سائد الخطيب (42 عامًا)، أب لطفلة من سكان مخيم جباليا للاجئين
حتى اندلاع الحرب، كنت أعيش مع والديّ ـ والدتي منى الخطيب (62 عامًا) ووالدي محمود الخطيب (68 عامًا) ـ ومع أختي سماح الخطيب، في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة.
في بداية الحرب استيقظنا على أصوات إطلاق الصواريخ. أدركت فورًا أن الوضع خطير، وربما تكون هذه بداية حرب. قررت تأمين احتياجات أساسية. بقينا في البيت إلى أن بدأ الاجتياح الأول الذي نفذه الجيش الإسرائيلي لمخيم جباليا. دخلوا المخيم من الجهة الغربية واقتربوا منا جدًا. قصفوا عدة بيوت قريبة منا وأطلقوا النار على عدد من الشبان في المنطقة.
قيّدوا يديّ وغطّوا عينيّ واقتادوني مع آخرين إلى أحد الأقسام. احتجزونا لساعات طويلة في ظروف قاسية، ضربونا وأهانونا.
عندما اقترب الجيش كثيرًا من منطقتنا، انتقلنا جميعًا إلى مدرسة قريبة تابعة للأونروا. أخذنا معنا ما استطعنا ونمنا في أحد الصفوف الدراسية. بعد ذلك عدتُ أنا بحذر شديد إلى البيت لجلب مستلزمات أساسية. خلال الاجتياح الأول، كان الوضع في المدرسة أيضًا بالغ الخطورة: فقد قصف الجيش المنطقة بدون توقف، دمّر مباني وفرض حصارًا كاملًا على المدرسة لمدة أسبوع. لم يكن بالإمكان الدخول أو الخروج وبقينا من دون ماء أو طعام، بينما كانت الطائرات المسيّرة تحلّق فوقنا طوال الوقت. رأينا كيف قام الجيش في مدرسة قريبة بإخلاء المهجرين بالقوة واحتجز الرجال ثم أحرق المبنى ورفع عليه علم إسرائيل. كما أطلق النار أيضًا على المدرسة التي كنا فيها. تضرّر جزء من المبنى وقُتل اثنان من المهجرين. منعنا الجنود من الاقتراب من النوافذ وأمروا الجميع بالتجمع في الطابق الأرضي، فيما أحاطت الدبابات بالمدرسة وألقى الجنود قنابل صوتية على البوابة.
بعدما انسحب الجيش وترك خلفه دمارًا كبيرًا في المنطقة، عدنا إلى بيتنا ووجدناه متضررًا بشكل طفيف نسبيًا، فبقينا لنسكن فيه. بعد نحو شهر، حذّر الجيش من أنه سيقصف بيوتًا أخرى في المنطقة، فاضطررنا إلى النزوح إلى المدرسة، مرة أخرى. في تلك المرحلة، كانت بيوت كثيرة في المخيم قد دُمّرت. كانت ظروف المعيشة في المدرسة قاسية جدًا: نقص حاد في الماء والطعام، كما عانينا لفترة طويلة من الجوع وكان ذلك أصعب حتى من القصف.
خلال الحرب، أنجبَت إحدى أخواتي طفلتها في مستشفى العودة، وبعد خروجها من المستشفى انضمت مع زوجها وطفلتهما إلينا في المدرسة. كان هنالك نقص حاد في الحفاضات وحليب الأطفال أيضًا. كنت أخرج عند الفجر محاولًا الحصول على طعام، لكنني بالكاد كنت أنجح في ذلك. في إحدى المرات حصلت على كيس قمح، قمت بطحنه ثم خلطته بقليل من الطحين الأبيض الذي كان لدينا، واستخدمناه بحذر شديد كي يكفينا لأطول فترة ممكنة. كان غذاؤنا فقيرًا جدًا ـ خبز فقط، دون أي إضافات، ونباتات برية مثل الخبيزة التي كنا نجمعها. كثير من العائلات اضطرت إلى أكل خبز مخبوز من علف مخصص للحيوانات. كان هناك أيضًا نقص حاد في الأدوية. مرضت ابنة أختي مرتين، والعلاج الوحيد الذي استطعنا تقديمه لها كان منقوع الأعشاب. وبسبب الجوع، كانت أختي تجد صعوبة في إرضاع طفلتها.
