشعّة السّينيّة، وآخرون لإجراء التّفتيش الجسدي.
في المرّة الأخيرة التي زرت بها أخي، عندما جاء دوري، فحص رجل الأمن - من شركة خاصّة تدير الحاجز - تصريحي وبطاقة هويّتي وأمرني بالانتظار جانبًا (يحدث هذا لمعظم الزوّار الذين لديهم تصاريح خاصّة لأسباب أمنيّة) ثمّ نادى عددًا من رجال الأمن. جلست هناك لمدّة ساعة ونصف ولم يسألني أحد أيّ سؤال. في هذه الأثناء كان جميع الزوّار ينتظرونني في الجانب الآخر. في النهاية سمحوا لي بالعبور.
في الجانب الآخر كانت هناك حافلات إسرائيليّة - بلوحات صفراء حيث يوفّرها لنا أيضًا الصّليب الأحمر. بعد إغلاق أبواب الحافلة يُمنع فتحها إلى أن تصل السّجن. غادرت الحافلات نحو السّاعة 9:00 صباحًا، واستغرقت الرّحلة ساعة تقريبًا. عندما وصلنا إلى سجن مجيدّو أخذونا إلى ساحة مسيّجة فيها جنود وكاميرات مراقبة. السّاحة مسقوفة جزئيًّا، ولكن لا توجد مساحة كافية في الظلّ، ولا توجد مقاعد كافية للجميع؛ لذلك يقضي معظم الزوّار فترة الانتظار واقفين تحت حرّ الشمس. كنا نحو 250 زائرًا.
جرى تقسيمنا إلى ثلاث مجموعات لكي تدخل كلّ مجموعة على انفراد. عندما جاء دوري، مررت عبر جهاز الفحص المغناطيسي وقمت بتمرير أغراضي. ثم فصلوا الرّجال عن النساء وفتّشونا بواسطة أجهزة مغناطيسيّة يدويّة مرّروها على جميع أنحاء الجسم. بعد التفتيش وضعونا في غرفة انتظار مبنيّة من القصدير (الزّينكو) وكان الجوّ حارًّا جدًّا. انتظرنا هناك طيلة أكثر من ساعة. كلّ الناس داخل غرفة الانتظار كانت تتصبّب عرقاً وتتذمّر من الحرّ الشديد. كما قلت لك، هذا ما يحدث في زيارة روتينية.
كلّ هذه المشقّة ولم نتحدّث بعد عمّا يجري في قاعة الزّيارات. عند مدخل القاعة، على الجانبين، كانت كلاب الشرطة تنبح خلف شبكات حديدية والمعتقلون يجلسون خلف الحواجز الشفّافة. كلّ من دخل من الزّائرين أخذ يبحث عن السّجين الذي كان قد جاء لزيارته، وجلس أمامه وبدأ يتحدّث معه بواسطة الهاتف من خلف حاجز شفّاف سميك. استغرقت الزّيارة 45 دقيقة.
عند عودتنا، أعادوا لكلّ شخص تصريحه وبطاقة هويّته، ورجعنا إلى الحافلات التي كانت تنتظرنا في موقف خاصّ في باحة السّجن. هكذا، يستغرق منّا يوم الزّيارة بالمتوسّط نحو ثماني ساعات. في نهاية يومٍ كهذا، أصل إلى البيت متعَبًا بل منهكًا.
على مرّ السنين رأيت أمورًا صعبة خلال هذه الزّيارات. رأيت أمّهات بعد أن اجتزن كلّ هذه الإجراءات ووصلن إلى السّجن، قيل لهنّ إنّه لا يمكنهنّ رؤية أولادهنّ بسبب نقلهم إلى المحكمة أو إلى المستشفى. وقد حدث لنا عدّة مرّات أن أخبرنا الصليب الأحمر قبل الزّيارة بيوم واحد أنّه لا يمكننا زيارة سامي.

زهرة اشتيّة (77 عامًا) وهي من سكّان تل، أرملة وأمّ لعشرة أولاد. في إفادة أدلت بها في 19.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة سلمى الدبعي، روت ما يلي:

Thumbnail
زهرة اشتيّة مع ابنها جهاد. الصورة قدّمتها العائلة مشكورة.

في 23.10.03، جرى اعتقال ابني جواد وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 30 سنة. اليوم هو يبلغ من العمر 43 عامًا.  أحاول زيارته قدر الإمكان. لقد نقلوه من سجن إلى سجن عدّة مرّات، وفي السّنوات الأربع الأخيرة هو موجود في سجن الجلبوع. مع أنّني بلغت من العمر 77 عامًا وأعاني من السكّري، لا أفوّت أيّة زيارة مهما كانت الأسباب - إنّه قطعة من روحي. 

