Skip to main content
Menu
المواضيع

راية سوداء: عن المعاني الأخلاقيّة والقضائيّة لسياسة الاعتداء على البيوت السكنيّة في قطاع غزة في صيف 2014

ملخّص، كانون اول 2015

بيت عائلة الحاج الذي تم قصفه يوم 10/7/2014 في مخيم اللاجئين خان يونس. قتل ثمانية من افراد العائلة جراء القصف. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 10/7/2014.
بيت عائلة الحاج الذي تم قصفه يوم 10/7/2014 في مخيم اللاجئين خان يونس. قتل ثمانية من افراد العائلة جراء القصف. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 10/7/2014.

في يوم 8/7/2014، بدأت جولة جديدة من القتال في قطاع غزة، سُمّيت "عملية الجرف الصامد". وانتهى القتال بعد نحو خمسين يومًا باتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وفي أثناء القتال الذي شمل دخولاً برّيًا إلى مناطق القطاع، قصف الجيش الإسرائيليّ من الجوّ والبحر والبرّ آلاف الأهداف. وقد قُتل أكثر من 2,200 فلسطينيّ من بينهم مئات الأطفال. وهُدم أو تضرّر جدًا نحو 18,000 بيت، وظلّ أكثر من 100,000 فلسطينيّ من دون مأوى. أطلق الفلسطينيّون أثناء القتال أكثر من 4,000 قذيفة وقذيفة هاون من قطاع غزة، صُوّبت أساسًا نحو بلدات مدنيّة إسرائيليّة. ونتيجةً لذلك، قُتل في إسرائيل ستة مدنيّين، منهم طفل في الرابعة من عمره، إلى جانب مقتل 67 جنديًّا.

في اليوم الأول للقتال قصف الجيش الإسرائيليّ بيت عائلة كوارع في خان يونس. انهار البيت كلية، ما أدّى لمقتل تسعة أشخاص، من بينهم خمسة أطفال تراوحت أعمارهم بين 7-14 عامًا. كان هذا القصف الأوّل من بين عشرات حالات القصف من الجوّ ومن البرّ، التي تحوّلت إلى أكثر الصفات المميّزة والمثيرة للذعر للقتال الذي دار في القطاع أثناء الصيف المنصرم: عمليّات قصف قتلت مئات الأشخاص -أكثر من ربع الفلسطينيّين الذين قتلوا خلال القتال- والقصص المتكرّرة لعائلات فلسطينيّة وقتلاها الكُثُر، وعائلة بعد عائلة انهار ودُمّر بيتها وحياتها في لحظة.

لم تكن هذه الاعتداءات مبادرة ذاتيّة من الجنود أو الطيّارين أو القيادة الميدانيّة، بل تعبير وانعكاس للسياسة التي وضعها المستوى السياسيّ الإسرائيليّ والمستوى العسكريّ الإسرائيليّ الرفيع. لقد دعم هذا المستويان سياسة الاعتداءات على البيوت، وكرّرا مرة بعد أخرى الادّعاء القائل بأنّ هذه الاعتداءات تستوي مع أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، وتنصّلا من أيّ مسؤولية عن المسّ بالمدنيّين.

بغية تحضير هذا التقرير، قامت منظمة بتسيلم بفحص 70 حادثة، قُتل في كلّ واحدة منها أكثر من ثلاثة أشخاص كانوا يمكثون في داخل بيوتهم. وقُتل في هذه الأحداث في المجمل 606 فلسطينيًّا. غالبيّتهم الكبيرة لم يشاركوا في القتال: نحو 70% منهم كانوا دون سن الثامنة عشرة أو فوق سنّ الستين أو من النساء.

إنّ فحص هذه الحالات يشير إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ عمل في بعض الحالات على الأقلّ خلافًا لتعليمات القانون الإنسانيّ الدوليّ، فيما يُشتبه جدًّا بفعله ذلك في حالات أخرى. ومن الاستقصاء الذي أجرته منظمة بتسيلم يتّضح وجود ثلاثة أسباب أساسيّة أدّت إلى مقتل هذا العدد الكبير من المدنيّين:

أ. تعريف فضفاض لـ "هدف عسكريّ" يُسمح المسّ به

في أثناء القتال، قصف الجيش الإسرائيليّ عشرات المباني السكنيّة التابعة لناشطي حركتي حماس والجهاد الإسلاميّ، تعامل معها الجيش على أنها أهداف عسكريّة شرعيّة. وحاولت جهات رسميّة إسرائيليّة –منها المدّعي العسكريّ العام والناطق العسكريّ- الادّعاء أنّ الحديث يدور عن "بنى تحتيّة عمليّاتيّة" أو "بنى تحتيّة للقيادة والسيطرة في التنظيم" أو "بنى تحتيّة إرهابيّة".

من الممكن حقًا أن تشكّل المنازل السكنيّة التابعة لناشطي حماس أو التنظيمات الأخرى، أهدافًا عسكريّة شرعيّة، إلا أنّ الاختبار الذي وضعه القانون الإنسانيّ الدوليّ للبتّ في كون مبنًى ما "هدفًا عسكريًّا" أم لا هو اختبار مزدوج: يجب على المبنى أن يسهم إسهامًا فعّالاً في النشاط العسكريّ ويجب على المسّ به أن يمنح أفضليّة عسكريّة جليّة للجهة المعتدية.