خلال الاجتياح الثاني لجباليا، تدهور الوضع بسرعة: وزّع الجيش منشورات تأمرنا بالإخلاء، كما هاجم المدرسة التي كنا فيها أيضًا. اضطررنا إلى المغادرة. أخذنا فقط الحاجيات الأكثر ضرورة وانتقلنا إلى مخزن صغير غرب مدينة غزة. بقينا هناك 21 يومًا، وعندما انسحب الجيش عدتُ إلى المخيم فوجدتُ دمارًا هائلًا. هذه المرة دُمّر بيتنا أيضًا وأُحرقت ثلاث مدارس في المخيم، بما فيها من أمتعة المهجرين التي كانت في داخلها. عدنا إلى السكن في غرفة صف كانت أقل تضررًا، في إحدى المدارس.
في 6.10.2024 بدأ الاجتياح الثالث الذي دمّر المخيم بالكامل تقريبًا. دخل الجيش من جهتين واستخدم الجرافات والروبوتات لتفجير المباني. سقطت قنابل في المدرسة فأصابت إحداها غرفة صفّ ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة اثنين، من بينهم أختي التي أُصيبت إصابة طفيفة. بعد ذلك انتقلنا إلى بيت أقارب لنا قرب مدرسة الفاخورة، ثم إلى مستشفى كمال عدوان وبقينا هناك. في أحد الأيام خرجتُ لإحضار الماء، وفي الطريق، عندما قفزت فوق سياج، التوَت قدمي. ساعدني الناس على العودة إلى المستشفى، ثم استخدمت عكازين. بقينا في المستشفى إلى أن أمر الجيش الجميع بإخلائه والتحرك باتجاه الحاجز الإندونيسي. خرجت عائلتي، لكنني بقيت لأنني لم أكن قادرًا على المشي. لاحقًا علمت أن الجنود احتجزوا والدي، رغم كبر سنه، وزوج أختي لمدة 12 ساعة. وبعد الإفراج عنهما، اضطرا للمشي على الأقدام حتى تمكنا من الانضمام إلى باقي أفراد العائلة.
في 25.10.2024، حاصر الجيش الإسرائيلي المستشفى، حيث كان يتواجد مهجرون وجرحى وطواقم طبية. دمّرت معدات ثقيلة السياج ودهست سيارات إسعاف وخيمة كانت تُستخدم لتخزين الأدوية. أمر الجيش الطواقم الطبية والمهجرين بالتجمع في قسم الطوارئ وطالبوا المدير، الدكتور حسام أبو صفية، بتسليم أسماء أفراد الطاقم وعددهم. كما طالبوا بإخلاء جزء من الطاقم إلى الحاجز الإندونيسي وطلبوا معلومات عن الجرحى ومرافقيهم. أجرى الجنود تفتيشًا في جميع مرافق المستشفى وفي الأغراض الشخصية للناس وطُلب من جميع مرافقي الجرحى التعريف عن أنفسهم وخلع ملابسهم.
أخذونا إلى مكان أطلقوا عليه اسم "الجحيم". [...] رفع أحد الشبان عصابة عينيه قليلًا فرأى جنديًا يصوّرنا بهاتفه ويُري الصور لزملائه وهو يشتمنا بالعبرية.
تم احتجازي أنا أيضًا، ثم خضعت للتحقيق وتعرّضت للضرب. قيّدوا يديّ وغطّوا عينيّ واقتادوني مع آخرين إلى أحد الأقسام. احتجزونا لساعات طويلة في ظروف قاسية، ضربونا وأهانونا، ثم أصعدونا بالقوة إلى شاحنات ونحن ما زلنا مقيّدين ومعصوبي الأعين.
قاموا بعدِّنا وأمروا كل واحد منا أن يتذكر رقمه. كنت أحمل الرقم 173. بعد ذلك أخذونا إلى مكان أطلقوا عليه اسم "الجحيم". ظلوا طوال الطريق يشتموننا ويهينوننا ويبصقون علينا. رفع أحد الشبان عصابة عينيه قليلًا فرأى جنديًا يصوّرنا بهاتفه ويُري الصور لزملائه وهو يشتمنا بالعبرية.
