Skip to main content
البحث عن مصابين تحت أنقاض مبنى قُصف في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

"أضرار جانبيّة"؟

قُتل حتى الآن في جولة القصف الحاليّة على قطاع غزّة ما يزيد عن 200 فلسطينيّ، نصفهم تقريبًا نساء وقاصرون تحت سنّ الـ18. مئات المنازل هُدمت شبكات الكهرباء والمياه تضرّرت والشوارع دُمّرت وعشرات الآلاف اضطرّوا للنزوح عن منازلهم. كلّ هذه المعطيات لا تثني إسرائيل عن مواصلة الزّعم أنّ عمليّاتها قانونيّة ولا تخالف القانون الإنسانيّ الدوليّ وأنّها تبذل كلّ ما في وُسعها لكي تتفادى المسّ بالمدنيّين.

هذه المزاعم لا صحّة لها في الواقع: أحد المبادئ الأساسيّة في القانون الإنسانيّ الدوليّ هو "مبدأ التناسُب" أي أنّه ينبغي الامتناع عن تنفيذ الهجوم إذا كانت الأضرار المتوقّع أن تلحق بالمدنيّين جرّاءه مُفرطة، أي تربو بكثير على المنفعة أو الأفضليّة العسكريّة المتوخّاة منه. وهذا الشرط يخصّ بالطبع فقط استهداف الأهداف العسكريّة المشروعة إذ إنّ الهجوم على أهداف مدنيّة مخالف من أصله للقانون بغضّ بالنظر عن أيّة "أضرار جانبيّة" متوقّعة.

مبدأ التناسُب زئبقيّ وغامض إذ يتطلّب تطبيقه التوصّل إلى تكهّنات بالاعتماد على تقديرات ومعلومات جزئيّة كما يتطلّب إجراء توازُنات بين مركّبات تكاد المقارنة بينها أن تكون مستحيلة. إضافة إلى ذلك لا توجد تعريفات واضحة تحدّد ما هي الأفضليّة العسكريّة "ذات الوزن" ولا متى يُعتبر الضّرر اللّاحق بالمدنيّين "مُفرطاً". هذه التعقيدات تجعل تطبيق مبدأ التناسُب عُرضة لتأويلات تدخل فيها اعتبارات قيميّة وأخلاقيّة وليس فقط تحليلات قانونيّة محضة. مع ذلك يُعتبر التأويل المطروح مشروعاً طالما هو يعكس غاية القانون الإنسانيّ الدوليّ. إلّا أنّ التأويلات التي تطرحها إسرائيل ليست كذلك إذ تجتمع فيها اللّامعقوليّة والخطأ القانونيّ وذهنيّة لا يمكن تحمّلها أخلاقيّاً.

هذا الاستنتاج يستند فيما يستند إلى ما حدث في العام 2014 خلال "حملة الجُرف الصّامد" التي شنّت فيها إسرائيل عشرات الغارات على منازل السكّان وهدمتها فوق رؤوس ساكنيها. هكذا منزلاً تلو الآخر وأسرة تلو الأخرى على مدار 50 يوماً، قتلت إسرائيل أكثر من 500 فلسطينيّ تحت سنّ الـ18. منذ الأيّام الأولى تبدّى واضحاً هَوْلُ النتائج المترتّبة على هذه السّياسة ورغم ذلك واصلت إسرائيل تطبيقها إلى آخر أيّام القتال وواصلت في الوقت نفسه الزّعم أنّها تبذل قصارى جُهدها لتفادي المسّ بالمدنيّين.

بعد انتهاء القتال شرعت إسرائيل في عمليّة طمس منهجيّة لإبعاد شبهات انتهاك القانون الإنسان الدوليّ على يد الجيش وقد تولّى هذه العمليّة جهاز إنفاذ القانون العسكريّ. ضمن ذلك أوعز المدّعي العسكريّ العامّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في بضعة أحداث، بعضها تعلّق بقصف منازل انهارت على ساكنيها. انتهت التحقيقات بقرار عدم اتّخاذ أيّة إجراءات بعد أن استنتج المدّعي العسكريّ العامّ فيما استنتج أنّ الجيش تصرّف وفقاً لمبدأ التناسُب "إذ توقّعت الجهات العمليّاتية عند اتّخاذ قرار الهجوم أنّ الأضرار الجانبيّة المتوقّعة لن تكون مفرطة مقارنة بالأفضليّة العسكريّة المتوخّى كسبُها من الهجوم".

