Skip to main content
Menu
المواضيع

جدار الفصل

في حزيران 2002 قرّرت حكومة إسرائيل إقامة جدار الفصل معلنة أن الهدف منه منع دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى إسرائيل سوى بتصريح. جاء ذلك في أعقاب سلسلة طويلة من العمليات التي نفّذها فلسطينيون. ولكن خلافًا لما أُعلن كانت الغاية من بناء الجدار تحقيق أهداف إضافيّة؛ وقد أنشأ مسار الجدار - الذي تتبّع فيما تتبّع مواقع مستوطنات كثيرة - بنية تهيّئ معظم المستوطنات ومساحات واسعة من الأراضي المخصّصة لتوسعتها مستقبلاً للضمّ الفعليّ إلى حدود إسرائيل. بهذه الطريقة تَحوّل الجدار إلى أداة أساسيّة للضمّ السياسي تستخدمها إسرائيل للسيطرة على ما يقارب عُشر مساحة الضفة الغربية بغرض تقليل عدد السكان الفلسطينيين القاطنين في المساحة المحبوسة بين مسار الجدار والخط الأخضر وإلحاق أضرار شاملة بالتجمّعات الفلسطينية الواقعة إلى الشرق من الجدار والتي فُصلت فعليًّا عن أراضيها.

ما يقارب 85% من مسار الجدار يمرّ متلوّيًا داخل الضفة الغربية أي داخل الأراضي المحتلّة فلا هو يطابق الخط الأخضر ولا يمرّ غربيّه داخل الحدود السياديّة لدولة إسرائيل. كان ذلك جزءًا من سياسة طويلة الأمد اتّبعتها إسرائيل تستخدم من خلالها أراضي الضفة لاحتياجاتها هي متجاهلة احتياجات السكّان الفلسطينيين وحقوقهم. لأجل إقامة الجدار قطعت إسرائيل التواصل الحضري والرّيفيّ الفلسطيني، فكّكت وشظّت العلاقات بين التجمّعات السكّانية - وكانت هذه قد تشكّلت على امتداد أجيال طويلة - وفرضت بين ليلة وضحاها نظامًا حيّزيًّا تعسّفيًّا متلائمًا مع حدود المستوطنات ومريحًا لقوّات الأمن الإسرائيلية.

بُني الجدار بحيث يتّخذ شكل عائق حدوديّ مكوّن في معظم المناطق من سياج إلكتروني شُقّت طرق في موازاته من الجهتين ومُدّت أسلاك شائكة وحُفرت قنوات. يبلغ معدّل عرض هذا العائق نحو 60 مترًا. في مناطق مدينيّة كالقدس وبيت لحم وقلقيلية وطولكرم أقامت إسرائيل بدلاً من العائق جدارًا من الباطون يتراوح ارتفاعه بين 8-9 أمتار وطوله الإجمالي نحو 70 كم.

يبلغ طول مسار الجدار 712 كم - بما في ذلك المقاطع التي أُنجز بناؤها والتي قيد البناء وتلك التي قيد التخطيط. أي أنّ طول الجدار أكثر من ضعف طول الخطّ الأخضر البالغ 320 كم. إذا أتمّت إسرائيل بناء جدار الفصل على امتداد المسار المحدّد كلّه، فسوف تقتطع بذلك 526,677 دونم من أراضي الضفة الغربية – والتي تشكل ما نسبته 9.4% من مجمل مساحة الضفة - بما فيها المساحات التي ضمّتها إسرائيل وألحقتها بمسطّح بلدية القدس.

وفقًا لمعطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (OCHA) أتمّت إسرائيل في أيلول 2017 بناء نحو 65% من مسار الجدار (ما يقارب 460 كم). وهناك نحو 53 كم أخرى من المسار قيد البناء (ما يقارب 7.5%)، و-200 كم إضافية لم يبدأ بناؤها بعد.

