في يوم الخميس الموافق 17.4.25، قرابة الساعة 18:00، حضر أربعة مستوطنين مسلحين، من بينهم مركّز أمن مستوطنة "أفيغايل"، إلى حدود أرض سعيد العمور (رباع), المُلقّب بالشيخ سعيد ـ 59 عامًا، من سكان خربة الركيز في مسافر يطا في تلال جنوب الخليل، وبدأوا بنصب أعمدة قربها ومدّ أسلاك مرت من داخلها. عندما لاحظهم رباع وخرج من منزله مع ثلاثة منه أولاده لمحاولة إبعادهم، اعتدى أحد المستوطنين على ابنه إلياس (16 عامًا)، الذي كان يوثق ما يحدث بهاتفه، وحاول خطف الجهاز منه. حاول رباع حماية ابنه، فهاجمه المستوطنون وأطلق مركّز أمن المستوطنة رصاصتين في الهواء. وعندما تمكن رباع من الإفلات من قبضته، أطلق المستوطن النار عليه من مسافة صفر وأصابه بجروح خطيرة في ساقه.
حضر جنود إلى المكان وقدموا الإسعاف للأب ثم اعتقلوه ونقلوه بسيارة إسعاف تابعة لـ"نجمة داوود الحمراء" إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السبع، حيث خضع لعمليتين جراحيتين، قام الأطباء خلال الثانية منهما ببتر ساقه من فوق الركبة.
الشيخ سعيد وابنه الياس بعد إطلاق النار. صورة قدمتها العائلة مشكورة
في صباح اليوم التالي لعملية البتر،، الموافق 19.4.25، حضر إلى المستشفى أفراد من الشرطة وأجروا تحقيقًا مع رباع بشبهة مهاجمة جنود. في اليوم التالي، عقدت جلسة في المحكمة العسكرية تقرر في ختامها إطلاق سراح رباع وابنه الياس بكفالة مالية، علمًا بأن جنودًا كانوا قد اعتقلوا الياس فور الحادثة مباشرة، ثم تم نقله إلى محطة الشرطة في "كريات أربع" وجرى التحقيق معه بشبهة محاولة خطف سلاح ومن هناك تم نقله إلى سجن "عوفر".
في اليوم التالي لقرار المحكمة، وبعد إيداع الكفالة المالية عنه وعهن ابنه، بقيمة 5,000 شيكل لكل منهما، اقتيد رباع من المستشفى بواسطة وحدة "نحشون" وهو مكبل اليدين، إلى حاجز "ميتار" حيث تم إطلاق سراحه. من هناك، نُقل بسيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى المستشفى الأهلي في مدينة الخليل. كما تم إطلاق سراح ابنه إلياس في اليوم نفسه.
سعيد العمور (رباع), (59 عامًا)، أب لـ 12، من سكان خربة الركيز في مسافر يطا في تلال جنوب الخليل، روى في الإفادة التي أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانية منال الجعبري في 22.4.25 فقال:
الشيخ سعيد في المستشفى في الخليل، بعد بتر ساقه. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم
أنا أسكن مع عائلتي في تجمّع الركيز. لدي 12 ولدًا، 11 منهم تتراوح أعمارهم بين 5 و23 عامًا، يعيشون معي.
على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من منزلنا، أُقيمت بعد السابع من تشرين الأول 2023 بؤرة استيطانية على أراضٍ فلسطينية.
لدي كرم زيتون مساحته ثلاثة دونمات في منطقة الركيز. قبل إقامة البؤرة الاستيطانية، كنت أنا وأفراد عائلتي نعمل في هذه الأرض ونقطف الزيتون دون أي مشاكل. لكن الوضع تغير عندما بدأ المستوطنون يتجولون في أرضي ويرعون أغنامهم فيها ويعتدون على أفراد عائلتي بمجرد أن يصادفوهم هناك. كل هذا على مرأى من الجنود وعناصر الشرطة الذين يرافقونهم ويؤمّنون لهم الحماية أثناء الرعي.
في يوم الخميس الموافق 17.4.25، حوالي الساعة 18:00، رأيت مركبة تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية تتوقف بجانب الشارع الرئيسي، ثم نزل منها أربعة مستوطنين مسلحين، أحدهم هو مركّز أمن مستوطنة نعرفه بأنه شخص يدأب على استفزاز السكان. رأيتهم يمدون كابلًا كهربائيًا ويوصلونه بمولّد محمول. بدأوا بمدّ أسلاك في داخل أرضي.
