Skip to main content
أفراد أسر الاسرى في حافلة الصليب الأحمر للزيارة الاسرى. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 22.1.18.
Menu
المواضيع

الأقارب البعيدون - قيود مشدّدة على زيارات الأقارب من الدّرجة الأولى لدى الأسرى من قطاع غزة داخل إسرائيل

هنالك في سجون إسرائيل أسرى فلسطينيون من سكّان قطاع غزّة أيضًا - بعضهم اعتُقل قبل تنفيذ "خطّة الانفصال" وبعضهم بعد تنفيذها. تفيد معطيات سلطة السجون لشهر تشرين الثاني 2017 أنّه يوجد داخل حدود إسرائيل 358 سجينًا ومعتقلاً من قطاع غزّة، منهم 320 مصنّفون "أمنيّون" و-38 مصنّفون "جنائيّون"، من ضمنهم 12 مسجونون بدعوى دخول إسرائيل دون تصريح، بينهم فتًى دون سنّ الـ18.

سجن سكان من الأراضي المحتلّة في سجون داخل إسرائيل يُلزم عائلاتهم بالحصول على تصريح لكي تقوم بزيارتهم. طيلة السنين راكمت إسرائيل مشاقّ لا تُحتمل أمام عائلات الأسرى من قطاع غزّة. في أعقاب تسلّم حماس السلطة، عام 2007، منعت إسرائيل زيارات العائلات كلّيًّا (بدعم من محكمة العدل العليا)، ولم تجدّدها إلّا بعد مضيّ خمس سنوات من المنع، في تمّوز 2011، وحتّى هذا كان جزئيًّا فقط:

في المرحلة الأولى سمحت الدولة بالزيارة فقط للوالدين والأزواج. وفق لمعلومات من الصليب الأحمر، تتمّ هذه الزيارات فقط مرّة واحدة كلّ شهرين. في أيار 2013، سمحت إسرائيل بالزيارة للأولاد، فقط إذا كانت سنّهم دون الثامنة بزيارة ابيهم؛ وبعد ذلك أخذت ترفع معيار السنّ تدريجيًّا. وفقًا للصليب الأحمر، تسمح إسرائيل اليوم بالزيارة للأولاد حتى سنّ 16. وما زالت الزيارة ممنوعة كلّيًّا بالنسبة لبقيّة الأقرباء، بما في ذلك الجدّ والجدّة والإخوة والأخوات؛ إلّا في حالة أسير أعزب توفّي والداه - عندها تسمح إسرائيل لإخوته أو أخواته بزيارته، ولكن فقط مرّة واحدة كلّ ستّة أشهر. تختلف شروط زيارة الأسرى والمعتقلين سكّان الضفة الغربية - سواء جرى تصنيفهم "أمنيّون" أو "جنائيّون". هؤلاء يُسمح لهم باستقبال الزوّار مرّة كلّ أسبوعين. وهي مسموحة لجميع أفراد العائلة، بما في ذلك الجدّ والجدّة، الإخوة والأخوات، والأولاد دون قيود على سنّهم.

موعد الزّيارة لدى الأسرى والمعتقلين سكّان القطاع في أيام الاثنين، في لفّة بين السجون. معظم الأسرى من قطاع غزة تحبسهم إسرائيل في ثلاثة سجون: نفحة وإشِل (دِكِل) ورامون. الأسرى الذين في سجون أخرى يُجلبون إلى أحد هذه السجون الثلاثة في موعد الزيارة. لأجل الوصول إلى الزّيارة، يضطرّ أفراد الأسرة إلى الخروج من بيوتهم قبل طلوع الفجر، ولا يعودون إليها إلّا في المساء. يُسمح في كلّ زيارة بقدوم ثلاثة فقط من أفراد الأسرة. يُسمح لهم أن يجلبوا للأسير ملابس من نوع محدّد، وفقط بعد التقدّم بطلب إلى إدارة السجن ومصادقتها عليه؛ كما يمكنهم إحضار ثلاث صور. يُسمح للعائلة أيضًا إيداع مبلغ من المال يستخدمه الأسير لشراء حاجيّات من "الكَنتينة". مدّة الزيارة قصيرة، ما بين 45 دقيقة و-60 دقيقة. خلال الزيارة يفصل حاجز زجاجيّ بين الأسير والزوّار، وتتمّ المحادثة بينهم عبر الهاتف. تسمح إسرائيل للأولاد دون سنّ العاشرة بمعانقة والدهم الأسير. منذ حزيران 2017، في أعقاب إضراب الأسرى الأخير، تسمح إسرائيل لأبناء العائلة التقدّم بطلب لالتقاط صورة مشتركة تجمعهم مع الأسير.

