سياسة إطلاق النار تجبي ضحيّة أخرى: جنود يُطلقون الرّصاص الحيّ نحو سيّارة فلسطينيّة مرّت عنهم وقتلوا شابّاً في الـ25 من عمره
نحو السّاعة 21:45 من يوم 22.12.21 جاء محمد عبّاس (25 عاماً) من سكّان مخيّم الأمعري للّاجئين ويقع جنوب مدينة البيرة إلى الدّوار الذي بين المدينة والمخيّم، وكان في انتظاره هناك صديقاه د.ح. (23 عاماً) و- ش.د. (28 عاماً) داخل جيب مازدا أبيض. بعد مضيّ بضع دقائق على دُخول محمد إلى المازدا مرّ في الدوّار جيب صغير آخر من نوع "طوسون" وكانت تسير وراءه مركبة عسكريّة. قرّر سائق المازدا أن يتبع المركبة العسكريّة لكي يعرف ما الذي يجري. بعد أن سارت المركبة العسكريّة بضع مئات من الأمتار استدارت وعادت إلى الدّوار من شارع موازٍ وتبعها جيب المازدا.
عدّة كاميرات مُراقبة وثّقت المركبة العسكريّة وهي تخرج ببُطء من أحد الشوارع في منطقة الدوّار وتتوقّف قرب جزيرة مرورية بحيث كانت تسدّ جزءاً من الشارع. بعد مضيّ بضع ثوانٍ يخرُج جيب المازدا من الشارع نفسه، وفي لحظة مروره عن المركبة العسكريّة يُفتح باباها الأيمنَين وتُطلق منهُما بضع رصاصات أصابت الجزء الخلفيّ من المازدا وكان محمد عبّاس يجلس في المقعد الخلفيّ. أصيب محمد في ظهره وفارق الحياة بعد نحو السّاعة.
في أعقاب الحادثة زعم الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ أنّه في أثناء البحث الذي أجراه الجيش عند أطراف مدينة البيرة عن مشبوهين اقتربوا من مستوطنة "بساجوت" أطلقت النيران من سيّارة مارّة نحو الجنود الذين ردّوا بإطلاق النار وأصابوا محمد عبّاس. ولكنّ تحقيق بتسيلم وتوثيق الفيديو يُظهران بوُضوح أنّ مزاعم الجيش لا أساس لها من الصحّة ولا صلة لها بوقائع الحادثة: سيّارة المازدا كانت تقف في النقطة ذاتها خلال السّاعة التي سبقت إطلاق النار على محمد عبّاس، وهكذا فمن المفروغ منه أنّ ركّابها لا يمكن أن يكونوا قد أطلقوا النار نحو الجنود. بعد ذلك كانت المازدا طوال الوقت تسير خلف مركبة الجيش. في النهاية خرجت مركبة الجيش ببُطء من الشارع على نحوٍ لا ينسجم مع زعم الناطق أنّه قد أطلقت نحوها النيران قبل ذلك بلحظة. تحقيق بتسيلم يُظهر بوضوح أنّ إطلاق النيران وحيد الذي وقع في منطقة الدوّار في ذلك الوقت كانت نيران الجنود الفتّاكة التي أطلقت نحو المازدا وقتلت محمد عبّاس.
إطلاق الجنود النيران نحو سيّارة لم تشكّل خطراً عليهم – لا أثناء استهدافها بالنيران ولا قبل ذلك – في منطقة تعجّ بالمارّة، لم يأتِ من فراغ بل هو مثال آخر على سياسة إطلاق النار التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة. تُثبت هذه السّياسة مرّة تلو المرّة – كما في حادثة قتل محمد عبّاس – كم من السّهل على الجنود أن يُردوا الفلسطينيّين بنيرانهم وكيف تُسارع الجهات الرسميّة إلى مساندتهم وتبرير أفعالهم.
أدناه يحدّث د.ح. عمّا جرى، وهو الذي كان يقود المازدا – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 28.12.21:
في يوم الأربعاء الموافق 22.12.21 عند السّاعة 20:30 كنت مع صديقي ش.د. ننتظر وُصول صديق آخر لنا يُدعى محمد عبّاس. كنّا نجلس داخل سيّارة أوقفتها قرب جزيرة السّير القريبة من الدوّار، وهي سيّارة نملكها شراكة أنا ومحمد. ش.د. كان متعباً فأنزل مسند مقعده وغفا بينما أنا أمضيت الوقت بتصفّح شبكة الإنترنت. بعد ساعة أو أكثر قليلاً ونحو السّاعة 21:50 انضمّ إلينا محمد وجلس في المقعد الخلفيّ ورائي.
بعد مضيّ ثلاث دقائق رأيت جيب طوسان أبيض يأتي مُسرعاً من اتّجاه القدس وأضواء الطوارئ فيه تومض – لكي يُشير أنّه في عجلة من أمره أو أنّ هناك حالة طارئة. تجاوز الجيب الدوّار ومن ورائه كان يسير جيب أسود فلسطينيّ، وكانت تُسرع خلفهما مركبة عسكريّة، ناقلة جنود نحن نسمّيها "خنزيرة".