خرجت من المنزل وذهبت إلى هناك بسرعة؛ ثم تبعني ابني إلياس (16 عامًا) وحاول توثيق ما يحدث، بهاتفه المحمول. عندما وصلنا إلى المستوطنين، صرخت عليهم ليخرجوا من أرضي. حينها، أمسك أحد المستوطنين بإلياس من رقبته وحاول أخذ الهاتف منه. اقتربتُ لإبعاد المستوطن عن الياس ثم واصل المستوطنون الاعتداء علينا وأطلق مركّز أمن المستوطنة رصاصتين في الهواء. تمكنت من الإفلات منه فأطلق رصاصة أخرى أصابتني في ساقي اليمنى تحت الركبة، من مسافة صفر. قبل ذلك، كانت ابنتاي عائشة (21 عامًا) وآسيا، توأم إلياس، قد وصلتا إلى المكان وبدأت آسيا توثق ما يحدث بالهاتف.
سقطتُ على الأرض وأنا أنزف بشدة. رفعت ساقي مُحاوِلًا وقف النزيف، وفي تلك الأثناء وصل الجنود. بدأ بصري يغشى وشعرت بالارتباك وفقدت الوعي تدريجيًا. سمعت صراخ البنتين والمستوطنين ونشطاء أجانب كانوا يتحدثون باللغة الإنجليزية، لكنني لم أستطع استيعاب ما يحدث حولي حتى فقدت الوعي تمامًا.
عندما استيقظت، وجدت نفسي في المستشفى. أخبرني الأطباء بأنني في مستشفى "سوروكا" وطلبوا مني التوقيع على استمارة موافقة على إجراء عملية جراحية. كان ذلك في وقت متأخر من الليل. لا أعرف في أي ساعة بالضبط. فقط في صباح يوم الأحد استيقظت تمامًا، وعندها أبلغني الأطباء بأنهم بتروا ساقي اليمنى، فوق الركبة بـ 10 سنتيمترات، لأنهم لم يتمكنوا من وقف النزيف.
في ذلك الصباح، حوالي الساعة 7:00، قام أفراد من وحدة "نحشون" التابعة لمصلحة السجون بتقييد يديّ بلا رحمة أو شفقة وأخذوني على كرسي متحرك. أصعدوني إلى حافلة "البوسطة" (الحافلة التي تُستخدم لنقل السجناء). أجلسوني على مقعد الحافلة المعدني بطريقة سببت لي ألمًا شديدًا. كنت أعاني من آلام مبرحة في ساقي المصابة كما عانيت أيضًا من الحر الشديد داخل المركبة التي كانت بدون نوافذ
أخذتني "البوسطة" إلى معبر "ميتار"، وهناك نقلوني إلى سيارة إسعاف فلسطينية أقلّتني إلى المستشفى "الأهلي" وما زلت أرقد هنا. قدموا لي علاجًا أوليًا وأجروا لي فحوصات وصور أشعة. أعطوني مسكنات للأوجاع ومضادات حيوية.
وعلمتُ لاحقًا أن إلياس قد اعتُقل أيضًا وأنه قد تم إطلاق سراح كلينا بعد إيداع كفالتين قدرهما، معًا، 10,000 شيكل.
إلياس سعيد العمور (رباع)، (16 عامًا)، ابن سعيد، روى في إفادته:
في يوم الخميس الموافق 17.4.25، حوالي الساعة 18:00، بينما كنت أسقي الخضروات بالقرب من المنزل، سمعت ضوضاء وسمعت والدي يقول بضع كلمات بالعبرية. توقفت عن الري واتجهت نحوه. رأيت ثلاثة مستوطنين، كان اثنان منهم مسلحين ببندقيتين من طراز M-16، ومركبة مع مقطورة توقفت بالقرب من منزلنا، وتم سحب كابل منها إلى داخل أرضنا.
اقتربت أنا وأبي من المستوطنين ورأينا أن لديهم مقدحًا كهربائيًا يستخدمونه للحفر في الأرض لوضع أعمدة معدنية. احتج أبي على وجودهم وطلب منهم الخروج من أرضنا. اقترب من أحدهم، وأنا أعرفه، فبدأ المستوطن بدفعه. في تلك اللحظة، جاء مستوطن آخر من الخلف وأمسك بي وطرحني أرضًا وخنقني من رقبتي بيده، بينما كان يضغط على ظهري بقدمه.
سمعت طلقتين ناريتين ثم حرر المستوطن رقبتي ورأيت المستوطن الذي أعرفه يوجه بندقيته من طراز M-16 نحو أبي ويطلق النار على ساقه. سمعت أبي يصرخ من الألم. بعد ذلك، فتح هذا المستوطن هاتفه واقترب من أبي وبدأ بتصويره. تحدث إليه بالعبرية فلم أفهم الكلمات. قال له أبي: "لقد قتلتني". ثم وجه المستوطن الكاميرا نحوي واقترب مني وركل الرمال عليّ ثم قال لي أيضًا بضع كلمات بالعبرية لم أفهمها.
