Skip to main content
Menu
المواضيع

الأراضي المحتلّة والقانون الدوليّ

يحدّد القانون الدولي الإطار المعياريّ الذي ينبغي لإسرائيل أن تلتزم به في ممارساتها داخل المناطق المحتلّة. البنود ذات الصّلة المنصوص عليها في فرعين قضائيّين أساسيّين هما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان. في الماضي كان متّفقًا أنّ هذين الفرعين لا يسريان بالتزامن مع بعضهما حيث يسري القانون الإنساني الدولي في أوقات النزاعات المسلّحة وفي زمن الاحتلال ويسري قانون حقوق الإنسان في أوقات السِّلْم.

بدلاً من النظر إلى أحكام القانون كبوصلة أخلاقيّة فإنّ إسرائيل تسخّرها كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان.

في السنوات الأخيرة تغيّرت التصوّرات القضائيّة المتّبعة فتلاشى التغايُر والتمييز بين الفرعين أعلاه. من المتّبع اليوم أنّ أحكام قوانين حقوق الإنسان يستمرّ سريانها أيضًا في أوقات الحرب وفي زمن الاحتلال بالتّوازي مع سريان أحكام القانون الإنساني الدولي. ولأنّ الحماية التي يوفّرها القانون الإنساني الدوليّ للمواطنين وضحايا الحرب أضيق من تلك التي يوفّرها قانون حقوق الإنسان يوسّع التصوّر الجديد بقدر ملحوظ نطاق حماية المواطنين في أوقات النزاعات المسلّحة. في الحالات الاستثنائية التي تتناقض فيها أحكام القانون الإنساني مع أحكام قانون حقوق الإنسان أثناء القتال في سياق نزاع مسلّح - جرى التوافق على أن تكون الأفضلية لأحكام قانون حقوق الإنسان.

القانون الإنساني ينظّم الأحكام السارية على أطراف النزاع أثناء القتال. تبتغي هذه الأحكام أن تقلّص قدر الإمكان الأضرار اللاحقة بالمواطنين والمقاتلين الذين خرجوا من دائرة القتال - مثل الجرحى وأسرى الحرب. لأجل تحقيق هذه الغاية تقيّد هذه الأحكام طرُق القتال والوسائل المستخدَمة فيه كما وتحدّد فيما تحدّد أنّه من المسموح توجيه الضربات فقط إلى أهداف عسكريّة (مبدأ التمييز)، حتّى هذا مشروط بألاّ  تتجاوز الأضرار اللاحقة بالمدنيّين المنفعة العسكريّة المتوقّعة من الضربة الموجّهة (مبدأ التناسُب).

يحدّد القانون الإنسانيّ أيضًا الأحكام السارية على دولة احتلال. وفقًا لهذه الأحكام فإنّ الاحتلال مؤقت - بحُكم تعريفهعا لا تعتبر القوّة المحتلّة أبدًا صاحبة السيادة على الأرض المحتلّة. كَوْن الاحتلال مؤقتًا هو منبع ومصدر القيود المفروضة على القوّة المحتلّة وخاصّة المبدأ الذي يمنع القوّة المحتلّة من إجراء تغييرات دائمة في المنطقة التي تحتلّها (فرض وقائع على الأرض)، إلاّ إذا كانت الغاية منها قضاء مصالح السكّان المحلّيين أو الاحتياجات العسكريّة الآنيّة للقوّة المحتلّة. من ضمن ذلك ممنوع على الدولة المحتلّة أن تغيّر القوانين السارية في المنطقة وأن تقيم مستوطنات ثابتة دائمة وأن تستغلّ موارد المنطقة المحتلّة وغير ذلك. هذه الأحكام تحدّد أيضًا أنّ السكّان القاطنين في المنطقة المحتلّة منذ ما قبل الاحتلال هم "سكّان محميّون" ومن هنا ممنوع على القوّة المحتلّة أن تفرض إجراءات عقاب جماعيّ على هؤلاء السكّان ولا أن تستخدم العنف ضدّهم ولا أن تصادر ممتلكاتهم الخاصّة ولا أن تنتهك كرامتهم وأن تطردهم من بيوتهم.

إضافة إلى أحكام القانون الإنساني أعلاه إسرائيل ملزَمة أيضًا بالانصياع لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان لدى أيّة ممارسة أو إجراء تتخذه في الأراضي المحتلّة. في العام 1948 اعتمدت الجمعية العامّة لهيئة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لذي نصّ أنّ جميع البشر وُلدوا أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق وأنّه يُمنع التمييز بينهم. إضافة إلى ذلك نصّ الإعلان على حقّ الحياة وحقّ التمتّع بالحرية والحقّ في الأمن الشخصي؛ وكذا منع العبودية والتعذيب والاعتقالات التعسّفية. يتناول الإعلان أيضًا حقّ جميع البشر في المساواة أمام القانون وفي الأمن الاجتماعي ومستوى حياة لائق وحقّهم في تكوين أسْرة دون قيود على أساس العرق أو الجنسية أو الدين وحقّهم في حرّية الضمير والرأي والمعتقد الديني.