معظم الأسرى سكّان قطاع غزة مصنّفون "أمنيّون"، وهؤلاء تحرمهم إسرائيل من حقّ المحادثة الهاتفية مع عائلاتهم. هذا المنع - خاصّة على خلفيّة القيود الكاسحة التي تفرضها إسرائيل على زيارة العائلات - يضيف مشقّة إلى المشاقّ التي يتحمّلها أولاد الأسرى، الذين يشبّون دون آبائهم؛ فيقع على زوجات الاسرى عبء تربية الأولاد وحدهنّ؛ ووالدي الاسرى، الذين يعانون فراق أولادهم؛ وإخوتهم وأخواتهم، الذين لا يُسمح لهم أصلاً بالقدوم لزيارتهم. إضافة إلى هذه القيود، منذ تمّوز 2017 تمنع إسرائيل الزّيارة عن مائة أسير ينتسبون إلى حركة "حماس"، وذلك في محاولة معلنةٍ صراحةً للضغط على الحركة لكي يُعيد كلًّا من "أبرا منغيستو" وهشام السيّد ورفات الجنديّين "أورون شاؤول" و"هدار چولدين".

زيارة الأسرى من قبَل عائلاهم حقّ لهم وحقّ لأبناء عائلاتهم. إسرائيل هي التي اختارت أن تسجنهم داخل حدودها - خلافًا للقانون الدولي - وعليها أن تتيح هذه الزيارات دون فرض قيود تعسّفية. إنّ الحفاظ على العلاقات الأسَريّة حقّ أساسيّ للسجناء والمعتقلين أيضًا، من حيث هو حقّ لكلّ إنسان.

فيما يلي إفادات أدلى بها بعض من أبناء عائلات الأسرى، تحدّثوا فيها عن المشاقّ الكثيرة التي يعانونها جرّاء القيود المفروضة على زيارة أعزّائهم:

Thumbnail
نجاح شمالي مع احفادها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 8.12.17.

نجاح شمالي، 60 عامًا، ربّة منزل، من سكّان غزّة، أرملة وأمّ لسبعة، روت في إفادة من يوم 5.12.2017 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم، ألفت الكرد، عن الصعوبات التي تلاقيها لدى زيارة ابنها:

اعتُقل ابني، أحمد شمالي، عام 2008. علمت عن اعتقاله من الصليب الأحمر. يصعب عليّ أنّ أصف لك ماذا شعرت عندما علمت بالأمر. كنت حزينة جدًّا وامتلأ قلبي حسرة. بعد اعتقال ابني أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدم.

استمرّت الإجراءات القضائية في حقّ أحمد سنتين، وفي عام 2010 حكمت عليه المحكمة الإسرائيلية بالسجن مدّة 18 سنة. كان هذا موجعًا جدًّا، كنت أبكي ليلاً ونهارًا. أكثر ما آلم قلبي أولاد أحمد الصغار، عُبيدة (اليوم في سنّ الـ12) وعلي (اليوم في سنّ الـ9). حكموا عليه بالسجن لسنوات طويلة جدًّا.

في السنوات الأولى، وحتى عام 2012، لم أتمكّن من زيارة أحمد، بسبب سياسة إسرائيل بعد تسلُّم حماس السلطة. تواصلت معه عبر الرسائل التي كنت أرسلها بواسطة الصليب الأحمر. وكنّا أحيانًا نبعث بتحيّات للسجناء عبر برنامج في تلفزيون فلسطين، وأيضًا عبر محطّات راديو محليّة كانت تصل أحيانًا لتغطية اعتصام التضامن مع الأسرى قبالة مكاتب الصليب الأحمر. في عام 2012، في أعقاب إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية، والذي استمرّ 42 يومًا، استجابت إسرائيل لمطالب الأسرى المتعلقة بزيارة العائلات. نحن أيضًا أعلنّا إضرابًا عن الطعام، تضامنًا مع أبنائنا الأسرى.