عندما وصلنا إلى الموقع الذي سمّوه "الجحيم"، استقبلونا بالضرب والشتائم. رمونا من الشاحنة إلى الأرض، وهو ما فاقم حالة قدمي التي ما زالت متورمة حتى اليوم. جرّني الجنود كما لو كنت حيوانًا. أجلسونا راكعين على الرُّكب في صف. كان هناك شبان تم إحضارهم قبلنا. أخبرني أحدهم بأنهم طلبوا ماء، فأعطوهم زجاجات مليئة بالبول. وعندما رموها، شتمهم الجنود. خلال وجودنا هناك، ضربونا وأطلقوا علينا الكلاب. صرخ أحد الجنود "إلى البِركة"، فدفعونا إلى بركة سباحة فارغة. لحسن الحظ، لم نبقَ هناك في الليل، لأنهم نقلونا إلى مركز الاعتقال "سديه تيمان".
كانت الرحلة إلى "سديه تيمان" قاسية جدًا. ظل الجنود الذين رافقونا في الحافلة يضربوننا طوال الطريق، بأيديهم وبأسلحتهم، كما أطفأوا السجائر على أجسادنا، شتمونا وأهانونا. أمروا أحد الشبان بالغناء، ثم ضحكوا وسخروا منه.
جرّني الجنود كما لو كنت حيوانًا. أجلسونا راكعين على الرُّكب في صف. كان هناك شبان تم إحضارهم قبلنا. أخبرني أحدهم بأنهم طلبوا ماء، فأعطوهم زجاجات مليئة بالبول.
عند دخولنا إلى "سديه تيمان"، فكّوا القيود البلاستيكية ثم قيّدوا أيدينا إلى الخلف بأصفاد معدنية. أنزلوا لنا الملابس الداخلية وبقينا عراة تمامًا، إلى أن أعطونا قميصًا داخليًا وسروالًا داخليًا وقميصًا قصير الأكمام وبنطالًا ـ طقم ملابس بقينا نلبسه لفترة طويلة.
كنا نحو 20 شخصًا وأُمرونا بالركوع. دار حولنا جندي معه كلب. أخذونا واحدًا واحدًا إلى غرفة صغيرة، سجّلوا تفاصيلنا، أزالوا عصابة العين أمام كاميرا ومسحوا أعيننا، ثم أعادونا. أخذوني أنا إلى غرفة استُخدمت كعيادة، وهناك أعطوني ماءً. سألني الطبيب: "ممَّ تعاني؟". أخبرته أن قدمي قد التوت عندما قفزت فوق سياج. أعطاني مسكنًا للألم ولفّ قدمي بضماد، ثم أعادوني إلى الآخرين.
بعد ذلك أدخلونا إلى بركس كان أشبه بقفص حديدي، وكان فيه "شاويش" (أسير مكلف بأن يكون حلقة وصل بين السجّانين والأسرى). كنا ما زلنا مقيّدين إلى الخلف وهناك قيّدوا أيدينا إلى الأمام بالأصفاد نفسها وفكّوا القيود عن أرجلنا، ثم نقلونا إلى بركس آخر حيث جلسنا على أسرّة بلا فرشات. قال الشاويش: "ممنوع إنزال عصابة العين ـ يُسمَح فقط برفعها قليلًا". في الليل كانوا يعطوننا فرشات رفيعة، ثم يأخذونها في الصباح.
كنا نحصل على وجبة فطور تشمل خبزًا يابسًا وعلبتي لبنة لـ40 معتقلًا. حصل كل واحد على ملعقة لبنة وقطعة خبز يابس. في الظهر وزّعوا علبة تونة وقطع خبز يابس.
دخلت إلى البركس وحدة قمع. ألقى أفرادها قنابل صوتية، أمرونا بالاستلقاء على بطوننا مع وضع الأيدي على الرؤوس وشتمونا. في نهاية العملية ألقوا قنبلة غاز مسيل للدموع داخل البركس.