على أساس هذا الإعلان صاغت دول العالم على مرّ السنين سلسلة من المواثيق الإضافية. الوثيقتان المركزيّتان جرى التوقيع عليهما في هيئة الأمم المتحدة عام 1966 وهما: الميثاق الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة والميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. عادت هذه المواثيق وكرّرت أنّ من واجب الدول كما هو مفصّل في كلّ ميثاق حماية حقوق الإنسان لجميع البشر القاطنين ضمن منطقة سيادتها وأضافت أيضًا حقّين جماعيّين هما: حقّ جميع الشعوب في تقرير المصير وحقّ تلك الشعوب في استخدام مواردها الطبيعية كما ترتئي. في السنوات اللاحقة صيغت مواثيق إضافية منها ميثاق العام 1979 في شأن إلغاء التمييز ضدّ النساء بجميع أشكاله؛ ميثاق 1984 في شأن منع التعذيب والأشكال الأخرى من المعاملة القاسية واللاإنسانيّة أو المهينة؛ وميثاق 1989 في شأن حقوق الطفل.

أحكام القانون الدولي هذه - سواء القانون الإنسانيّ أو قانون حقوق الإنسان - أعدّت لتقيّد فسحة استناد الدول إلى قناعتها الذاتية وذلك بهدف ضمان قدر معيّن من حماية حقوق الإنسان. وحيث أنّ الدول لا تتخلّى عن صلاحيّاتها بسهولة فإنّ الأحكام التي نصّت عليها المواثيق في نهاية الأمر اشتملت على قيود واستثناءات (يمكن اعتمادها في حالات تذكرها المواثيق بالتفصيل) تبيح في حالات معيّنة المسّ بتلك الحقوق المنصوص عليها. تبعًا لذلك فالقانون الدولي هو تسوية أو حلّ وسط وهو يمنح حماية جزئيّة فقط لحقوق الإنسان - وهذا أفضل من انعدام الحماية كلّيًّا.

المشكلة الأساسية في منظومة القانون الدولي هي غياب آليّات التطبيق الناجعة. الأجهزة القائمة معقدة وبطيئة ومعظمها يعالج حالات عينيّة لا حالات على مستوى السياسة والقائمين عليها. إضافة إلى ذلك فإن ترتيب الأولويّات واختيار الحالات التي تتمّ معالجتها ضمن ذلك متأثرة عمومًا بضغوط سياسيّة وبعلاقات القوى في العالم. من هنا فمدى انصياع الدول وبيضمنها إسرائيل لأحكام القانون الدولي متعلق أساسًا بحُسن نيّتها وبمدى الضغط الدولي والدبلوماسي - إن حصل أصلاً - على تلك الدول من قبَل دول أخرى أو من قبَل هيئات دوليّة.

مع هذا كلّه ورغم محدوديّاته فالقانون الدولي يضع قواعد وأحكامًا أعدّت لتقلّص قدر الإمكان من انتهاك سلطات الدولة لحقوق الإنسان للحفاظ على حدّ أدنى من الحماية ومن هنا تأتي أهمّيته. غير أنّ إسرائيل ترفض حتى الالتزام بهذا الحدّ الأدنى وهي ملزَمة به في ممارساتها في الأراضي المحتلّة.

وهكذا فإنّ إسرائيل تدّعي أن القانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان لا يُلزمها في ممارساتها في الأراضي المحتلّة لأنّها لا تقع رسميًّا ضمن منطقة سيادتها. صحيح أنّ إسرائيل ليست صاحبة السيادة في الأراضي المحتلّة ولكنّ هذه الحقيقة لا تنتقص في حدّ ذاتها من واجب إسرائيل العمل وفق أحكام القانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان. الموقف الإسرائيلي لا يقبله مختصّو القانون الدولي في العالم ولا تقبله محكمة العدل الدوليّة (ICJ) ولا أيّ من لجان الأمم المتحدة المؤتمنة على تطبيق مختلف مواثيق حقوق الإنسان، إذ عادت هذه وأقرّت أنّ من واجب الدول تطبيق الأحكام المذكورة في كلّ مكان تملك فيه السيطرة الفعليّة.

في مافيما يخصّ أحكام القانون الإنساني الدولي رفعت الدولة على مرّ السنين حججًا مختلفة في محاولة للتهرّب من تطبيقه. في السنوات الأولى التي تلت الاحتلال ادّعت الدولة أنّ هذه الأراضي ليست "محتلّة" لأنّها قبل أن تسيطر عليها إسرائيل لم تكن تحت سيادة معترف بها لدولة أخرى؛ وعليه فهي ليست ملزَمة بتطبيق الأحكام السارية في حالة احتلال. رغم ذلك أعلنت إسرائيل أنّها تطبّق برغبة منها "الأحكام الإنسانيّة" لميثاق جنيف الرابع الذي يُعنى بحماية المواطنين. لم تذكر إسرائيل تفصيلاً ما هي أحكام ميثاق جنيف التي تعتبرها "أحكامًا إنسانيّة".

