منذ أربعة أشهر يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على حجج المعتقلين وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة بحثت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عنها. ويؤكد المعتقلون أنّ إجراءات المحاكم بشأن أوامر اعتقالهم هي مسرحية للإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثّل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها.
هذه صابرين قديح (40 عاماً) وهذا والدها عبد الرّحمن قديح. كلّ منهما في صورة منفصلة، تماماً مثلما عاشا معزولين عن بعضهما طوال سنوات كثيرة بحُكم واقع فرضته عليهما إسرائيل. حتى بعد أن مرض الوالد في شباط الماضي، واصلت إسرائيل منع صابرين من رؤية والدها ووداعه. والآن، بعد أن فارق الحياة قبل نحو ثلاثة أسابيع وهو في سن 70 عاماً، لا تزال تمنعها من زيارة قبره.
ثماني سنوات كاملة استمرت محاولات دعاء وزوجها جلال المصري لإنجاب أطفال، لكنّ محاولاتهما لم تتكلل بالنجاح. أجهضت دعاء عدّة مرّات وتلقّت علاجات كثيرة ومؤلمة ومُكلفة. لكن في العام 2020 نجحت أخيراً وأنجبت ابنتها البكر فاطمة التي تظهر هنا في صورة التُقطت أثناء نُزهة عائليّة في شاطئ قطاع غزّة. عندما بلغت فاطمة تسعة أشهُر من عمرها احتاجت إلى علاج طبي لإنقاذ حياتها لكنّ ممارسات إسرائيل جعلت جهاز الصحّة في قطاع غزّة عاجزاً عن توفير هذا العلاج. كذلك، لم تسمح لها إسرائيل بالخروج من قطاع غزّة لتلقّي العلاج في مكان آخر. وفي 25.3.22 توفّيت فاطمة وهي ابنة سنة وسبعة أشهر فقط.
في 27.3.22 اقتحم جنديّان محلاً لبيع قطع الغيار تملكه عائلة دار خليل وحطّموا زجاج سيّارات بحجة أنّ أولاداً رشقوا حجارة في اليوم السّابق وفرّوا إلى هناك. أفراد العائلة اشتكوا ممارسات الجنديين أمام ضابط مر من هناك في تلك اللحظات لكنه تجاهل شكواهم وسارع إلى مغادرة المكان مُصطحِباً معه الجنديين. عندما اتّصل أفراد العائلة بالشرطة طُلب منهم الوصول إلى محطّة الشرطة لتقديم شكوى. أداء الجهات الرسميّة كلها في هذه الحالة يعكس استهتار السلطات الإسرائيلية المطلق بالفلسطينيّين ويوضح جيّداً أنّ أحداً لن يُحاسَب على المسّ بالفلسطينيين أو بممتلكاتهم.
في 22.2.22 قتل جنود في محافظة بيت لحم الفتى محمد صلاح (13 عاماً) الذي ألقى زجاجة حارقة. بعد مضيّ أسبوع، في 1.3.22، قتل جنود الشاب عمّار أبو عفيفة (18 عاماً) بينما كان يتنزه مع صديقه. قُتل الاثنان في حادثتين منفردتين وفي ملابسات مختلفة، لكنّ كليهما ضحيّة لسياسة إطلاق النيران المنفلتة والفتّاكة نفسها التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة. بموجب هذه السّياسة، يُعتبر الفلسطينيّون مشبوهين وخطيرين دائماً، ولذلك يكون إطلاق النيران الحية والفتاكة الخيار الأول لدى الجنود في حالات كثيرة. وبما أن هذه هي السياسة فلا تجري محاسبة أحدٍ على ذلك بالطبع.
يوم الثلاثاء 15.2.22 كان ثمانية جنود يتقدمون نحو قرية النبي صالح فرشقهم عشرة شبّان وفتية بالحجارة عن بُعد مائة متر فيما تقدّم بعضهم نحو الجنود عبر كرم زيتون ولوز. تقدّم اثنان من الجنود نحو الشبّان. أطلق الجنود النار فأصابوا نهاد دار العيس (برغوثي) من الخلف عن بُعد نحو 70 متراً وقتلوه دون أن يشكّل خطراً عليهم ودون مبرر. لم يقدم الجنود الإسعاف للمُصاب، بل هدّدوا بسلاحهم كلّ من حاول مساعدته. نهاد دار العيس هو الفلسطينيّ السّادس الذي يُقتل برصاص قوّات الجيش منذ بدأت المظاهرات والمواجهات في القرية عام 2009 ضدّ الاستيلاء على أراضيها وعلى نبع مجاور.
