تشنّ إسرائيل منذ أكثر من عام حرباً لا هوادة فيها ضدّ الشعب الفلسطينيّ في قطاع غزّة والضفة الغربيّة وداخل حدود دولة إسرائيل. والعنف، الذي ميّز تعامل نظام الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيليّ مع الشعب الفلسطينيّ على الدوام، تمظهر خلال السّنة الأخيرة في أوضح صُوره وأكثرها مباشرة. بين أيديكم تقرير حالة يركّز على أحد هذه التمظهُرات لهذا العُنف: حالات متكرّرة من التنكيل القسي الذي مارسه جنود إسرائيليّون ضدّ فلسطينيّين في وسط مدينة الخليل خلال صيف 2024...
إصدار مذكّرتيّ الاعتقال الدوليتين بحق اثنين من القادة السياسيين الإسرائيليين بشبهة المسؤولية عن تنفيذ جرائم التجويع، الملاحقة والاعتداءات المتعمّدة بحق مواطنين، يشكل إحدى نقاط الحضيض القاسية في التاريخ الإسرائيلي. للأسف الشديد، من كل ما هو معروف لنا حول سلوك إسرائيل في قطاع غزة خلال السنة الأخيرة ـ والذي جرى بعلم رئيس الحكومة وأعضاء المجلس الوزاري وبتوجيه منهم ـ لسنا متفاجئين من أن الأدلة تشير حقًا إلى أن نتنياهو وغالانت مسؤولان عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية...
في يوم الجمعة الموافق 6.9.24، قرابة الساعة 15:00، حضر عشرات المستوطنين، وكان بعضهم مسلّحًا، إلى الجهة الجنوبيّة من قرية قريوت في محافظة نابلس. توقّف جنود كانوا يرافقون المستوطنين بسيّارة جيب عسكريّة قرب نبع سيلون، الذي يبعد عن منازل السكّان نحو كيلومتر واحد. صعد بعض الجنود سيرًا على الأقدام في الشارع المؤدّي إلى القرية وتوقّفوا على بُعد نحو مائة متر عن منازلها، وأخذوا يطلقون النار بين الحين والآخر من هناك باتّجاه السكّان الذين تجمّعوا للدفاع عن قريتهم. تقدّم المستوطنون إلى مسافة نحو مائة متر من منازل القرية وأخذوا يرشقونها بالحجارة من هناك. ثمّ تقدّم ثلاثة مستوطنين، كان أحدهم يحمل زجاجة حارقة، نحو أحد المنازل وحاولوا إشعال النار فيه، إلّا أنّ السكّان تصدّوا لهم وبدأوا بمطاردتهم. وفي أثناء المطاردة ألقى أحد المستوطنين حجرًا فأصاب محمّد موسى (28 عامًا) وجرحه في فكّه. فنُقِل لتلقّي العلاج في المستشفى ورقد فيه حتّى 18.9.24.
في يوم الجُمعة الموافق 6.9.24 تجمّع نحو 100- 150 من أهالي بلدة بيتا ومعهُم نحو 20 ناشطاً أجنبيّاً وإسرائيليّاً للخروج في التظاهُرة الأسبوعيّة ضد إقامة بؤرة "أفيتار" الاستيطانيّة على أراضي البلدة، فوق جبل صبيح. قبل أن تُصبح السّاعة 12:00 كان عدد من الجنود قد وصلوا وانتشروا قرب الحديقة العامّة في منطقة كرم نمر، على تلّة تقع جنوب بلدة بيتا حيث تُقام في العادة صلاة قبل انطلاق التظاهُرة. نحو السّاعة 12:15، حين تجمّع الأهالي لتأدية الصّلاة، جاءت الناشطة عايْشة نور إزغي إيغي (26 عامًا) مع ناشطين أجانب آخرين...
