إسماعيل جابر (22 عامًا)، من سكّان حيّ جابر في وسط مدينة الخليل، تعرّض لاعتداء من قبل جنود في 30.5.24
أنا أسكن مع والدَيَّ، رأفت (61 عامًا) وزهرة (55 عامًا)، وأخَوَيَّ، محمود (24 عامًا) ومصطفى (20 عامًا)، في حي جابر في وسط مدينة الخليل. أعمل في الترميمات في بلدة العيزريّة.
في يوم الخميس الموافق 30.5.24، قرابة الساعة 14:00، عدتُ إلى المنزل مع أخي مصطفى، بعد زيارة إلى محلقة في منطقة جبل جوهر. فور وصولنا إلى محور المصلّين، الشارع الرئيسيّ المؤدّي إلى مستوطنة "كريات أربع"، شاهدنا جنديَّين يركضان نحونا ويصرخان علينا بالتوقّف. تمكّن مصطفى من الفرار، لكنّ أحد الجنديَّين كان قد صوَّب بندقيَّتيه نحوي وهدّدني بإطلاق النار عليّ. أطعتُ أوامرهما، توقّفتُ ورفعتُ يدَيَّ إلى أعلى.
شاهدنا جنديَّين يركضان نحونا ويصرخان علينا بالتوقّف [...] أحد الجنديَّين كان قد صوَّب بندقيَّتيه نحوي وهدّدني بإطلاق النار عليّ
اقترب أحد الجنديَّين ووضع فوّهة البندقيّة لصق رأسي وهو يشتمني. على الفور قيّد لي يديّ إلى الخلف وراء ظهري وغطى لي عينيّ وبدأ يقودني نحو مبنى الرجبي الذي يسكنه مستوطنون. في الطريق التي سرنا فيها كانت هنالك بئر. ونظرًا لأنني لم أكن أرى أي شيء، فقد سقطت في البئر فراح الجنود يضحكون منّي. عندما وصلنا، أمرني جندي بالركوع تحت الشمس الحارقة ورأسي محنيٌّ إلى أسفل. ركعتُ على هذا النحو ساعة ونصف الساعة تقريبًا، حتّى وصلتْ إلى المكان سيّارة جيب بيضاء اللون نزل منها ثلاثة جنود. أخذوا يشتمونني ويشتمون أمّي وأخواتي. ركلوني ولكمني أحدهم على بطني ورأسي. استمرّ هذا الوضع نحو 20 دقيقة. بعد ذلك أصعدوني إلى سيّارة الجيب البيضاء وأجلسوني في منتصف المقعد الخلفيّ، بين جنديَّين. لكموني طيلة فترة السفر وأمروني بشتم والدتي، السنوار وحماس، وبأن أقول "يا ابن العاهرة" وبأن أغنّي "عام يسرائيل حاي" ("شعب إسرائيل حيّ").
بعد نحو خمس دقائق من السفر توقّفتْ سيّارة الجيب قرب البرج العسكريّ الواقع في منطقة وادي الحصين، على بُعد 50 مترًا عن البوّابة الجنوبيّة لـ "كريات أربع". أخرجني الجنود من سيّارة الجيب واقتادوني إلى الأمام مسافة مترين تقريبًا. ركلني الجنود على ظهري فسقطتُ على الأرض، ثمّ ضربوني ببنادقهم وركلوني وهم يشتمونني. حاولت المقاومة فوجّه لي أحدهم ضربة قوية بعقب بندقيته فوق حاجبي الأيسر. استمرت الضربات بضع دقائق. وعندما انتهت لم أستطع التنفّس إلّا بصعوبة.
