باحث بتسيلم الميدانيّ، 42 عامًا، من سكّان حيّ الرمال في مدينة غزّة
في يوم السبت الموافق 7.10.23 وبينما كنتُ أنا وزوجتي وأولادنا نائمين في منزل والدَيّ في رفح، استيقظتُ على صوت القصف. اعتقدتُ في البداية أنّني لم أسمع جيّدًا لكن سرعان ما اتّضح لي أنّ هناك قصفًا إسرائيليًّا إثر دخول مسلّحين الى مدن إسرائيليّة. أخذنا الأولاد على الفور وسافرنا إلى شقّتنا في حيّ الرمال في مدينة غزّة. كان الحيّ هادئًا وآمنًا.
حضّرتُ أنا وزوجتي حقيبة ووضعنا فيها وثائقنا وملابس لنا ولبناتنا الثلاث ولابننا. اشتريتُ القليل من السلع الغذائيّة ثمّ جلست لمتابعة الأخبار. في اليوم التالي بدأت الغارات وكنّا قلقين جدًّا. خشينا أن يتمّ قصف منطقتنا في أيّ لحظة. شعرنا بالرعب في كلّ مرّة سمعنا فيها صوت القصف. قصفوا طوال الوقت وكان الوضع صعبًا. نحن والأولاد كنّا متوتّرين للغاية. كنّا مذعورين جميعًا.
تحوَّل النهار إلى ليل، لكنّنا نمنا قليلًا جدًّا. كلّما وضعنا رؤوسنا استيقظنا فورًا على أزيز الطائرات والقصف. كنّا نقوم في كلّ مرّة للتأكّد من أنّ ذلك ليس بجوارنا وأنّ بنايتنا لم تُصب وأنّ أحدًا لم يُجرح. وضعنا بعض الفرشات في وسط الصالون، بعيدًا عن النوافذ، لأنّنا خفنا أن نصاب بشظايا.
في تلك الأثناء كنّا قد سمعنا ما فعله المسلّحون في إسرائيل وفهمنا أنّ أمورًا قاسية ومروّعة قد حدثت في المدنيين والأطفال.
في اليوم الثالث حذّرنا الجيش الإسرائيليّ من أنّه سيقصف برج فلسطين، وهو مبنى من 14 طابقًا يحتوي على شقق سكنيّة، مكاتب وعيادات ويقع على بُعد مائة متر من بيتنا. خرجنا جميعًا من الشقّة ووقفنا في مطلع الدرج سويّة مع الجيران. قصفوا البرج وتعرّضت شقّتنا لأضرار. تضرّرتْ سيّارتنا أيضًا.
بعد القصف عدنا إلى الشقّة ولكنّنا سمعنا طوال اليوم تفجيرات ومرّ النهار ونحن خائفون. عندما أقبل الليل خفنا أكثر. شعرنا بأنّنا عرضة للقصف وكنّا متوتّرين جدًّا. كانت تلك ليلة طويلة وسمعنا خلالها طوال الوقت أصوات التفجيرات وتقارير عن منازل تمّ قصفها وأشخاص قُتلوا في منازلهم. في كلّ مرّة سمعنا فيها عن عائلة قُتلت كان رعبنا يزداد. حاولتُ تهدئة زوجتي وأولادي الذين تملّكهم خوف شديد.
بقينا في المنزل حتّى اتّصل الجيش بالجيران وأمرنا جميعًا بالمغادرة. تلقّى جميع سكّان الحيّ أمرًا بإخلاء بيوتهم. لم نعرف ماذا نفعل. فكّرنا واحترنا في أمرنا وفي النهاية قرّرنا جميعًا معًا أنّه يجب علينا الخروج. تركنا شقّتنا بصعوبة بالغة، فقد بنيناها بعمل شاقّ وبذلنا حياتنا كلّها من أجلها. كنّا نخشى أنّنا لن نعود لرؤيتها. لكنّنا كنّا أكثر خوفًا على حياة أولادنا وحياتنا.
أخلت عائلات البناية بيوتها واتّجه كلٌّ منها إلى مكان مختلف. ذهبتُ أنا وعائلتي إلى منزل أخي، فتحي، في حيّ تل الهوى الواقع على بُعد نحو كيلومتر عن بيتنا.