في تلك المرحلة وصل الجنود. ربطوا شريطًا مطاطيًا طبيًا على فخذ أبي. طلب أحدهم من المستوطن أن يبتعد عني وقالوا لي أن أساعد أبي. أمسكت بيد أبي. حضر متطوع من الهلال الأحمر وحاول وقف النزيف. بعد ذلك، جاءت سيارة إسعاف إسرائيلية تابعة لـ "نجمة داوود الحمراء" وأخلت أبي. أمرني جندي يتحدث العربية بالجلوس وعدم التحرك من مكاني وهكذا فعلت.
بعد ذلك، أصعدني الجنود إلى سيارة جيب عسكرية كانت متوقفة بالقرب من الطريق المؤدي إلى مستوطنة "أفيغايل". كل مستوطن مر من هناك قال: "انتهى الأمر، سعيد مات". قيّد الجنود يديّ إلى الخلف وعصبوا عينيّ وأدخلوني إلى الجيب. بعد حوالي نصف ساعة، أنزلوني من الجيب وسلموني للشرطة. بعد حوالي خمس دقائق، أخذتني سيارة شرطة للتحقيق في مركز "كريات أربع". أدخلوني إلى كرفان ووضعوا قيودًا حديدية على ساقي وانتظرت هناك حتى منتصف الليل.
قبل التحقيق، تحدثت مع محامية قدمت لي استشارة قانونية. خلال التحقيق، اتهموني بمحاولة خطف سلاح وبأن أبي ألقى حجرًا. أنكرت كل الاتهامات. بعد التحقيق، اقتادني الجنود إلى معسكر للجيش في "سوسيا" وبقيت هناك حتى الصباح، ثم نقلوني إلى سجن "عوفر"، حيث كانت المعاملة سيئة للغاية. بعد ثلاثة أيام، أُطلق سراحي بعد أن دفعنا كفالة قدرها 5,000 شيكل.
آسيا سعيد العمور (رباع), (16 عامًا)، أخت إلياس التوأم، روت في إفادتها:
في يوم الخميس الموافق 17.4.25، حوالي الساعة 18:00، دخل أخي عمر (5 سنوات) إلى المنزل مذعورًا وقال إن أبي يركض باتجاه أرضنا المجاورة للمنزل وأنه ربما رأى جنودًا. ركضت أنا وعائشة إلى الخارج لنرى ما يحدث.
عندما وصلنا إلى جانب المنزل، رأيت مستوطنًا يمسك بأخي إلياس ويخنقه بذراعه. كان أبي يتحدث مع المستوطنين ويقول لهم إن هذه أرضنا ويطلب منهم التوقف عن العمل والمغادرة. علت الأصوات وبدأ الصراخ. بدأتُ التصوير بهاتفي.
أطلق أحد المستوطنين رصاصتين في الهواء، ثم صوّب نحو ساق أبي وأطلق رصاصة ثالثة أصابته في ساقه. واصلتُ التصوير. وصلت أختي عائشة وأمي وأفراد آخرون من العائلة لكن المستوطنين منعوهم من الاقتراب من أبي.
بعد ذلك، جاءت سيارة جيب تابعة للجيش وعدد من مركبات المستوطنين. في تلك الأثناء، حضر عدد من سكان قرية التواني لكن الجنود الذين حضروا - والذين نعرفهم كمستوطنين - منعوهم من الاقتراب منا.
لاحقًا، وصلت سيارة إسعاف إسرائيلية وأخذت أبي، لكننا لم نكن نعرف إلى أين. رأيت الجنود يأخذون إلياس إلى سيارة جيب عسكرية. بقي المستوطنون والجنود في المكان حتى الساعة 20:00 تقريبًا، ثم غادروا.
حاولنا أن نفهم ما يحدث مع أبي، لكننا لم نكن نعرف شيئًا سوى أنه في مستشفى "سوروكا" في بئر السبع. صباح يوم الجمعة، علمنا أنه خضع لعملية جراحية استمرت عدة ساعات، لكنهم لم يتمكنوا من إنقاذ ساقه. كانت المعلومات التي تلقيناها جزئية ومحدودة.
حوالي الساعة 22:00، علمنا أن ساق أبي قد بُترت. كانت العائلة كلها في المنزل عندما سمعنا الخبر. بدأنا بالصراخ والبكاء. كنا في حالة صدمة. لم ننم طوال الليل تقريبًا، فقط حوالي الساعة 4:00 فجرًا غفونا لمدة ساعتين من شدة الإرهاق.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.