أمسكني جنديّان من ذراعيّ ورفعاني بالقوّة. اقتاداني نحو مدخل البرج العسكريّ ودفعاني إلى الداخل، فاصطدم وجهي بالباب الحديديّ
صرخ الجنود عليّ لكي أقوم. حاولتُ، لكنّي لم أستطع بسبب الأوجاع. بعد أن حاولتُ النهوض ثلاث مرّات وسقطتُ، رفعني جنديّان بقوّة وهما يشتمان أمّي. قاداني بضعة أمتار إلى الأمام ثمّ أجبراني على الجلوس على الأرض، تحت الشمس الحارقة. شعرتُ بأنّني على وشك أن أفقد الوعي. أمرني أحد الجنود بالنهوض لكنني لم أستطع. أمسكني جنديّان من ذراعيّ ورفعاني بالقوّة. اقتاداني نحو مدخل البرج العسكريّ ودفعاني إلى الداخل، فاصطدم وجهي بالباب الحديديّ. أجبراني على صعود درج البرج وحدي وأنا معصوب العينين. سقطتُ عدّة مرّات أثناء صعودي، وفي كلّ مرّة سقطتُ فيها كان الجنديّان يضربانني.
عندما وصلتُ إلى أعلى البرج أدخلاني إلى غرفة ذات أرضيّة معدنيّة خشنة وأجبراني على الركوع عليها ورأسي محنيّ. أخذا يضربانني ببندقيَّتيهما ويركلانني. سقطتُ على الأرض عدّة مرّات، وفي كلّ مرّة كانا يأمرانني بالجلوس ثانيةً، وعندما لم أتمكّن من ذلك استمرّا في ضربي. سحبني أحد الجنود من عصابة عينَيَّ وأجلسني على ركبتَيَّ من جديد وهو يركلني ويلكمني على رأسي ووجهي وجسمي. أمرني أحد الجنود بأن أغنّي "عام يسرائيل حاي"، وطلب منّي أن أقول إنّني أحبّ إسرائيل وبن غفير ونتنياهو. شتم أمّي بينما استمرّ الآخرون في ضربي ببنادقهم، ثمّ ضربني على رقبتي وصفعني. سخروا منّي، وهدّدوني باغتصاب أمّي وأخواتي إذا لم أشتمهنَّ بنفسي. فرفضتُ.
[أحد الجنود] بعد ذلك وضع فوّهة البندقيّة لصق رأسي وسألني: "هل تريد أن تموت كشهيد؟". أجبتُ بنعم، فقال: "إذًا، سأطلق النار على رأسك وستموت كشهيد"
وقف أحد الجنود على كاحليَّ وضغط عليهما بشدّة. صرختُ من الألم. أمرني أيضًا بأن أشتم أمّي وبأن أقول إنّني "ابن عاهرة"، لكنّني رفضتُ مرّة أخرى، فضربني على ظهري بماسورة البندقيّة. بعد ذلك وضع فوّهة البندقيّة لصق رأسي وسألني: "هل تريد أن تموت كشهيد؟". أجبتُ بنعم، فقال: "إذًا، سأطلق النار على رأسك وستموت كشهيد". في تلك اللحظة دخل إلى الغرفة شخص يتحدّث العربيّة، وشعرتُ بالجنديّ يزيح فوّهة البندقيّة عن رأسي. الرجل الذي دخل قدّم نفسه على أنّه "الكابتن شادي". أخذ يشتمني بالعربيّة، وهدّدني بأنّه سيغتصب أمّي وأخواتي، وأمرني بشتم أمّي. وعندما رفضتُ فعل ذلك، صفعني بقوّة على خدّي.
استمرّ ذلك نحو ساعة ثمّ ساد هدوء، فاعتقدتُ أنّ الجنود قد غادروا وتركوني بالوضعيّة ذاتها؛ على ركبتَيَّ ورأسي محنيّ إلى أمام ويداي مقيَّدتان خلف ظهري. كانت الأصفاد مشدودة وسبّبت لي الكثير من الألم. فقدتُ الإحساس بيديَّ، وتسبّبت الأرضية المعدنيّة الخشنة بأوجاع شديدة في رِجليَّ. بقيتُ على هذه الحالة حتّى الساعة 17:00 بعد الظهر. كنتُ في حالة ضبابيّة من الوعي ولم أستطع فهم ما يحدث حولي.