ما فعلته إسرائيل بواسطة الجدار أنّها فصلت السكّان عن أراضيهم في نحو 150 تجمّعًا سكّانيًّا فلسطينيًّا في الضفة الغربية وبضمنها أراضٍ زراعيّة وأراضٍ للرعي إذ حبست هذه الأراضي بين الجدار وبين الخطّ الأخضر. هكذا أغلقت إسرائيل في وجه آلاف الفلسطينيين إمكانية الوصول بحرّية إلى أراضيهم وحرمتهم من استخدامها. صحيح أنّ إسرائيل جعلت على امتداد الجدار التي أُنجز بناؤه 84 بوّابة يمكن للفلسطينيين عبورها - نظريًّا؛ لكنّ هذه البوّابات لا تتيح فعليًّا الوصول بحرّية إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار بل كانت الغاية منها خلق صورة زائفة تُوهم بأنّ الحياة تستمرّ عاديّة. ينكشف هذا الوهم في لمعطيات OCHA التي تفيد بأنّه طيلة العام 2016 لم تُفتح بشكل يوميّ سوى تسع بوّابات؛ وهناك عشر بوّابات فُتحت فقط في بعض أيّام الأسبوع وفي موسم قطاف الزيتون؛ و-65 بوّابة فُتحت فقط في موسم قطاف الزيتون.

في غياب إمكانيّة الوصول بحرّية إلى أراضيهم الزراعية اضطرّ المزارعون إلى إهمال فروع زراعيّة مربحة ولكنّ فلاحتها تتطلّب عناية يوميّة ومتواصلة طيلة أيّام السنة. انتقل كثيرون إلى زراعة أشجار الزيتون إذ إنّها من أكثر مزروعات المنطقة قدرة على تحمّل هذه الظروف. ولكنّ منع وصول المزارعين إلى حقولهم يلحق الضرر بهذه الأشجار أيضًا: تنتابها الآفات ويضمحلّ منتوجها. ثمّ إنّ قطف ثمارها القليلة (نتيجة للظروف الصعبة) أضحى مهمّة شاقّة نظرًا لكثرة الأعشاب الشائكة التي نمت بين الأشجار إذ لا يُتاح لأصحاب الأراضي الوصول إلى كرومهم للاعتناء بها وقلع الأعشاب منها.

يقدّم الفلسطينيون طلبات تصريح لدخول أراضيهم ولكنّ إسرائيل لا تصدر التصاريح لكلّ من يقدّم طلبًا. هكذا ترفض الإدارة المدنية السماح لأبناء العائلة الموسّعة بالدخول إلى أراضيهم الزراعيّة ليفلحوها معًا - من الجدّ حتى ابن الحفيد - كما هو متّبع في الرّيف الفلسطيني. عوضًا عن ذلك تصدر الإدارة المدنية تصاريح دخول لأصحاب الأرض أنفسهم فقط - وهم غالبًا أرباب العائلة الطاعنين في السنّ أو الكهول؛ وترفض طلبات تصاريح الدخول التي يقدّمها أفراد العائلة الآخرون، الشبّان القادرون على العمل. علاوة على ذلك تقيّد إسرائيل أيضًا دخول المركبات الزراعية لتزيد من صعوبات إدارة فِلاحة مربحة وناجعة.

يحدث أحيانًا أن تسمح الإدارة المدنية بدخول أفراد العائلة الآخرين أو العمّال الزراعيين الأجيرين بإصدار "تصاريح عمل" لهم. لكنّها تفعل ذلك وفق معايير سرّة، لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المختلفة لكلّ مزارع ومزارع ولا الشروط المتغيّرة كلّ سنة التي تتطلّبها العناية بالمزروعات. تفيد المعطيات التي نشرتها OCHA أنّ نسبة 58% فقط من الطلبات التي قدّمها فلسطينيون عام 2016 تمّت المصادقة عليها. في معظم الحالات ترفض إسرائيل الطلبات بحجّة "ممنوع أمنيًّا" أو بحجّة عدم تقديم ما يكفي من المستندات لإثبات مُلكيّة الأرض أو إثبات علاقة القرابة مع صاحب الأرض بشكل مُرضٍ بالنسبة للسلطات الإسرائيلية.