في ذلك اليوم دخلت إلى البركس وحدة قمع. ألقى أفرادها قنابل صوتية، أمرونا بالاستلقاء على بطوننا مع وضع الأيدي على الرؤوس وشتمونا. في نهاية العملية ألقوا قنبلة غاز مسيل للدموع داخل البركس. عانينا جميعًا من استنشاق الغاز، خاصة من يعانون من مشاكل في القلب أو الذبحة الصدرية. كان هناك معتقلون اختنقوا فعليًا، وأحدهم أُغمي عليه. وبسبب حالتنا الصعبة، أخذونا لغسل وجوهنا في المراحيض.
في "سديه تيمان" كانت هناك أربعة بركسات، والبركس الذي احتُجزنا فيه أولًا كانت ظروفه قاسية جدًا، شملت ضربًا وإهانات يومية. أجبرونا على الركوع أو الوقوف لساعات طويلة. مُنعنا من التحدث مع بعضنا أو التحرك، وكان من الصعب جدًا حتى أداء الصلاة بشكل لائق. حصلنا على طعام قليل جدًا، معظمه خبز يابس. أكثر ما عانينا منه كان البرد ومن كوننا مقيّدين طوال الوقت: كنا نأكل ونحن مقيّدون، نستحم ونحن مقيّدون، وننام ونحن مقيّدون، وأحيانًا لم نتمكن من استخدام المرحاض أو الاستحمام. ازرقت معاصمنا بسبب الأصفاد. طلبت من السجّانين تخفيف القيود التي كانت تضغط بشدة، لكنهم رفضوا. حتى اليوم أعاني من ضعف في الأصابع وتنميل.
سألني المحقق أين كنت في 7 تشرين الأول، وهل أعرف مواقع مختطفين أو أنفاق أو عناصر حماس. [...] في نهاية التحقيق عرض عليّ التعاون مع الجيش الإسرائيلي.
بعد 20 يومًا نقلونا إلى عنبر آخر كانت ظروفه أقل قسوة قليلًا: لم يكن هناك جنود داخل العنبر، وكان بإمكاننا التحرك قليلًا، وكان البرد أقل. في مرحلة ما، جلبوا إلى هناك معتقلين جدد، بعضهم كان مصابًا. بعد فترة، أزالوا القيود وعصابات العين. لكن بعد يومين، اقتحمت وحدات القمع عنبرنا في عملية قاسية وعنيفة.
بعد ذلك نقلونا إلى غرف التحقيق. سألني المحقق أين كنت في 7 أكتوبر، وهل أعرف مواقع مختطفين أو أنفاق أو عناصر حماس. شرحت أنني مدني عادي، غير منخرط في أي نشاط عسكري، وأن كل اهتمامي هو بعائلتي. في نهاية التحقيق عرض عليّ التعاون مع الجيش الإسرائيلي وقال: “ساعدنا نساعدك”. رفضت. سألني إن كان لدي جواز سفر، وعندما قلت نعم، سأل إن كنت أنوي الهجرة بعد الإفراج عني. أجبت بأنني لا أستطيع ترك أمي وابنتي.
في الطريق من التحقيق وإليه، ضربونا وشتمونا.
في أحد الأيام، أثناء نومنا في الغرفة 5–6، جاءت جندية. قيّدونا، غطّوا أعيننا، وقالوا لنا أن نعود للنوم هكذا. كانت ليلة قاسية. في الصباح، أخذوني مع خمسة معتقلين آخرين إلى مكان يُدعى B1. عند وصولنا، أخذوا اثنين للتحقيق في مكان آخر، وأبقونا نحن هناك. كنا 50 معتقلًا في B1. نمت هناك على الأرض، وكل شيء كان تعذيبًا: الطعام، الماء، دخول المرحاض. نفّذوا عمليات قمع يومية، وضربونا ضربًا مبرحًا لا يُحتمل.
أحضروا كلابًا كبيرة جدًا ومخيفة، بحجم الخراف. أمروا اثنين من المعتقلين بالخروج. كان أحدهما طبيبًا مختصًا بالصحة النفسية. عندما عادا، أخبرانا بأنهم جَرّدوهما من ملابسهما في الخارج وأجبروا كلبًا كبيرًا على التسلق عليهما.