فجأةً سمعتُ صوت جنديّ مرّة أخرى. أزال العصابة عن عينيَّ وأمرني بفتح هاتفي الذي كان يحمله. فتحتُ الهاتف وناداني "ابن عاهرة". ثمّ بدأ جنود بمهاجمتي وشتمي مجدّدًا، ولست متأكّدًا ممّا إذا كان هؤلاء نفس الجنود الذين كانوا سابقًا. أمروني مرّة أخرى بشتم أمّي وأخواتي وحماس والسنوار، وهذه المرّة فعلتُ ذلك لأنّني كنتُ خائفًا ممّا سيفعلونه بي.
كانت رِجلاي تؤلمانني كثيرًا، وكلّما حاولتُ تغيير وضعيّتي كان الجنود يضربونني ويركلونني. يبدو لي أنّهم أجروا مكالمة فيديو مع أشخاص ضحكوا عليّ معهم. في تلك اللحظة قام أحد الجنود بغرز سكّين يابانيّة في رِجلي، فوق الكاحل، وضغط عليها حتى نزفتُ دمًا. أمسك ولّاعتي الكهربائيّة وقرّبها من ظهري ورقبتي وأشعلها. كان من حسن الحظّ أنّها ولّاعة كهربائيّة، إذ لم أشعر إلّا بتيّار كهربائيّ ضعيف لم يؤلمني كثيرًا ولم يترك أثرًا يذكر.
فكّ أحد الجنود الأصفاد عن يدَيَّ وأزال العصابة عن عينَيَّ وهدّدني بأنّه إذا قبض عليّ الجنود مرّة أخرى فسوف يأتي إلى منزلي ويطلق النار عليّ ويغتصب أمّي وأخواتي
بعد ذلك بنحو نصف ساعة جاء جنديّ آخر وأطلق سراحي. أنزلني الجنود على الدرج وعيناي ما تزالان معصوبتين. في نهاية الدرج رأيتُ، من تحت العصابة، جنديَّين يلعبان بينغ بونغ. اقترب منّي أحدهما وضربني بالمضرب بقوّة على ظهري وشتمني.
أخرجني الجنود من البرج العسكريّ. فكّ أحد الجنود الأصفاد عن يدَيَّ وأزال العصابة عن عينَيَّ وهدّدني بأنّه إذا قبض عليّ الجنود مرّة أخرى فسوف يأتي إلى منزلي ويطلق النار عليّ ويغتصب أمّي وأخواتي. أمرني بالتسلّق فوق الكتل الخرسانيّة إلى الشارع المؤدّي إلى منطقة جبل جوهر، في منطقة وادي النصارى. كانت الساعة حينها قرابة 19:00. مشيتُ في الشارع حتّى رأيتُ شخصًا أعرفه، فأقلّني بسيّارته إلى منطقة باب الزاوية، ومن هناك ركبتُ سيّارة أجرة إلى المنزل.
نزلتُ من سيّارة الأجرة وأنا منهك، أشعر بآلام شديدة في جميع أنحاء جسمي. عندما وصلتُ إلى المنزل غفوتُ على الفور ونمتُ حتّى الصباح. عندما استيقظتُ لم أستطع النهوض من السرير بسبب الأوجاع. عرفتُ أنّني لن أتمكّن من الوصول إلى المستشفى لأنّ المنطقة مغلقة بالكامل في يوم الجمعة. تناولتُ مسكّنات الألم يومي الجمعة والسبت، ولم أشعر بتحسُّن قليل إلّا يوم الأحد. لم يفحصني طبيب منذ ذلك الحين، لكنّي لا أزال أعاني من آلام شديدة في ظهري ورجلَيَّ حتّى اليوم.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري، في 11.6.24