أثار الأمر فُضولي فقرّرت اللّحاق بهم. أردت أن أفهم ما الذي يجري. بعد نحو 250 متراً اتّجهت المركبة العسكريّة يميناً ثمّ استدارت وعادت في اتّجاه الجنوب عبر طريق حي سطح مرحبا المجاورة لمستوطنتي "كوخاف يعقوب" و-"بساجوت". هُم في العادة يأتون من هُناك لكي يدخلوا منطقتنا. تبعت المركبة العسكريّة وأنا أبعد عنها على الأقلّ مسافة 30-40 متراً. في البداية كانت بيننا سيّارتان ولكن في مرحلة ما انعطفت كلتاهُما فأصبحت خلف المركبة العسكريّة مباشرة. كنت أقود بسُرعة عاديّة وحافظت على مسافة ثابتة بيني وبينها وهي أيضاً كانت تسير بسُرعة عاديّة.
عندما وصلت المركبة العسكريّة إلى المفترق الذي تتفرّع منه الطريق يساراً إلى سطح مرحبا أو يميناً للعودة إلى الدوّار قبالة مدخل مخيّم الأمعري، حيث كنّا سابقاً، توقّفت – توقّفت تقريباً وسط المفترق وكانت مقدّمتها تتّجه نحو سطح مرحبا. في تلك اللّحظة عندما كنّا على مسافة أمتار من المركبة رأيت بابيها اللّذين من جهة السّائق يُفتحان. توجّست فأسرعت لأنّني خشيت أن يكون الجنود عازمين على أمرٍ ما. خفت على الأخصّ لأنّ السيّارة التي كنت أقودها ’مشطوبة‘ (غير قانونية) وبلوحة صفراء. في تلك اللّحظة أطلقت عدّة طلقات مباشرة على سيّارتنا. أخفضت جسمي لأتجنّب الإصابة. سمعت الرّصاص يُصيب السيّارة من الخلف ومن جهة اليسار. صرخ محمد "لقد أصبت!" فنظرت إليه ورأيت جمسه مرتخياً. واصلت السير وأسرعت نحو مجمّع فلسطين الطبّي وهو يبعد عن الدوّار مسافة كيلومتر واحد.
ش.د. – الذي كان جالساً بجانبي – كان مصدوماً ولم يعرف ماذا يفعل بينما انهمكت أنا في التحدّث مع محمد لكي لا يفقد وعيه وأيضاً لكي أهدّئ من روعه، لكنّه لم يأت بأيّة ردّة فعل. عندما كنت على مسافة مئة متر قبل المستشفى سمعته يتلو الشهادتين ثمّ ارتخى جسمه تماماً. خلال دقائق وصلنا إلى قسم الطوارئ فدخلته حاملاً محمد على ذراعيّ. كان جسمه مرتخياً تماماً وكانت عيناه مغلقتين. انتظرت في الخارج حين كان الأطبّاء يحاولون إنعاشه لكنّهم خرجوا بعد ساعة تقريباً وأبلغونا أنّ محمد قد فارق الحياة.
أدناه يصف هـ.س. (35 عاماً) ما حدث في تلك اللّيلة كما شاهده من مدخل الحانوت التي يعمل فيها وهي قريبة من موقع الحادثة – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 28.12.21:
عند السّاعة 21:50 شاهدت مركبة عسكريّة قادمة من جهة القدس وقد مرّت عن الحانوت مُسرعة في اتّجاه حلويات إيفل. خرجت ووقفت عند مدخل الحانوت لكي أرى ما يجري إذ عادة ما يرشق أولاد هناك حجارة نحو مركبات عسكريّة. كان هناك عدد من الشبّان يلحقون المركبة العسكريّة ويرشقون الحجارة لكنّ حجارتهم لم تكن تصلها.
عدت إلى مكاني داخل الحانوت. بعد عدّة دقائق سمعت صفير مركبات تقترب من الحانوت فعدت إلى مدخله وعندئذٍ رأيت مركبة "الخنزيرة" نفسها. يبدو أنّها التفّت وعادت عبر شارع الحدايثة. توقّفت المركبة وسط المفترق ومقدّمتها متّجهة شرقاً نحو سطح مرحبا. المسلك الأيمن ظلّ خالياً. شاهدت الباب الذي قرب السّائق والباب الذي خلفه من الجهة نفسها يُفتحان، ورأيت جنديّاً يذخّر سلاحه ويستعدّ لإطلاق الرّصاص عبر الباب الخلفيّ. إزاء ذلك خفت وعُدت إلى الوراء خطوة أو خطوتين ولكنّني واصلت المشاهدة لكي أعرف ما الذي يجري.
فجأة أطلقت ثلاث أو أربع رصاصات متتالية. لا أعرف أيّ الجنديّين هو الذي أطلقها فأنا لم أشاهد أيّاً منهُما ينزل من المركبة. في الوقت نفسه مرّت سيّارة بيضاء، جيب مازدا على ما أعتقد، وكانت قادمة من حارة الحدايثة متّجهة بسُرعة في اتّجاه الدوّار والمخيّم. لم أعرف هل هذه السيّارة أصيبت أم لا لأنّني دخلت بسُرعة إلى الحانوت. بعد لحظات معدودة غادرت المركبة العسكريّة في اتّجاه سطح مرحبا.
تحديث: في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأنه لم يُتخذ بعدُ قرار بشأن فتح تحقيق لاستيضاح ملابسات الحادث.