استند المدّعي العسكريّ العامّ في استنتاجه ذاك على فحص بضعة أحداث قصف جرى انتقاؤها منفردة أي في تجاهُل لسياقها. هكذا استطاع المدّعي العسكريّ العامّ أن يقرّر بخصوص تقديرات المسؤولين إذ توقّعوا أنّ القصف لن يُلحق أضراراً بالمدنيّين أنّها تقديرات معقولة، رغم أنّهُم لم يأخذوا في الحسبان نتائج عشرات الغارات السّابقة المماثلة تقريباً التي شنّها الجيش خلال خمسين يوماً من القتال. لكنّ هذا التأويل - وهو عينُه الذي يسترشد به الجيش في تنفيذ غاراته التي يشنّها حاليّاً على القطاع - لا يضع أمام المسؤولين مطلب بذل أقصى الجُهد لتفادي المسّ بالمدنيّين، بل على عكس ذلك هُو تأويل يضع سقفاً منخفضاً جدّاً لتدخّل ما يرتئيه هؤلاء المسؤولون من اعتبارات، وهي تشمل فقط المعلومات المتوفّرة لديهم فعليّاً دون توخّي الحصول على أيّة معلومات أخرى كان من الواجب توفّرها في الظروف التي سادت آنذاك. مثل هذا التأويل يُفرغ مبدأ التناسُب من جوهر مضمونه الجوهريّ.

تزعم إسرائيل أنّها تحذّر السكّان قبل تنفيذ الهجوم وتتيح لهُم إخلاء منازلهم وأنّ هذا كفيل بتقليص الضّرر الذي قد يلحقهم. هذه المزاعم صحيحة فقط في جزء يسير من الحالات، كما في حال الأبراج الشاهقة التي قصفتها إسرائيل في قلب مدينة غزّة. في معظم الحالات امتنعت إسرائيل عن تحذير السكّان وهذا ما يفسّر هذا العدد الكبير من ضحايا الغارات التي شنّتها إسرائيل في الأيّام الماضية، بما في ذلك عائلات بأكملها قُتلت داخل منازلها.

عندما تجد إسرائيل نفسها محشورة في الزاوية تُسارع إلى الإعلان بأنّ حماس هي المسؤولة عمّا يطال المدنيّين أمّا هي فقد اتّخذت جميع الاحتياطات لمنع المسّ بالمدنيّين وتقليصه قدْر الإمكان. إذا حقّق التحذير هدفه ولم يُصب مدنيّون فهذا دليل حرصها عليهم وإذا أصيب مدنيّون - مع أو بدون تحذير - فحماس هي المسؤولة حصريّاً عن ذلك في نظر إسرائيل لأنّها تزعم أنّ حماس "تستخدم السكّان كدروع بشريّة".

هذا بالطّبع تأويل يفتقر للمعقوليّة. إنّه يسقط عن الدّولة مسؤوليّة بذل أقصى ما في استطاعتها لكي تضمن عدم المسّ بالمدنيّين وهُو يتيح لها أن تتصرّف دون قيود مهما كانت النتائج وأن تتنصّل من المسؤوليّة عن هذه النتائج. علاوة على ذلك هُو تأويل ينظر في المقاصد ويتجاهل النتائج: يركّز حصريّاً على المقاصد كما يُعلنها صُنّاع السياسة - وهذه لا يمكن التحقّق منها في غياب معلومات رسميّة - ويتجاهل تماماً نتائج أفعالهم حتى حين تكون النتائج الفتّاكة ومعلومة سلفاً.

في هذه الأيّام إسرائيل هي التي تقصف قطاع غزّة. القذائف والصّواريخ التي يطلقها جيش إسرائيل هي التي تقتل السكّان هناك وتدمّر ممتلكاتهم. وإذ ترفض إسرائيل أن تغيّر سياستها رغم نتائجها الفتّاكة والمتكرّرة لا بدّ من القول أنّ المسؤوليّة عن نتائج ذلك تقع على إسرائيل وعلى إسرائيل فقط.