وخلافًا لذلك، لم تدّعِ أيّ جهة رسميّة إسرائيليّة وجود علاقة بين بيت سكنيّ هوجم وبين أيّ نشاط عسكريّ جرى فيه، وبدلاً من ذلك، اكتفت هذه الجهات بتفصيل ضلوع أصحاب البيوت في النشاطات الموجّهة ضدّ إسرائيل في الراهن والماضي، أو بتوصيف نشاطات يمكن أن تتلخّص بمحادثة هاتفيّة أو لقاء، يمكن إجراؤهما في أيّ مكان.

التسويغات التي وفّرها الناطق العسكريّ والنيابة العسكريّة لهدم بيوت الناشطين غير مقنعة، ويبدو أنها لا تهدف إلا للتستّر على الدافع الحقيقيّ من وراء هدم هذه البيوت: هُويّة أصحابها. ووفقًا لذلك، فإنّ الحديث يدور عمليًّا عن عشرات عمليات عقابيّة لهدم البيوت –المحظورة بحدّ ذاتها- فوق ساكنيها. وفي ظلّ غياب معلومات عينيّة بخصوص الإسهام الفعّال للبيت في النشاط العسكريّ، والأفضليّة العسكريّة الجليّة المتوقّعة نتيجة لهدمه، فإنّ حقيقة كون البيت بملكيّة ناشط في الذراع العسكريّة لحماس أو الجهاد الإسلاميّ لا تحوّله إلى هدف عسكريّ شرعيٍّ يُسمح بالمسّ به.

ب. تفسير مَرن لمصطلح "ضرر عرضيّ" قانونيّ

تلتزم القوّات المقاتلة بالعمل وفق "مبدأ التناسبيّة"، الذي ينصّ على وجوب الامتناع عن هجوم ما إذا ما كان المسّ المتوقّع بالمدنيّين نتيجة له مبالغًا به، قياسًا بالأفضليّة العسكريّة المرجوّة من وراء هذا الهجوم. ولا يكون هذا المبدأ ذا صلة، طبعًا، إلاّ إذا كان هدف الهجوم هدفًا عسكريًّا شرعيًّا، ولولا ذلك فإنّ الهجوم نفسه لا يكون شرعيًّا أصلاً، من دون علاقة بـ "الأضرار المرافقة" المتوقعة.

يُفحص حجم الهجوم بناءً على التوقعات بخصوص الضرر المتوقع الذي سيلحق بالمدنيّين والأفضليّة العسكريّة التي ستنجم عنه، وليس بناءً على الضرر الذي يقع فعلاً. وعليه، فإنّ الإجابة على السؤال حول ما إذا كان الجيش قد تصرّف وفق مبدأ التناسبيّة أم لا، مرهونة بالمعلومات التي كانت متوفّرة لديه أثناء تنفيذ الهجوم.

ولكن في كلّ قصف كهذا انهارت فيها البيوت فوق رؤوس ساكنيها، قُتل مدنيّون لم يكونوا ضالعين في القتال. وبعد وقوع هجمات متكرّرة كهذه، كان على صُناع القرار توقُع المسّ الجسيم الذي تلحقه مثل هذه الهجمات. ورغم ذلك، تواصلت هذه الهجمات على طول فترة القتال ولم يطرأ أيّ تغيير على سياسة إطلاق النار على البيوت. وقد امتنعت جهات رسميّة –من الجيش الإسرائيليّ وخارجه- عن التطرّق إلى حالات عينيّة، وبدلاً من ذلك كرّرت طيلة الوقت الادّعاء العام بأنّ الجيش ينشط وفقًا لمبدأ التناسبيّة. ولكن، ومع غياب إثبات بأنّ الأفضليّة العسكريّة التي توخّى الجيش تحقيقها عبر هذه الهجمات كانت جليّة وحقيقيّة، فلا مفرّ من التوصل إلى الاستنتاج القائل بخرق هذا المبدأ.

جـ. غياب الإنذارات أو إصدار إنذارات غير فعّالة

سعيًا لتقليص المسّ اللاحق بالمدنيّين، طُولبت القوات المقاتلة بمنحهم إنذارًا ناجعًا مسبقًا قبل الاعتداء، "إلا إذا لم تسمح الظروف بذلك"، كي يكونوا قادرين على حماية أنفسهم. إنّ هذ الواجب منصوص عليه في القانون الإنسانيّ الدوليّ، ولا يجري الحديث هنا عن مِنّة يقوم بها الجيش الإسرائيليّ لصالح السكّان.