عمليّة التشظية التي يُعملها الجدار لا تنتهي بفصل أراضٍ عن بقيّة مناطق الضفة وسكّانها. هنالك نحو 11.000 11,000 فلسطينيّ يعيشون في 32 تجمّعًا سكّانيًّا ظلّوا محبوسين بين الجدار والخط الأخضر، وهذا لا يشمل سكّان المناطق التي ضمّتها إسرائيل وألحقتها بمسطّح بلدية القدس. حياة سكّان هذه المناطق تكاد تكون كلّ تفاصيلها رهن تصاريح تصدرها الإدارة المدنيّة وهذا يشمل سكّان جيب برطعة الشرقية الواقعة شمال غرب الضفة الغربية، ومناطق تقع شمال وجنوب طولكرم ومناطق شمال وجنوب قلقيلية ومساحات صغيرة تقع غربيّ الخليل. تقريبًا كلّ من هو فوق سنّ الـ16 مُلزَم بتقديم طلب تصريح أو مكانة "مقيم دائم" لكي يواصل السكن في منزله - المنزل الذي يعيش فيه مع أسرته منذ القِدَم. يسري مفعول التصريح لمدّة محدّدة - من يوم واحد وحتّى سنتين - وخلال هذه المدّة يضطرّ حاملوه إلى تجديده لكي يتمكّنوا من مواصلة المكوث في منازلهم. في المقابل المواطنون الإسرائيليون واليهود غير المواطنين في إسرائيل يحقّ لهم دخول هذه المناطق بحرّية تامّة والمكوث فيها قدر ما يشاؤون حتى لو لم يزوروها في حياتهم.

مركز حياة معظم التجمّعات التي بقيت محبوسة بين الجدار والخط الأخضر بقي في الجانب الشرقيّ من الجدار حيث توجد مراكز العمل والخدمات الصحيّة والثقافيّة وأماكن الترفيه. بذلك فُرض على سكّان هذه التجمّعات اجتياز الحواجز يوميًّا لكي يواصلوا حياتهم العاديّة وبضمن ذلك الوصول إلى أماكن عملهم وزيارة أقربائهم وأصدقائهم أو شراء حاجيّاتهم. هذه القيود على حرّية الحركة والتنقّل تمسّ بقدرة سكّان القرى على الوصول إلى المستشفيات في المدن المجاورة؛ تؤثّر سلبًا على أداء جهاز التعليم لأنّ كثيرين من المعلّمين والطلّاب في البلدات التي أُبقيت خلف الجدار يسكنون في الجهة الشرقية منه؛ وتعيق العلاقات العائلية والاجتماعية إذ لا يستطيع الأقرباء والأصدقاء الحصول على تصاريح دخول إلى هذه المناطق سوى في حالات استثنائيّة جدًّا. نتيجة لذلك يضطرّ السكّان المعزولون غربيّ الجدار إلى الاحتفال بجميع مناسباتهم العائلية والاجتماعية كالأعراس وأعياد الميلاد خارج بلداتهم وفي الجهة الأخرى من الجدار.

في القدس أنشأ الجدار سدًّا محكمًا بين المدينة وبقيّة مناطق الضفة الغربية وسارع بذلك من عملية فصل القدس الشرقية عن أراضي الضفة التي لم تُضمّ إلى المدينة. حدث ذلك بهَدي المبدأ المهيمن الذي وجّه ترسيم مسار الجدار بحيث يتاخم الحدود البلدية للمدينة لضمان سيطرة إسرائيل على الأراضي التي ضمّتها - علمًا أنّ هذه الحدود كادت تكون بلا معنىً حتى ذلك الحين. غير أنّ مخطّطي مسار الجدار أبعدوه عن الحدود البلديّة في خمسة مواضع تبعًا للاعتبارات نفسها التي وجّهت إسرائيل حين رسمت حدود المدينة في العام 1967 أي السعي إلى ضمّ أقلّ ما يمكن من السكّان الفلسطينيين وأقصى ما يمكن من الأراضي: منطقتان داخل مسطّح النفوذ البلدي المضموم إلى القدس يفصلهما الجدار عن المدينة – منطقة كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين- ويسكن فيهما اليوم نحو 140 ألف فلسطيني، وثلاث مناطق يوسّع فيها الجدار بفعل الأمر الواقع المنطقة المضمومة إلى حدود إسرائيل إذ يُلحق بالمدينة مساحات مفتوحة ومستوطنات وأراضي إضافية تحيط بها. لأجل ذلك رُسم مسار الجدار مليئًا بالالتواءات بحيث يصل طوله في منطقة القدس إلى 202 كم.