أخرج من البيت تقريبًا في السّاعة 5:00 صباحًا لكي أستقلّ حافلة الصّليب الأحمر الذي يأخذنا إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) ومن هناك نسافر في حافلة إسرائيليّة، بلوحة صفراء، يستأجرها الصليب الأحمر لكي نصل إلى السّجن. نقضي ساعتين تقريبًا في الحاجز لأنّ هناك مراحل تفتيش كثيرة، لأنّهم يستوقفون أحيانًا أحد المسافرين الزوّار وهذا يسبّب التأخير لنا جميعًا - نظلّ في الانتظار إلى أن يفتّشوا الجميع.

قبل سنتين أعادوني من الحاجز، بعد أن اجتزت كلّ مراحل التفتيش ما عدا الأخيرة التي ينبغي فيها إبراز التصريح وبطاقة الهويّة. في هذه المرحلة أبلغوني أنّني ممنوعة من الدخول لأسباب أمنيّة. سألتهم ما السّبب، لكنّهم لم يقدّموا لي أيّ تفسير، فقط قالوا لي "ارجعي إلى البيت" هذا رغم أنّ تصريحي الذي سحبوه كان ساري المفعول لمدّة أربعة أشهر أخرى.

كان عليّ أن أنتظر مرور الأشهر الأربعة لكي أقدّم طلب تصريح زيارة جديد مع احتمال أن يُرفض مرّة أخرى لأسباب أمنيّة. لحُسن حظّي حصلت على التصريح وذهبت لزيارة ابني مرّة أخرى. ليست هذه المرّة الأولى؛ لقد فعلوا الأمر نفسه قبل ثلاث سنوات: قالوا لي "أنت ممنوعة من الدّخول لأسباب أمنيّة" وبسبب ذلك لم أتمكّن من زيارة ولدي طيلة سنتين بالتّمام. كان ذلك صعبًا جدًّا عليّ وعليه. في تلك الفترة نفسها كان أشقّاؤه يزورونه ولكن بتصاريح خاصّة. أقصد تصريح ليوم الزّيارة نفسه وبعد ذلك كان عليهم تقديم طلب لتصريح جديد من أجل زيارة أخرى. هذه الإجراءات كلّها شاقّة للغاية ومع ذلك نحن نصرّ على المواظبة في زيارة ابننا السّجين. 

كذلك لدى وصولنا إلى السّجن نخضع لإجراءات طويلة ومُهينة، إلى أن ندخل ونراه. هناك جنديّة تجري بيديها تفتيشًا على جسدي، حتّى في المناطق الحسّاسة من جسمي. تلمس صدري وشعري، تتحسّس أكمامي وتُدخل يديها في جيوبي. كذلك لديها جهاز مغناطيسيّ تمرّره على جسمي كلّه وحتّى بين رجليّ. وهناك نساء كثيرات، خاصّة الشابّات، يخضعن للتّفتيش وهنّ عاريات - هذا يُجرونه في غرفة خاصّة. لا يجرون عليّ التفتيش العاري لأنّني امرأة مسنّة. ذات مرّة رفضت زوجة أسير الخضوع للتفتيش وهي عارية فلم يسمحوا لها بالمرور وبقيت تنتظر في الخارج. 

تستمرّ الزّيارة 45 دقيقة. والتحدّث مع الأسرى يتمّ بواسطة الهاتف - لأنّ هناك حاجز زجاجيّ يفصل بيننا بينهم. بسبب الضجيج في غرفة الزّيارة لا يمكننا أن نسمع جيّدًا عبر الهاتف، ولذلك فالجميع يتحدّث بصوت عالٍ وتحدث جلبة كبيرة. 
قدّم ابني طلبات عديدة ومتكرّرة إلى إدارة السّجن لكي يسمحوا له بزيارة خاصّة، فسمحوا لنا بزيارته دون حاجز يفصل بيننا. حدث هذا مرّة واحدة قبل عشر سنوات وقد رافقتني ابنتي إلى تلك الزّيارة. لقد كنّا في انفعال شديد لأنّنا استطعنا أن نصافحه ونعانقه ونشمّ رائحته. عندما احتضنته ابنتي ظلّت متشبّثة به طيلة دقائق عديدة. لقد تقدّم بي السنّ حيث أصبحت قرب الثمانين من عمري وأتمنّى أن يسمحوا لي بزيارة أخرى خاصّة كتلك.  