بعد أن عانينا طويلًا من البرد، أحضروا لنا معاطف خفيفة، وأضافوا تفاحة أو بندورة إلى الطعام. بسبب قلة الطعام، بدأت أنا وعدد من الشبان بالصيام خلال النهار والاحتفاظ بكل الطعام للمساء لنأكل وجبة أكثر إشباعًا قبل النوم. عندما اكتشف الجنود ذلك، صادرت جندية الطعام الذي احتفظنا به ومنعتنا من الاحتفاظ بالطعام للمساء. اضطررنا للامتثال. في عنابر أخرى لم يمتثلوا، فصادروا طعامهم وضربوهم أيضًا.
آخر عملية قمع تعرّضت لها كانت قبل ثلاثة أيام من إطلاق سراحي. أمرونا بالاستلقاء على بطوننا وأحضروا كلابًا كبيرة جدًا ومخيفة، بحجم الخراف. أمروا اثنين من المعتقلين بالخروج. أحدهما كان طبيب صحة نفسية. عندما عادوا، أخبرونا أنهم جُرّدوا من ملابسهم في الخارج، وأجبروا كلبًا كبيرًا على الصعود فوقهم والوقوف على صدورهم. كان الجيش الإسرائيلي يستهدف إذلال الأطباء والطواقم الطبية من مستشفيات شمال القطاع بشكل خاص.
كان هناك فتيان معتقلون أعمارهم 16–17 عامًا، تعرّض لهم جنود وجنديات، مثل فتى مريض كانوا يوقظونه ليلًا، ينقلونه من سرير إلى آخر، ويضايقونه حتى انفجر بالبكاء. كما اعتدوا على أسير كان قاضيًا في محكمة شرعية، ضربوه، كسروا أسنانه الأمامية، وأهانوه. أسير آخر كان يعاني من ضغط دم مرتفع ومرض السكري، وكان يتبول على نفسه بسبب البرد أو أثناء عمليات القمع، واضطررنا للتوسل للسجّانين لإحضار ملابس بديلة له. كان هناك أسرى مسنون أو من ذوي الإعاقة احتاجوا لمساعدة أسرى آخرين لاستخدام المرحاض، من بينهم شخص بُترت ساقه بعد إصابته برصاص في ميدان النابلسي، ولم يكن لديه كرسي متحرك.
في يوم الإفراج عني، وصل إلى العنبر ضابط مسؤول عن نقل الأسرى ونادى رقمي. قال لي بالعبرية: “تعال. وضعك جيد؟ عندك أمراض؟ تستطيع المشي؟” نادى أيضًا على شبان آخرين. كنا بين 10 و15 أسيرًا. في تلك الليلة، عندما ذهبت للنوم، أدركت أنني على الأرجح سأُفرج عني فعلًا.
في صباح اليوم التالي، 29.12.2024، جاءت جندية ونادت علينا. قلت لها اسمي ورقمي، وتقدمت إلى باب العنبر. قيّدوا أيدينا وأرجلنا، غطّوا أعيننا، وأمرونا بالركوع. انتظرنا هكذا نحو نصف ساعة. ثم أخذونا زحفًا على الركب، ورؤوسنا منخفضة، إلى عنبر آخر. بقينا هناك قرابة ساعة، إلى أن جمعوا باقي الأسرى من عنابر أخرى. ضربونا، شتمونا، ومنعونا من الحركة. عندما طلبنا ماءً قالوا “لا يوجد”، وعندما طلبنا دخول المرحاض قالوا “ممنوع”.
كان هناك فتيان معتقلون أعمارهم 16-17 عامًا، تعرّض لهم جنود وجنديات، مثل فتى مريض كانوا يوقظونه ليلًا، ينقلونه من سرير إلى آخر ويضايقونه حتى كان ينفجر بالبكاء.