والحقّ أنّ منظورًا كهذا لا أساس له في القانون الإنساني الدولي الذي لا يشترط سريان أحكامه الاعتراف بسيادة سابقة. كذلك فالقانون الإنساني الدولي لا يُعنى بالسؤال "من ابتدأ الحرب ومن انتصر فيها ولا من هو الطرف المحقّ". كلّ ما حدّد هناك أنّ الدولة التي تملك السيطرة الفعليّة في منطقة ما يقع عليها واجب حماية الأشخاص القاطنين هناك وهم ليسوا مواطنيها - والذين تمّ تعريفهم كـ"سكّان محميّين". إضافة إلى ذلك فإنّ القانون الإنساني الدولي كما يدلّ اسمه: جميع أحكامه تُعتبَر إنسانيّة وينبغي تطبيق جميع المواثيق ككتلة واحدة.

إلى جانب الحجج أعلاه رفعت الدولة على مرّ السنين الحجّة القائلة بأنّ أفعالها في الأراضي المحتلة "قانونيّة" وتتمّ بموجب أحكام القانون الإنساني الدولي: أقامت إسرائيل عشرات المستوطنات على أراضي الضفة وسلبت مئات آلاف الدونمات وهذه أفعال قانونية لأنّ مواطنيها انتقلوا للسكن هناك بمحض إرادتهم؛ خرّبت إسرائيل آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وهذا قانونيّ لأنّ الأمر قد تمّ وفقًا للاستثناء الضيّق الذي يتيح هدم ممتلكات خاصّة في حالة "الاحتياجات العسكرية"؛ الاعتقال الإداري لآلاف الفلسطينيّين تعتبره إسرائيل قانونيًّا فهي اعتقلت هؤلاء جميعًا لكي تمنع جريمة محتملة مستقبلاً ولأجل الأمن؛ وفوق هذا كلّه - قتل آلاف الفلسطينيّين في جولات القتال المتكرّرة في قطاع غزّة هو أمر قانونيّ، فهؤلاء جميعًا قُتلوا وفقًا لمبدأي القانون الإنساني مبدأ التمييز ومبدأ التناسُب. هذه الحجج كلّها تقريبًا قبلها قضاة المحكمة العليا.

أحكام القانون الإنسانيّ ليست مبادئ قانونية نظريّة: لقد صيغت بهدف توفير الحماية بالحدّ الأدنى في ظروف الحرب أو الاحتلال لأشخاص لا يملكون أيّة حماية أخرى. تلك التأويلات التي تهدف إلى تبرير انتهاكات إسرائيل الصارخة بحقّ السكّان المدنيّين في الأراضي المحتلّة، منقطعة الصّلة تمامًا عن هذه الأهداف وهي تأتي لخدمة غاية معاكسة: توفير غطاء قانونيّ لأفعال لا مبرّر لها وسلب الحدّ الأدنى من الحماية من أشخاص لا يملكون أيّة حماية. لذلك رفض خبراء القانون الإنساني الدولي في إسرائيل والعالم تلك الحجج. من الواضح أنّ مبادئ القانون الإنساني عرضة لمختلف التأويلات مثلها مثل كلّ مبدأ قانونيّ. ولكنّ التأويل الذي تطرحه إسرائيل غير معقول ومغلوط قانونيًّا ويفرغ أحكام القانون الإنسانيّ الدولي من مضمونها.

بدلاً من النظر إلى أحكام القانون الدولي - سواء القانون الإنساني أو القانون الخاصّ بحقوق الإنسان - كبوصلة أخلاقيّة تسخّرها إسرائيل كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان. عند الاستناد إلى هذه الأحكام في المرافعة أمام المحكمة العليا ومحامي النيابة العامّة أو ضبّاط النيابة العسكرية - يجد هؤلاء جميعًا طرقًا لتأويل تلك الأحكام والتحايل عليها ونُصب أعينهم غاية واحدة: إضفاء الشرعية القانونية على انتهاك تلك الأحكام عينها. سياسات إسرائيل في أنحاء الأراضي المحتلة تخطو منذ أكثر من خمسين عامًا بعيدًا عن الدفاع إلى تخوم التسيّب. نتيجة هذه الخطوات ليست مسألة نظريّة: السلب والقمع والتجبّر والقتل - تحت غطاء التأويل الشكلي الأجوف لمبادئ غايتها في الأصل منع كلّ هذا.

كلمات مفتاحية