لا يُمكن وصْف حجم الجريمة التي ترتكبها إسرائيل في هذه اللّحظات في شمال قطاع غزّة من أجل إفراغه تماماً من السكّان الذين بقوا هناك. ليس فقط لأنّ الكلمات تعجز عن وصْف أحْوال مئات آلاف الأشخاص الذين يتضوّرون جوعاً ويُعانون الأمراض، أو استحالة الحُصول على العلاج الطبّي أو التعرّض للقصْف وإطلاق النيران المتواصلين وإنّما لأنّ إسرائيل، حرفيّاً، قد عزلتهم تماماً عن العالم. منذ أن بدأت الحملة العسكريّة الإسرائيليّة الحاليّة في شمال قطاع غزّة، في 5 تشرين الأوّل، والمنطقة تحت حصار شبْه كامل وهجمات عسكريّة متواصلة. وفيما عدا الحالات الاستثنائيّة للغاية، تمنع إسرائيل قطعيّاً نقل الإغاثة الإنسانيّة ودُخول طواقم الطوارئ إلى المنطقة، وتستغلّ تحوّل وُجهة انتباه العالم لكي تفرض وقائع نهائيّة على الأرض.
اليوم استنهضت منظمات حقوق إنسان إسرائيليّة المجتمع الدوليّ لكي يعمل الآن على منع إسرائيل من تهجير مئات آلاف الفلسطينيّين الذين بقوا في شمال قطاع غزّة إلى خارج المنطقة وهي تقوم بذلك ضمن وسائل أخرى عبر منع إدخال الإغاثة الإنسانيّة الضروريّة والوقود. المؤسسات المشاركة في التحالف الإسرائيليّ لوقف إطلاق النار قالت إنّ هناك مؤشّرات مقلقة على أنّ الجيش الإسرائيليّ قد باشر في تطبيق غير معلن لـ"خطّة الجنرالات" والمعروفة أيضاً باسم "خطة آيلاند" والتي تدعو إلى نقل قسريّ لجميع سكّان شمال قطاع غزّة بواسطة تشديد الحصار على المنطقة وتجويع السكّان.
أصبحت البؤر الاستيطانيّة و"المزارع" الاستيطانية، خلال العقد الأخير، إحدى الطرق الرئيسة التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربيّة ولطرد التجمّعات الفلسطينيّة التي تعيش عليها. بخلاف الخطوات الرسميّة التي يتمّ اتّخاذها لإقامة مستوطنات، فإنّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة يمكن أن يُنفّذ بسرعة ويتطلّب موارد وقوى بشريّة قليلة نسبيًّا. كما أنّ الاستيلاء على ـأراضٍ زراعية من خلال البؤر الاستيطانيّة والمزارع، يسمح للدولة بالتنصّل من المسؤوليّة عن الاستيلاء على الأرض وعن الممارسات العنيفة وغير القانونيّة التي يرتكبها المستوطنون ، رغم أنّها تدعم هذه البؤر الاستيطانيّة بشتّى الطرق. وبذلك، تنجح الدولة في عرض ممارسات المستوطنين - مبعوثيها - كمسألة تعلق بإنفاذ القانون فحسب، بدلًا من كونها قضيّة متعلّقة بسياسة منتهجة.
في يوم الثلاثاء لموافق 10.9.24 قرابة الساعة 11:00، بينما كان سمير صافي يقود سيارته في الجزء الشرقي من قرية دير دبوان، اعترضت طريقه سيارة تندر مدنية وفيها جندي ومستوطنان. عاد صافي إلى الخلف وحاول الاستدارة، فنزل الجندي من سيارة التندر وركض نحو سيارة صافي وفتح بابها ثم أمره بالنزول منها. في الأثناء، المستوطن الذي كان يقود سيارة التندر استدار بها وتوقف ثم نزل منها المستوطنان وكانا مسلّحين بالهراوات. خرج صافي من سيارته فأمره الجندي بالانصراف من المكان. وبعد أن نفذ صافي الأمر، دخل الجندي إلى سيارة صافي وقادها مغادرًا بها المكان. أبلغ صافي مكتب التنسيق والارتباط الفلسطيني بسرقة سيارته.