بعد ذلك وصل مجددًا الضابط المسؤول عن النقل، وصعدنا إلى الحافلة. قيّدوا أيدينا إلى الخلف، وأمرونا بوضع رؤوسنا على ظهر المقعد أمامنا. تحركت الحافلة باتجاه المعبر. في الطريق، غنّى الجنود وسخروا منا. أعلن الضابط: “أنا الضابط. أنتم مفرج عنكم. لا أحد يتحرك”. حاول تضليلنا وقال إنهم يأخذوننا إلى معبر طولكرم، لكننا سافرنا إلى معبر كرم أبو سالم (كرم شالوم).
قبل الوصول، قال الضابط: “سنفك القيود عن أيديكم وأرجلكم ونُبقي عصابة العين”. فقط قبل النزول من الحافلة أزالوا العصابات وأعادوا لنا أغراضنا وبطاقات الهوية. لكن أغراضي كانت قد سُرقت في مستشفى كمال عدوان، ولم أستعد لا بطاقة هويتي ولا المال ولا الهاتف.
عندما نزلنا من الحافلة، قال الضابط: “اذهبوا إلى المعبر وادخلوا إلى غزة”. سرنا والتقينا بأشخاص من الصليب الأحمر. في الساعة العاشرة صباحًا صعدنا إلى حافلة، ووزعوا علينا ماءً وبسكويتًا. بعد ذلك أخذونا إلى المستشفى الأوروبي حيث خضعنا لفحوصات. أعطانا موظفو الصليب الأحمر ملابس وهواتف للاتصال بعائلاتنا، ومبلغ 400 شيكل لكل واحد.
قلت لموظف الصليب الأحمر إنه ليس لدينا مأوى، لأن عائلاتنا في شمال القطاع. بعد ذلك وصلت إلى مدرسة وحصلت على خيمة، لكنني نمت فيها ليلة واحدة فقط لأنها انهارت بسبب المطر.
الآن أنا في دير البلح. أتنقل كل مرة بين أصدقاء ومعارف وأقارب. حتى اليوم لم أتلقَّ أي مساعدة إضافية: لا خيمة، لا طرد غذائي، ولا مكان للنوم. وضعي صعب جدًا. لا أحد يهتم بنا. رغم المعاناة القاسية في شمال القطاع، كنت أفضل أن أكون هناك، مع عائلتي، على أن أكون في الجنوب بهذه الظروف.
بعد الإفراج عني، علمت أن شقيقيّ محمد الخطيب، 40 عامًا، ووائل الخطيب، 29 عامًا، اعتُقلا في 27.12.2024 في مستشفى كمال عدوان، في اليوم نفسه الذي اعتُقل فيه مدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية. كان محمد منوّمًا في المستشفى بسبب إصابته في يده اليمنى ورجله اليمنى. وكان وائل هناك لمرافقته لأنه لم يكن قادرًا على المشي أو الاعتماد على نفسه. كان بحاجة إلى عمليات جراحية، لكن لم يكن بالإمكان إجراؤها في المستشفى، فاقتصر العلاج على الإسعافات الأولية. لا أعلم إن كان قد تلقى علاجًا في مستشفى إسرائيلي بعد اعتقاله.
أحاول معرفة ما جرى لهما. علمت من معتقلين أُفرج عنهم أن محمد فقد الكثير من وزنه، وهو مرهق ووضعه الصحي صعب، بسبب الإصابة والإهمال.
محمد متزوج وأب لثلاثة أطفال. خلال الحرب وُلد له طفل كان بحاجة إلى رعاية طبية ولم ينجُ. كان في حضّانة مستشفى الشفاء، وتوفي بسبب نقص الأكسجين عندما اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى. وائل متزوج وأب لثلاثة – ولدين وبنت. بحسب ما عُلم لي، نُقل الاثنان إلى سديه تيمان في 28.12.2024. طلبت من الصليب الأحمر الاستفسار عن مصيرهما، وأكدوا أنهما محتجزان في سديه تيمان.
الآن أنتظر فتح شارع الرشيد كي أتمكن من العودة شمالًا، إلى مخيم جباليا، ولقاء ابنتي وبقية عائلتي. أشتاق إليهم كثيرًا وأنتظر ذلك بشوق كبير.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 26.1.25