بعد نحو ربع ساعة من مغادرتنا البيت قصف الجيش حيّنا. سُوِّيَ الحيّ بالأرض تمامًا. كان الرمال يُعتبر الحيّ الأكثر أمانًا والأحدث والأهدأ في وسط غزّة. سكن فيه المسلمون والمسيحيّون معًا. كانت فيه شقق وفيلات فاخرة. كان الجميع يهربون إليه دائمًا في الحروب لأنّه كان يُعتبر الأكثر أمانًا. والآن قصفوه وحوّلوه إلى أنقاض وخراب.
في اليوم التالي عدتُ إلى الحيّ للتحقّق ممّا حدث لبيتنا. كان من الصعب الوصول بسبب الدمار. الشوارع كانت مسدودة وكان مدخل البناية مسدودًا بالأنقاض. دخلتُ إلى الشقّة ووجدتُ ضررًا بالغًا. وقفتُ هناك لحظة وتملّكني الأسى على البيت الذي كان لنا. لكنّني لم أستطع البقاء طويلًا لأنّني خفتُ أن يكون هناك قصف آخر. التقيتُ بجيراني الذين جاءوا هم أيضًا لرؤية ما حدث لمنزلهم. كان الجميع مصدومين ومفجوعين على الشقق التي تحوّلت إلى أنقاض. وقفنا في الشوارع بين الأنقاض وشممنا رائحة دخان النيران.
عدتُ إلى شقّة فتحي. لكنّ الوضع بقي خطيرًا وسمعنا طوال الوقت أصوات الطائرات والقصف. شعرنا بجزع شديد جدًّا. كلّما قصفوا كنّا نشعر بشكل أكيد بأنّه جاء دورنا. بقينا على هذه الحال عدّة أيّام، بدون كهرباء ومع قليل جدًّا من الماء. كان الخروج من البيت خطِرًا وكانت الشوارع مُدمَّرة.
في يوم الخميس الموافق 12.10.23 نحو الساعة 19:00 سمعنا أحاديث في الشارع الذي تحتنا. توجّهنا إلى النافذة ورأينا أشخاصًا مُسنّين ونساء وأطفالًا يحملون حقائب وأغراضًا ويهربون من الحيّ. سألناهم عمّا حدث وإلى أين هم ذاهبون، فأجابوا بأنّهم هربوا من حيّ وأعلِن الآن بأنّه سيتمّ قصف هذا الحيّ. أخذنا كلّ شيء رزمناه ونزلنا إلى الشارع. وقفنا عند مدخل المبنى. ارتعدت النساء والأطفال من الخوف. لم نعرف إلى أين نذهب وخفنا أنّ يقصفونا في أيّ لحظة. كان ظلام وسمعنا الطائرات في السماء والقصف. وقفنا عند مدخل المبنى ولم نعرف إلى أين نذهب. كان كلّ واحد يقترح مكانًا مختلفًا. ببساطة وقفنا هناك على هذه الحال بضع ساعات ولم نعرف إلى أين نذهب وماذا نفعل. ثمّ عدنا إلى الداخل وجلسنا على الدرجات. بقينا هناك حتّى الصباح وكنّا واثقين بأنّها ليلتنا الأخيرة. كانت تلك ليلة صعبة جدًّا.
في الصباح عدنا إلى شقّة فتحي وبقينا هناك حتّى أعلن الجيش في يوم السبت، 13.10.23، أنّ على جميع سكّان شمال القطاع الانتقال إلى منطقة وادي غزّة. احترنا مرّة أخرى. لم نعرف ما إذا كان يجب علينا المغادرة وماذا نفعل. بعد بضع ساعات من التردّد أخذنا أشياءنا وعدنا إلى منزل والدَيّ في رفح. وسافر أخي فتحي وعائلته إلى عائلة زوجته في خان يونس.
سافرنا عبر شارع صلاح الدين، فهذا هو الشارع الرئيسيّ المسموح بالسفر عبره. كانت الطريق صعبة لأنّ جزءًا منها كان مسدودًا بالأنقاض وكان هناك الكثير من الناس الذين سافروا بشتّى أنواع المركبات، السيّارات، الشاحنات ومشى الكثير من الناس سيرًا على الأقدام. كان ذلك المنظر صعبًا جدًّا؛ رؤية كلّ هؤلاء الناس يهربون إلى الجنوب وفقًا لأمر إسرائيل وهم خائفون. كان ذلك منظرًا قاسيًا.
حاولتُ التقاط الصور لكنّني لم أنجح في ذلك حقًّا.
عندما وصلنا إلى منزل العائلة كانت هناك أخواتي وأزواجهنّ وأولادهنّ. لم تكن هناك كهرباء ولا ماء ولا إنترنت. الوضع عصيب للغاية.