في يوم الأربعاء الموافق 24.7.24، نحو السّاعة 6:30، دخلت إلى مدينة طوباس مركبات "جيب" عسكريّة ومركبة تجاريّة بيضاء تحمل لوحات فلسطينيّة وفي داخلها جنود، بعضهم ملثّمون وبعضهم بلباس مدنيّ. دخلت المركبة إلى موقف سيّارات ترابيّ مجاور لمقرّ شرطة الجمارك الفلسطينيّة وترجّل منها شخصان بلباس مدنيّ. ألقى الاثنان التحيّة على عناصر شرطة الجمارك الذين كانوا واقفين عند مدخل البناية ثمّ نزل من المركبة ثلاثة جنود بالزيّ العسكريّ.
[...] حوالي الساعة 17:10 تجمع في أحد أزقة مخيم الأمعري للاجئين 20- 30 شابًا وولدًا وقام بعضهم برشق القوات في المفرق بالحجارة. لكنهم كانوا بعيدين عن الجنود الذين ردوا بإطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت. قبل إطلاق النار بوقت قصير غادر الطفل محمد حوشيّة (12 عاماً) ملعب كرة القدم في مخيّم الأمعري للّاجئين. نحو الساعة 18:15 خرج من زقاق يُفضي من المخيّم إلى شارع حيفا ويبعد نحو 15 متراً عن المفترق الذي وقفت فيه سيارات "الجيب" العسكريّة، ومن هناك واصل سيره غرباً متّجهاً نحو منزله. عندما سمع محمد الجنود يُطلقون الرّصاص أخذ يركض غرباً نحو منزله ومُبتعداً عن محلّ غسيل للسيّارات دهمه الجنود. في شريط الفيديو الذي تم تصويره من جهة الغرب، يظهر محمد وهو يركض مبتعداً عن الجنود ثمّ تُسمع عدّة طلقات أخرى يظهر من بعدها محمد مصاباً وملقىً على الرّصيف، على بُعد 70-75 متراً من الجنود الذين أ طلقوا النار، من الجهة المقابلة من الشارع كما يبدو....
في الليلة بين 21-20.3.24 دخلت قوّة من الجيش وحرس الحدود وشرطة إسرائيل إلى أحياء كفر عقب وأمّ الشرايط، شمالي شرق القدس، ونفّذت فيها عمليّة اعتقال. قرابة الساعة 5:00 فجرًا، عندما خرجت القوّة من المنطقة، كان نحو 15 شابًّا ينتظرونها على أطراف حيّ سطح مرحبا في البيرة، قرب شارع رام الله - القدس الرئيسيّ الذي عبرتْ فيه. بعد أن انعطفت القوّة إلى داخل حيّ سطح مرحبا دخل الشبّان أيضًا إلى داخل الحيّ عبر الأزقّة، حيث ألقوا الحجارة عن بُعد نحو عشرة أمتار صوب المركبات المحصَّنة التي واصلت طريقها باتّجاه مستوطنة "كوخاف يعقوف".
"في الأيام الأخيرة ومنذ انتشار نبأ مقتل المخطوفين الستة، يخرج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع - غاضبين يائسين يشعرون بأن الدولة قد خانتهم. أصبحوا يدركون أن الحكومة الإسرائيلية ليست معنية بإعادة المخطوفين في إطار صفقة ووقف الحرب، بل العكس ـ الاستمرار فيها أكثر فأكثر. وبأن الاحتلال والمستوطنات أهم من حياة البشر بكثير"، هذا ما قالته مديرة بتسيلم يولي نوفاك، التي ألقت الساعة 22:00 من مساء أمس (الأربعاء) كلمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. شاهدوا كلمة مديرة بتسيلم.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.