يتوغّل مسار الجدار مشظّيًا الفضاء الفلسطينيّ إذ يفصل بين تجمّعات سكّانية متجاورة ويفصل بين هذه التجمّعات وأراضيها وينهك قدرتها على الصّمود ويهدّد وجودها ذاته إذ يشلّ كلّ إمكانيّة لتطويرها على نحوٍ يجعلها قادرة على الاستمرار. بذلك يعمّق الجدار عمليّة ضمّ هذه الأراضي إلى إسرائيل. في بعض الأماكن قلّص هذا التشظّي الوجود الفلسطيني في المناطق التي أُبقيت معزولة في الجهة الغربية من الجدار كما في الجيوب السكّانيّة التي أنشأها. كذلك تقيّد إقامة الجدار العلاقات التجارية التي نشأت بمرور السنين بين البلدات الفلسطينية المحاذية للخطّ الأخضر ومواطنين إسرائيليين.

بناء الجدار داخل أراضي الضفة الغربية جرى بمصادقة قضاة محكمة العدل العليا التي قُدّم إليها أكثر من 150 التماسًا يطعن في الشرعيّة القانونيّة للجدار - كلّه أو مقاطع معيّنة منه. قبِل القضاة موقف الدولة حين ادّعت أنّ الجدار مؤقت وأنّ الاعتبارات التي وجّهت مخطّطي مساره كانت أمنيّة لا غير. بذلك اختار القضاة تجاهل تصريحات جهات رسميّة في شأن الغايات السياسية لجدار الفصل وأتاحت قراراتهم المسّ الجارف بحقوق عشرات آلاف الفلسطينيين - وكلّ ذلك ضمن مخالفة لأحكام القانون الدوليّ. في قرارين مركزيّين - الأوّل في قضيّة بيت سوريك، صدر في حزيران 2004؛ والثاني في قضية "ألفي منشه"، صدر في أيلول 2005 - أوضحت المحكمة أنّ بناء الجدار داخل الأراضي المحتلّة قانونيّ في نظرها ولا يثير أيّة أسئلة تتعلّق بالصلاحيّة وأنّ المسألة المركزيّة التي من المهمّ النظر فيها هي مسألة التناسُب: هل مسار الجدار كما جرى ترسيمه يمسّ بشكل لا تناسُبيّ بحقوق الفلسطينيين. رُفضت معظم الالتماسات وصادق القضاة بالإجماع على مسار الجدار بعد أن قرّروا أنّ المسّ بحقوق الفلسطيني لم يكن مفرطًا [أي أنّه يستجيب لمبدأ التناسُب]؛ وفي عدد قليل من الالتماسات أوعز القضاة بإجراء تغييرات معيّنة في مسار الجدار.

في 9.7.2004 نشرت محكمة العدل الدوليّة في لاهاي رأيها الاستشاريّ في شأن الشرعيّة القانونيّة لجدار الفصل ومساره. خلافًا لقرارات محكمة العدل العليا قرّرت المحكمة الدوليّة أنّ بناء الجدار داخل أراضي الضفة الغربية مخالف للقانون وجاء في حيثيّات القرار أنّ مسار الجدار يمسّ بحقوق الإنسان الفلسطيني وأنّ المستوطنات - التي يُبتغى بواسطة الجدار ضمّها بشكل دائم إلى إسرائيل - أقيمت أساسًا ضمن انتهاك القانون الإنسانيّ الدولي. نظرًا إلى هذا كلّه قرّرت المحكمة الدوليّة أنّ على إسرائيل وقف بناء الجدار وتفكيك المقاطع التي قد تمّ بناؤها داخل الضفة الغربية وتعويض الفلسطينيين المتضرّرين جرّاء إقامة الجدار عن الأضرار التي لحقت بهم.

إقامة الجدار داخل أراضي الضفّة تمسّ بسلسلة طويلة من حقوق الإنسان بالنسبة للفلسطينيين القاطنين على جانبي الجدار. من ذلك، حقّ الحركة والتنقّل - وبالتالي: حقّ العمل والتعليم والعلاج الطبّي والحياة الأسَريّة وكسب الرّزق والحقّ في مستوى حياة لائق. إضافة إلى ذلك يُنتهَك الحقّ الجماعي الفلسطيني - حقّ تقرير المصير لأنّ التواءات مسار الجدار تشظّي الأراضي الفلسطينية وتفصل السكّان القاطنين فيها.