بعد تبليغي عن طريق الصليب الأحمر أنّ إسرائيل سمحت لنا بزيارة ابني، في المرّة الأولى لم أتمكّن من النوم طيلة الليل لكثرة ما انفعلت ولتلهّفي على رؤيته. لم أصدّق أنّني سوف أرى ابني للمرّة الأولى بعد فراق دام أربع سنوات.

في الزيارة الأولى لم تسمح إدارة السجون في إسرائيل أن تأتي زوجة أحمد وأولاده للزيارة، ولا سمحوا لنا بجلب أيّ شيء معنا، حتّى ملابس أو أكل.

تبدأ رحلة الزيارة في الساعة 5:00 صباحًا، تقريبًا. نتجمّع كلّنا قرب مكاتب الصليب الأحمر، ثمّ نصعد حافلة تقلّنا إلى حاجز “إيرز”. هناك تبدأ المعاناة: في الحاجز يقومون بإجراء تفتيش، وأحيانًا يفتّشون أجسادنا ونحن عاريات تمامًا - أمر مُخجل ومُربك. بعد ذلك نسافر طيلة ساعتين من حاجز “إيرز” إلى سجن نفحة، حيث يوجد ابني. أنتظر بفارغ الصبر انقضاء هاتين الساعتين لنصل وأرى ابني.

أثناء الزيارة تنتابني رغبة شديدة في لمس أحمد واحتضانه، ولكنّني لا أستطيع ذلك لأنّ الحاجز الزجاجي يفصل بيننا. عانقته مرّة واحدة، حين سمح لنا قائد السجن بالتقاط صورة مع أحمد داخل السجن. تهاويت عندما احتضنت ولدي. لم أتمالك نفسي، بكيت وبكيت كثيرًا؛ فأنا منذ أربع سنوات لم أحتضنه! يصعب عليّ أن أصف تلك اللحظات - خليط من الحزن والفرح. أحمد لم يتمالك نفسه أيضًا، فرح كثيرًا وبكى كثيرًا. تمنّيت لو تطول تلك اللحظة أكثر وأكثر، ولكنّها استمرّت خمس دقائق فقط. أسعدني جدًّا أنّني استطعت التقاط صورة مع ابني، وكنت أقبّله وأعانقه.

من الصعوبات التي أعانيها أيضًا، أنّهم لا يسمحون لنا بزيارته سوى مرّة واحدة كلّ شهرين أو ثلاثة. إنّها مدّة طويلة جدًّا. أودّ لو استطعت زيارته مرّة كلّ أسبوعين، أو مرّة كلّ شهر، وأن تكون مدّة الزيارة أكثر من ساعة لنقضي معًا وقتًا أطول؛ ويا ليتنا نستطيع الجلوس وجهًا لوجه، دون حاجز زجاجيّ يفصل بيننا.

بعد زيارتي الأولى لأحمد، سمحت إسرائيل أيضًا لزوجته وللأولاد بزيارته. أحفادي يسألون عن والدهم طيلة الوقت. هم لا يعرفونه في الواقع. حين اعتقلوه كان ابنه الصغير (علي) رضيعًا ابن أربعة أشهر، وابنه الكبير (عبيدة) كان عمره سنتين. في البداية رفض علي الاقتراب من والده. كان يقول "هذا ليس أبي". عندما سمعته يقول ذلك أجهشتُ في البكاء، احترق قلبي على ابني وعلى ولدَيه. في الماضي، كانت إدارة السجن تسمح لحفيديّ، في بعض الزيارات، أن يعانقا والدهما وأن يقبّلاه؛ أمّا اليوم فلا يسمحون لهما سوى بالتحدّث إليه عبر "السمّاعة". في كلّ زيارة يُسمح فقط لثلاثة أشخاص بالمجيء، ولذلك لا نستطيع أن نأخذ معنا سوى واحد من ولدَي أحمد في كلّ زيارة.