في أثناء القتال، استخدم الجيش الإسرائيليّ وسيلتي إنذار أساسيّتيْن: الأولى، إنذار لسكان بيت معيّن بأنّ الجيش على وشك الهجوم، بواسطة مكالمة هاتفيّة أو إطلاق صاروخ صغير نسبيًّا على سطح البيت. إلاّ أنّ هذه الإنذارات لم تكن فعّالة دائمًا: فأحيانًا لم يكن يُمنح السكان ما يكفي من الوقت لترك بيتهم، وأحيانًا لم يكن من الواضح عن أيّ بيت مستهدَف يتحدّثون. وفي حالات أخرى قام السكان الذين تلقوا الإنذار بترك البيت فعلاً، إلا أنّ القصف لحق بيوتًا مجاورة أيضًا أصيب سكانها الذين لم يتلقوْا إنذارًا. لا تملك بتسيلم إمكانية البتّ في ما إذا كان الجيش الأسرائيلي وجّه إنذارًا لهؤلاء السكان ولم يُفهم، أم أنّه لو يوجّه بتاتًا مثل هذا الإنذار.

الثانية، مطالبة السكان بمغادرة مناطق واسعة، عبر توزيع المناشير. وقد قام عشرات آلاف السكان، فعلاً، بإخلاء بيوتهم في أعقاب هذه الإنذارات. لكن، وفي بعض الحالات التي استقصتها بتسيلم، قُتلت بالذات العائلات التي فرّت من بيوتها في أعقاب أوامر الجيش الإسرائيليّ إلى الأحياء التي اُعتبرت أكثر أمانًا.

 

*  *  *

تنصّلت الجهات الرسميّة الإسرائيليّة من المسؤوليّة عن الضرر الهائل الذي لحق بالمدنيّين، وألقت بكامل المسؤوليّة على كاهل حماس. وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إنّ "الأذرع الأمنيّة تبذل كلّ جهد للامتناع عن المسّ بالمدنيّين وفي حال وقوع مسّ بالأبرياء فإنّ هذا نابع من اختباء حماس المتعمّد من وراء المدنيّين الفلسطينيّين".

يجب رفض هذه الادّعاءات. صحيح أنّ تنظيم حماس والتنظيمات المسلّحة الأخرى التي تنشط في القطاع لا تنشط وفق أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، وهي حتى لا تدّعي أنها تفعل ذلك. وكما أوضحت بتسيلم قبل القتال وأثناءه وبعده، فإنّ حماس انتهكت هذه الأحكام، وعلى الأخصّ الواجب الملقيّ عليها بالتمييز بين الأهداف المدنيّة وبين الأهداف العسكريّة: فلم ينحصر الأمر في أنّ حماس أطلقت النار صوب مدنيّين إسرائيليّين وأهداف مدنيّة إسرائيليّة، بل أنها فعلت ذلك من خلال نشاط أفرادها من داخل السكان المدنيّين، وهم يطلقون النار من أماكن مجاورة لبيوت المدنيّين، ويدفون السلاح في بيوت المدنيّين ويحفرون الأنفاق من تحتها.

وفي ظلّ هذا الواقع، فإنّ المسألة المطروحة للنقاش تتمثل في طابع الاستنتاجات التي يحقّ لصُناع السياسات استخلاصها منه. ووفقًا لأقوال رئيس الحكومة الإسرائيليّة، يتّضح أنّ المسؤوليّة بخصوص اتباع وسائل الحذر والوقاية تتوزع بين الجيش الإسرائيليّ وبين حماس. إلا أنّ هذا التفسير يهدف لصدّ أيّ ادعاء سلفًا ضدّ إسرائيل، وهذا يعني أنّها متحرّرة من أيّ قيد كان؛ وأنّ أيّ ردّ من طرفها على أفعال حماس، مهما كانت نتائجه فظيعة، هو ردّ شرعيّ. هذا التفسير غير معقول وغير قانونيّ، وهو يفرغ من مضمونها القاعدة التي تنصّ على عدم انعتاق الطرف الثاني من واجبه تجاه السكان المدنيّين والمواقع المدنيّة.

القتال ضدّ حماس يفرض حقًا تحدّيات بالغة الصعوبة: كيف يمكن في مثل هذه الظروف التمييز بين الأهداف العسكريّة الشرعيّة وبين المواقع والأشخاص المدنيّين؟ كيف يمكن الامتناع عن إلحاق الأذى بالمدنيّين الذين لا يشاركون في القتال، إذا كان ناشطو حماس يطلقون القذائف على بلدات إسرائيليّة من داخل التجمّعات السكنيّة؟ لا تدّعي منظمة بتسيلم أنها ستقدّم للحكومة الإسرائيليّة وللجيش مخطّطات عينيّة واضحة لإدارة القتال في غزة: هذه ليست مهمّة منظمة حقوق إنسان. الحكومة هي التي تتحمّل مسؤولية العثور على طرق لمواجهة هذه التحدّيات، من خلال الحفاظ على البُعد الإنسانيّ وعلى أحكام القانون.

الواضح أنّ السياسة الموصوفة في التقرير ليست ردًّا شرعيًّا على هذا التحدّي. وحتى لو اعتقد قباطنة الدولة والجيش أن تطبيق هذه السياسة سيؤدّي إلى وقف إطلاق القذائف على البلدات الإسرائيليّة، فإنّ تطبيقها يظلّ محظورًا بسبب نتائجها المتوقّعة والفظيعة، وبسبب الراية السوداء التي ترفرف فوقها.