توفّي زوجي قبل ثماني سنوات. كان مريضًا وقد ساءت حالته في السنتين الأخيرتين من عمره ولم يكن قادرًا على الحركة أو الكلام. كان يتواصل معنا عبر الكتابة على الورق وكان يكتب طيلة الوقت أنّه يتمنّى رؤية ولده ولكنّهم رفضوا جميع الطّلبات التي قدّمناها - لقد توفّي دون أن تتحقّق أمنيته. 

نعمة هندي (60 عامًا) وهي من سكّان قرية تلّ، ربّة منزل، متزوّجة وأمّ لثمانية أولاد. في إفادة أدلت بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانية سلمى الدّبعي، قالت: 

Thumbnail
نعمة هندي تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18

زوجي موسى هندي يبلغ من العمر 70 عامًا؛ ولدينا ثمانية أبناء وبنات. لقد اعتقلوا ابننا رائد (39 عامًا) في عام 2004، ومنذ ذلك الحين وهم ينقّلونه من سجن إلى آخر. في السنوات الأخيرة هو موجود في سجن النقب ("كتسيعوت"). 
طيلة السنتين الأوليين من اعتقال رائد لم نتمكّن من رؤيته - منعونا من الزّيارة قائلين "لأسباب أمنيّة" وقد كانت هذه الفترة عصيبة بالنسبة إلينا جميعًا، حيث لم يتمكّن من رؤيته أيّ من أفراد الأسرة. بعد ذلك صارت السّلطات تعطيني "تصريح أزرق" وهو تصريح لمرّة واحدة يسري مفعوله ليوم الزّيارة نفسها. بهذه الطريقة زرت ولدي طيلة خمس سنوات زيارة واحدة كلّ ستّة أشهر ثمّ أقدّم طلبًا لتصريح جديد. بعد هذه السّنوات الخمس أي بعد سبع سنين على اعتقال ابني، صرت أحصل على تصريح عاديّ يسري مفعوله لمدّة سنة ويسمح بالزّيارة مرّة كلّ شهر. 
لم أقم بزيارة رائد منذ نهاية عام 2017، لأنّني لا أتحمّل الصعوبات الكثيرة مع تقدّم سنّي ومعاناة السكّري وارتفاع ضغط الدم لديّ، ولأنّه لم يبق على إخلاء سبيله سوى بضعة أشهر. هو بنفسه قال لي أنّه يفضّل عدم مجيئي كثيرًا لزيارته لأنّه يهتمّ بصحّتي ويدرك مشقّة الزّيارة. 
عندما كنت أزوره، كنت أخرج من البيت قرابة السّاعة 4:00 فجرًا، وأعود في ساعات اللّيل المتأخّرة. وعند الوصول إلى السّجن يجري تفتيشنا - ناهيك عن الانتظار الطّويل. هناك توجد ساحة فيها مقاعد، لكن لا يوجد ظلّ كافٍ، ولا المقاعد كافية للجميع. المراحيض المخصّصة للزوّار وضعها مقرف وليست كافية للجميع - يوجد فقط مرحاضان، واحد للنساء وواحد للرّجال. منذ وصولنا يبدأ طابور طويل في التشكّل أمام المراحيض. ثم، بعد الانتظار يأتي دور التفتيش الجسدي باليدين وأيضًا بواسطة جهاز مغناطيسي. هم يتحسّسون بأيديهم الجسد كلّه. عند ذلك تبدأ مرحلة انتظار جديدة وطويلة إلى أن ينتهوا من تفتيش الجميع.  
بين فينة وأخرى هناك أيضًا عقبات غير متوقّعة وعقاب جماعيّ. ذات مرّة، قبل سنتين، ضرب أحد الأسرى أحد الحرّاس وعندها أبقونا جميعًا في الخارج طيلة ساعتين، بعد أن قد وصلنا. وفي مرّة أخرى احتجزونا عند الحاجز لمدّة ساعتين أيضًا، بادّعاء انّ إحدى الزائرات حاولت تهريب بطاقة "سيم" لهاتف خلويّ. عاقبونا جميعًا - أربع حافلات ملأى بالزائرين أخّروها ساعتين؛ إلى أن جاء مندوب الصليب الأحمر وتحدّث معهم وعندها سمحوا لنا بالعبور. 
مع انتهاء يوم الزّيارة يكون التّعب قد أنهكني تمامًا. أحمد الله أنّ ابني على وشك الخروج من السّجن؛ بقيت له بضعة أشهر وعندها لن أضطرّ إلى عبور كلّ هذه المشقّة. كان الله بعوْن الناس الذين لديهم أقارب في السّجن فالزّيارات مُنهكة. 

 

كلمات مفتاحية