ومع ذلك، أنا مسرورة جدًّا في الآونة الأخيرة، لأنّني أستطيع زيارة ابني، رغم المشاقّ الكثيرة التي أمرّ بها في حاجز “إيرز” وفي داخل السجن أثناء الزيارة، ورغم الوقت الطويل الذي يمرّ من زيارة إلى أخرى. ها أنا الآن، أنتظر الزيارة القادمة بفارغ الصّبر وبشوق كبير لأحمد. ربّما يحدث ذلك في شهر كانون الثاني.

أحوّل لأحمد في كلّ زيارة مبلغ 3000 ش.ج. لـ"كَنتينة" السجن. بالنسبة إليّ، هذا مبلغ كبير، خاصّة وأنّني المعيلة الوحيدة لأسرة ابني - لزوجته وأولاده. الشتاء يقترب، والسجن بارد جدًّا. لكنّ سلطات السجن لا تسمح لنا بإدخال ملابس دافئة وأغطية.

مستجدّات: في 9.1.2018 أفادت نجاح شمالي أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، أنّ طلب التصريح الذي قدّمته رُفض - دون أن يبلغها أحد بسبب الرّفض؛ وعليه لم تشارك في زيارة ابنها التي جرت قبل ذلك بيوم واحد. سافرت كنّتها وحفيدها إلى الزيارة دونها.

بديعة عنبر، 57 عامًا، أرملة وأمّ لثمانية، من سكّان دير البلح، حدّثت في إفادة أدلت بها يوم 21.12.2017 أمام الباحث الميداني في بتسيلم، خالد العزايزة،عن مصاعب الحفاظ على علاقة مع ابنها السجين:

بديعة عنبر. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 21.12.17
بديعة عنبر مع صورة ابنها.

في 31.5.2002 اعتقل الإسرائيليون ابني رامي في حاجز أبو هولي، بين مدينتَي خان يونس ودير البلح. حكموا عليه بالسجن مدّة 18 عامًا. رامي اليوم في الـ38 من عمره؛ متزوّج من فداء، وهي اليوم في الـ36. لقد كانت حاملًا عندما اعتقلوه، ووُلدت ابنته ريم في عام 2003؛ أي أنّها اليوم تبلغ من العمر 14 عامًا.

بعد أن اعتُقل رامي، كنت أذهب لزيارته في سجن عسقلان (شيكما). في البداية كنت أسافر وحدي، لأنّ زوجته لم تكن مسجّلة بعد في هويّته. أحيانًا كنت آخذ معي ابنته. كانت الزيارات تتمّ مرّة كلّ أسبوعين. في يوم الزيارة، كنت أنتظر حافلة الصليب الأحمر لتقلّنا إلى حاجز “إيرز”. في الحاجز كانوا يجرون تفتيشات دقيقة، ثمّ نصعد إلى حافلة تقلّنا إلى عسقلان، حيث نمرّ مجدّدًا بإجراءات التفتيش، ثمّ يدخلوننا إلى القاعة التي سنلتقي فيها السجناء. كانت تفصلني عن رامي شبكة، والزيارة كانت مدّتها تقريبًا 45 دقيقة. كانوا يسمحون لنا بإدخال بعض أنواع الطعام، مثال - ملوخية، ليمون، زعتر، ثوم، نعنع؛ كذلك كانوا يسمحون بإدخال الملابس، من جميع الألوان.

في مرحلة لاحقة صاروا يسمحون لزوجة رامي بزيارته. أحيانًا كنت آخذ معي أحد ابنَيّ الآخرَين، طارق أو هيثم، لأنّهما كانا حينها قاصرَين، وأيضًا كان يُسمح لإخوة وأخوات السجين بزيارته. استمرّ الوضع على هذا النحو حتى عام 2007، وعندها منعت إسرائيل زيارة السجناء. لم أتمكّن من زيارة ابني طيلة أكثر من ستّ سنوات. لقد كان هذه فترة صعبة جدًّا - لم أعرف عن رامي أيّ شيء. وكان يُمنع إرسال أغراض، مثال الملابس والنقود لـ"الكنتينة" والطعام.

