في أعقاب تفشّي وباء الكورونا أبلغت إسرائيل الفلسطينيّين العاملين فيها أنّ عليهم الاختيار: إمّا البقاء في مكان عملهم في إسرائيل بعيداً عن أسرهم وتحت رحمة مشغّليهم؛ أو العودة إلى أسرهم والتنازل عن مكان عملهم ومصدر رزقهم. أحد هؤلاء عامل البناء محمد نواجعة (33 عاماً) من يطّا في محافظة الخليل. من سخرية الأقدار أن محمد حصل على تصريح العمل مؤخّراً فقط وأخذ يحلم بحياة جديدة لكنّ القيود المفروضة جرّاء الوباء قطعت حلمه.
أدناه إفادة أدلى بها محمد في 19.4.20 حين كان لا يزال في مكان عمله في تل أبيب محدّثاً مدة 40 يوماً متواصلة:
قبل ثلاثة أشهر حصلت أخيراً على تصريح عمل في إسرائيل وهي إجراءات كلّفتني 10,000 شيكل لأنّني استعنت بخدمات محامٍ. حتى ذلك الحين كنت أعمل في ورشات بناء في يطّا ولكنّ العمل لم يكن منتظماً والرّاتب كان ضئيلاً ممّا أوقعني في ديون كثيرة. أنا مسؤول عن إعالة والدي ووالدتي وزوجتي وطفلتنا (8 أشهر) كما أساهم في تمويل دراسة اثنين من إخوتي في الجامعة. فرحنا كثيراً عندما حصلت على تصريح العمل في إسرائيل وبدا لنا أنّنا نشقّ طريقاً جديدة في حياتنا وأنّنا سنتمكّن من تسديد ديوننا. غمرتني السّعادة.
بعد أن حصلت على التصريح بدأت العمل في تل أبيب - أخرج كلّ يوم في الثالثة فجراً، أصل إلى حاجز 300 وأنتظر هناك وقتاً طويلاً مع آلاف العمّال الآخرين في اكتظاظ شديد وظروف صعبة. بعد عبور الحاجز ووصولي إلى مكان عملي في تل أبيب أشقى طوال النهار وأعود إلى منزلي نحو التاسعة ليلاً. هكذا بدت حياتي.
أدفع من راتبي 140 شيكل يوميّاً لسمسار التصاريح، وهذا يعني 2,700 شيكل شهريّاً! والسّفريّات تكلّفني نحو 100 شيكل أخرى كلّ يوم. ومع ذلك، بعد كلّ هذه المصاريف يتبقّى لي مبلغ هو ضعف مدخولي من عملي في يطّا. أنا حِرَفي تبليط ولذلك تبلغ يوميّتي 500 شيكل. العمّال غير الحرفيّين يتلقّون 300 شيكل يوميّاً يبقى لهم منها 100 شيكل بعد خصم حصّة سمسار التصاريح والسّفريّات. جميعنا نتعرّض لاستغلال السّماسرة الذين يبيعون لنا التصاريح. إنّهم لا يتنازلون عن حصّتهم حتى في الأيّام التي لا نعمل فيها كما في أعياد اليهود على سبيل المثال.
منذ تفشّي وباء كورونا وإعلان حالة الطوارئ أبلغت إسرائيل العمّال ألّا يعودوا إلى منازلهم وأن يبقوا للمبيت في إسرائيل. من حُسن حظّي أنّ الشركة التي أعمل فيها استأجرت لنا هنا منزلاً قريباً من ورشة البناء ولكنّ كثيراً من العمّال الآخرين يضطرّون للمبيت في ورشات البناء نفسها وفي ظروف صعبة جدّاً. أنا لا أخرج من المنزل في تل أبيب إلّا لشراء الطعام من ’السّوبرماركت‘.
مدة أربعون يوماً لم تطأ قدمي خلالها عتبة منزلي في يطّا ولا زلت أحاول التأقلم مع الوضع الجديد بعيداً عن أسرتي. حاليّاً أنا باقٍ هنا، أوّلاً لأنّ السّفريّات مكلفة جدّاً في هذه الفترة حيث يُمنع سائقو التاكسي العمومي من نقل أكثر من راكب واحد. هذا إضافة إلى أنّ السّلطة الفلسطينيّة نصبت حواجز قرب حواجز الجيش وتُجبر جميع العمّال العائدين من إسرائيل على قضاء 14 يوماً في العزل أي التعطيل عن العمل. المشكلة هي أنّه لا أحد يعوّض العمّال عن أيّام التعطيل - لهذه الأسباب أفضّل عناء العُزلة هنا بعيداً عن أسرتي وأيضاً لكي أحافظ على مكان عملي. ما زلت لا أعلم متى سأعود إلى منزلي. أتمنّى أن أقضي على الأقلّ بعضاً من أيّام رمضان مع أسرتي.
مستجدّات: بعد أكثر من 40 يوماً عاد محمد نواجعة إلى منزله لقضاء شهر رمضان مع أسرته.
* سجل إفادته الباحث الميداني لبتسيلم موسى ابو هشهش, عبر الهاتف, في 19.4.20.