خلال تلك السنوات لم يجرِ نشاط لأجل الأسرى دون أن أشارك فيه - مثال الاعتصام الأسبوعي كلّ يوم اثنين أمام مكاتب الصليب الأحمر في غزة. توجّهت أيضًا إلى منظّمات حقوق الإنسان، وإلى مكتب ممثّلية حقوق الإنسان في غزة، التابعة للأمم المتحدة، وإلى جميع المنظّمات العاملة مع الأسرى - لكي أطلب منهم أن يضغطوا على إسرائيل فتسمح مجدّدًا بزيارة الأسرى. في 2012 سمحت إسرائيل مجدّدًا بزيارة الأسرى، ولكن وفق قواعد جديدة: الزيارة فقط مرّة كلّ شهرين، وفقط للوالدين والزوجة، وللأولاد الذين تحت سنّ الثامنة. أمّا إخوة الأسير وأخواته الذين تجاوزوا سنّ الثامنة فلم يُسمح لهم بعد بزيارته حينئذٍ.

عندما زرت رامي للمرّة الأولى بعد كلّ سنوات المنع، سافرت وحدي إلى سجن نفحة حيث كان رامي حينئذٍ. ابنته ريم كانت قد تجاوزت الثامنة من عمرها، وعليه فكانت ممنوعة من زيارته. عندما وصلت، اكتشفت أنّهم استبدلوا الحاجز المشبّك بحاجز زجاجيّ، وأنّ المحادثة تتمّ عبر الهاتف. كان اللّقاء مع رامي صعبًا جدًّا، لأنّي وجدت أنّ شكله قد تغيّر كثيرًا في السنوات التي لم نلتقي خلالها. أجهشت في البكاء عندما رأيته. لم يسمحوا لنا بجلب شيء معنا في هذه الزيارة. وهكذا استمرّت الزيارات، مرّة واحدة كلّ شهرين.

في نهاية سنة 2016 منعوني من زيارة رامي، وعندما استفسرت لدى الصليب الأحمر قالوا لي أنّني ممنوعة لأسباب أمنيّة. أحسست بظلم كبير وبكيت، لأنّني لم أفعل شيئًا يستدعي المنع أو يبرّره. منذ ذلك الحين أواظب على تقديم طلبات الزيارة لدى مكاتب الصليب الأحمر في غزة، ولكنّهم في كلّ مرّة أنّ طلبي قد رُفض لأسباب أمنيّة. لذلك، تذهب لزيارة رامي زوجته وابنته ريم، حيث يسمحون اليوم للأولاد الأكبر سنًّا بالزيارة. أمّا أنا فأبقى في البيت وأنتظر عودتهما؛ ومن لحظة دخولهما أُمطرهما بملايين الأسئلة عن رامي. لم أتوجّه بشكوى إلى منظّمات حقوق الإنسان، لأنّه طيلة فترة منع الزيارات توجّهت مرّات كثيرة إليهم، لكن بلا فائدة.

الآن يسمحون لنا بإرسال ملابس رقيقة لرامي، وبألوان محدّدة - مثال، البُنّي والأسود والأبيض، أمّا الملابس الملوّنة والملابس السميكة فلا يسمحون بإدخالها. قبل شهر نقلوا رامي من سجن نفحة إلى سجن رامون، والآن في الشتاء الجوّ هناك بارد. كذلك، هم يمنعون إدخال أيّ نوع من الطعام، ويسمحون فقط بتحويل نقود لـ"الكنتينة" - أحيانًا 1200 ش.ج. وأحيانًا أكثر. هم يسمحون لنا بشراء السجائر من داخل السجن، نحو ستّين علبة؛ لكنّ ثمن السجائر والملابس هناك أغلى بكثير من ثمنها في غزة. أنا أعتقد أنّهم يمنعون إدخال الملابس والسجائر التي نجلبها معنا فقط لكي يُجبروا الأسرى على شرائها من "الكنتينة"، بأسعار أغلى.

في بعض الأحيان نرسل لرامي صورًا للعائلة، لأنّه يسأل دائمًا عن إخوته وأخواته. مسموح إدخال صور قليلة فقط، وهذه تأخذها زوجته معها حين تذهب لزيارته. رامي قلّما يرسل إلينا صورًا، لأنّ ذلك يتطلّب إذنًا من سلطات السجن.

رندة المصري، 22 عامًا، من سكّان غزة، حدّثت أدلت بإفادة يوم 14.12.2017 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، تحدّثت خلالها عن قطيعة دامت 13 عامًا لم ترَ خلالها أخاها الأسير:

رندة المصري مع صورة اخيها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 14.12.17.
رندة المصري مع صورة اخيها.

اعتُقل أخي - نبيل المصري، 35 عامًا - في عام 2004 لدى عبوره حاجز أبو هولي في قطاع غزة، وحُكم عليه بالسجن لمدّة 14 عامًا. في حينه، أبلغنا الصليب الأحمر أنّه يمضي محكوميّته في سجن النقب الصّحراوي ("كتسيعوت"). عندما اعتُقل أخي كنت في التاسعة من عمري، وكان هو في الثانية والعشرين. بكينا كثيرًا عندما سمعنا خبر اعتقاله. والدي ووالدتي كانا في حالة نفسيّة صعبة جدًّا. نبيل كان كلّ شيء في حياتي. كان يلعب معي دائمًا، يأخذني لشراء أشياء ويدلّلني. منذ اعتقاله عام 2004، زرت نبيل مرّتين فقط، خلال عام 2005، وكنت حينها في العاشرة من عمري. منذ ذلك الحين، أي منذ 13 عامًا لم أرَه. يُسمح فقط لوالدي ووالدتي بزيارته في السجن. أنا مواكبة وضعه فقط من خلال زيارات والدينا.

من عام 2007 إلى عام 2012 منعت سلطة السجون زيارة العائلات، ولم نعرف عن نبيل شيئًا طيلة تلك السنوات. أمضينا هذه السنوات الخمس بالبكاء والألم والأشواق. أنا نسيت شكل وجه أخي. أراه فقط في الصّور. أفكّر فيه دائمًا وأشتاق إليه كثيرًا. أغبط أبي وأمّي لأنّهما يستطيعان زيارته.

والداي يقولان إنّ الزيارات أقصر ممّا ينبغي، وهي لا تكفي للتحدّث عن كلّ شيء ونقل سلاماتنا وأشواقنا جميعًا. كذلك، لا يسمح السجّانون للأهل بالتقاط صورة مع الأسير أو حتّى معانقته. أتمنّى أن تسمح السلطات الإسرائيلية للأسرى في السجون الإسرائيلية بزيارة إخوتهم وأخواتهم لديهم. يؤلمني جدًّا أنّني ممنوعة من زيارة نبيل، وأبكي كثيرًا بسبب ذلك. لا يمكنك أن تتصوّر كم أنا مشتاقة لرؤيته، وكم أتمنّى مرافقة أبي وأمّي في الزيارة القادمة، في شهر كانون الثاني.

مادلين الحلولي، 27 عامًا، من سكّان غزة، أدلت يوم 12.12.2017 بإفادة أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصفت خلالها كيف تأثّرت العائلة بسجن أخيها وانقطاع الصّلة معه.

مادلين الحلولي مع صورة اخيها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 12.12.17.
مادلين الحلولي مع صورة اخيها.

اعتُقل أخي، مؤيّد الحلولي، في 9.9.2013، حين حاول دخول إسرائيل دون تصريح، وحُكم عليه بالسجن مدّة خمس سنوات وثمانية أشهر؛ ويقضي اليوم محكوميّته في سجن مجيدو، في الحبس الانفرادي. يبلغ مؤيّد اليوم الثلاثين من عمره، وهو يعاني مشاكل نفسيّة منذ إصابته بجراح بليغة جرّاء قصف صاروخيّ عام 2003. أجريت له أربع عمليّات جراحيّة في البطن والرأس، ومنذ ذلك الحين ظهرت لديه مشاكل سلوكيّة، وأخذ يتكلّم وكأنّه منفصل عن الواقع. أخذه والداي للفحص لدى أخصّائيّين نفسيّين، وقرّر هؤلاء أنّه يعاني مشاكل نفسيّة وسلوكيّة.

في عام 2013 اختفى مؤيّد. بحثنا عنه طيلة أسبوعين، إلى أن أبلغنا الصليب الأحمر أنّه معتقل رهن التحقيق في سجن عسقلان. عندما علمنا أنّه معتقل أصابتنا الصدمة، أنا وأهلي، خاصّة بسبب وضعه النفسيّ الناجم عن إصابته.

أوقفنا له محاميًا فلسطينيًّا من إسرائيل، وكذلك ساعدنا محامٍ من مركز "الميزان" لحقوق الإنسان، لأجل الإفراج عن مؤيّد؛ علمًا أنّه غير مسؤول عن أفعاله، فهو يعاني من "بوست - تراوْما". طلب منّا المحامون التقارير الطبّية التي تثبت وضع مؤيّد النفسي، وكذلك الوصفات الطبية. من جهة ثانية، أوعزت المحكمة الإسرائيلية بإحالته للفحص على يد لجنة طبّية في سجن ريمون، لكنّ هذه اللجنة خرجت بنتيجة أنّ مؤيّد مسؤول عن أفعاله، تبعًا لحالته الذهنيّة. كانت هذه كارثة حلّت بنا.

بعد اعتقال مؤيّد، لم يتمكّن والداي من زيارته: طلب التصريح الذي قدّمه والدي رُفض لأنّه سبق أن سُجن لدى إسرائيل، أمّا والدتي فقد أصيبت في أعقاب اعتقال ولدها بجلطة دماغية سبّبت لها الشلل في نصف جسدها الأيسر. الصّلة الوحيدة بيننا وبين مؤيّد كانت بواسطة المحامي، الذي كان يخبرنا عن وضعه. أبلغنا أنّ مؤيّد أجريت له عملية جراحيّة في الأمعاء، بسبب مضاعفات ألمّت به في السجن، ناجمة عن إصابته عام 2003؛ وهذا زاد من قلقنا عليه. بعد اعتقاله بثلاثة أشهر تدهور وضع والدتي وفارقت الحياة. لقد كانت هذه سنة كوارث بالنسبة إلينا.

في كانون الثاني 2015، أبلغَنا الصليب الأحمر أنّه قد سُمح لوالدي بزيارة مؤيّد - للمرّة الأولى، بعد مرور سنة ونصف على اعتقاله. فرحنا جدًّا بذلك، فنحن قد اشتقنا إليه كثيرًا. انتظرت عودة والدي بفارغ الصبر لكي أسمع منه كيف حال أخي وأطمئنّ عليه. في زيارته الأولى لدى مؤيّد أخبره والدي عن وفاة والدتي. قال أبي إنّ اللّقاء كان حزينًا وأنّهما بكيا كثيرًا حزنًا على وفاة والدتي.

لا تسمح السلطات الإسرائيلية للإخوة والأخوات بالزّيارة، ولذلك لا يمكنني زيارة مؤيّد، وهذا الأمر صعب جدًّا بالنسبة إليّ. أنا لم أرَه منذ أكثر من أربع سنوات. وفوق ذلك، حدث عدّة مرّات أن توجّه والدي إلى السجن لزيارة مؤيّد، لكنّ إدارة السجن لم تسمح له برؤيته؛ نحن لا نعلم ما السبب.

قبل سنتين ونصف هاجم مؤيّد سجّانين، ومنذ ذلك الحين يبقونه في العزل أو الحبس الانفرادي. هذا أمر يحزنني جدًّا. توجّهنا إلى إدارة السجن، بواسطة محامٍ، وطلبنا أن يخرجوه من العزل، لكنّ الطلب رُفض.

الوضع عمومًا محزن، ولكنّني حزينة بشكل خاصّ، لأنّ أبي يحدّثني أنّه عندما يذهب لزيارة مؤيّد يَحضُر أخي مقيّد اليدين والرّجلين، حتّى أنّه يمسك بصعوبة سمّاعة الهاتف للتحدّث مع أبي. ويصف أبي كم يصعب عليه أن يرى ابنه مقيّدًا طيلة وقت الزيارة، ساعة وربع، وأنّه لا يستطيع لمسه أو معانقته. أتمنّى لو أستطيع على الأقلّ أن أزور أخي مؤيّد، وأكثر من ذلك أتمنّى أن يفرجوا عنه نظرً لوضعه النفسي. كذلك، ليت السلطات الإسرائيلية تسمح له بالتقاط صورة مع أبي أثناء الزيارة، لكي أرى وجهه، فأنا على وشك أن أنسى شكله.