مساء 13.2.22 دهمت قوّة من الجيش وحرس الحدود بلدة سيلة الحارثيّة لهدم منازل. على بُعد مئات الأمتار أشعل فتية فلسطينيّون إطارات وهتفوا شعارات. في العاشرة ليلاً مرّت هناك سيّارة فلسطينيّة أطلق ركّابها النار وفرّوا. بعد ثوانٍ أطلق الجنود الرّصاص من كمين في منزل مجاور فأصابت رصاصة محمد أبو صلاح (16 عاماً) في رأسه أثناء فراره. إطلاق الجنود النار نحو محمد أبو صلاح كان غير مبرَّر وغير قانوني لأنه لم يشكل خطراً عليهم. المسؤوليّة عن قتله يتحملها أساساً الضبّاط الذين أرسلوا جنوداً ليكمنوا في الظلام مسلّحين بالذّخيرة الحيّة في منطقة مأهولة وقرب متظاهرين.
يوم 6.3.22 أوقف أفراد شرطة حرس الحدود طفلين (9 أعوام و12 عاماً) من حي العيساوية في شرقي القدس. حاول أحد سكان الحي إقناع أفراد الشرطة بإخلاء سبيل الطفلين، لكن عبثاً. كذلك لم تنجح والدتا الطفلين اللتان حضرتا إلى المكان في إطلاق سراحهما. في نهاية المطاف، اقتيد الطفلان والوالدتان إلى محطة الشرطة. الطفل ابن الـ 12 عاماً أُخضِع للتحقيق وهو لوحده وأُفرج عنه بعد ثلاث ساعات. أفراد الشرطة هددوا والدة الطفل ابن الـ 9 سنوات بأخذه منها إذا عاد إلى رشق الحجارة. وقد نشرت الشرطة فيديو تظهر فيه مجموعة من الأطفال يرشقون الحجارة على الشارع، لكن المؤكد أن ما تضمنه هذا الشريط لا يبرر التصرف الذي صدر عن الشرطة في هذه الحادثة.
في ظهيرة يوم الاثنين الموافق 20.12.21 اقتحم جيبان عسكريّان و"تندر" مدنيّ أطراف قرية المزرعة القبليّة فرشقهم بالحجارة نحو عشرين فتىً وشابّاً فردّ الجنود بدورهم بإطلاق قنابل الصّوت والغاز المُسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" نحو الفتية والشبان. بعد نحو رُبع سّاعة خرجت المركبات من القرية فيما تواصل رشقها بالحجارة. توقّف الجيب العسكريّ الذي كان يسير في المؤخّرة وترجّل منه جنديّ أطلق الرّصاص الحيّ نحو راشقي الحجارة وأصاب "م. ل." في ظهره أثناء فراره من المكان. إطلاق الجنود النار خلال مغادرتهم المكان ودون أن يتعرضوا لأيّ خطر يهدد الحياة هو تعبير آخر عن سياسة إطلاق النار المنفلتة التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة وعن استهتارها بسلامة الفلسطينيّين بل بحياتهم أيضاً.
في 16.12.21 قتل فلسطينيون يهودا ديمنتمان (25 عاماً) في الموقع الذي أُخلِيت منه مستوطنة حومش. خلال الأيام التي تلت ذلك، نفذ المستوطنون اعتداءات على الفلسطينيين في منازلهم وفي الشوارع بينما أقام الجيش في المقابل حواجز وأغلق طرقاً يستخدمها الفلسطينيون. هكذا يُمارَس نظام الأبارتهايد: في المسار الرسمي ـ فرض تقييدات مشددة على حركة الفلسطينيين وتنقلاتهم مما يشّوش مجرى حياتهم وفي المسار غير الرسمي ـ عنف المستوطنين ضدهم، سواء بحضور الجنود أو بغيابهم، لكن بدعم كامل من سلطات الدولة. من خلال هذه السياسة توضح إسرائيل للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية أن أحداً لا ولن يحميهم وأن سلامتهم وأمنهم لا يعنيانها.
خلال شهري كانون الثاني وشباط وثّق بتسيلم عدّة هجمات بالحجارة شنّها مستوطنون من على سطح مستوطنة "بيت رومانو" في الخليل ضدّ المارّة الفلسطينّيين والحوانيت في منطقة وسط البلد. الجنود المتواجدون هناك بشكل دائم لم يحرّكوا ساكناً لمنع ذلك، لكنّهم استُنفروا لاعتقال عدد من الفتية الفلسطينيّين الذين حاولوا عبثاً الردّ برشق الحجارة نحو أسطح المستوطنة. بل إنّ الجيش أجبر أصحاب الحوانيت على إغلاق محالّهم طوال أربعة أيّام عقاباً على رشق الحجارة. هذه الأحداث تشكل تجسيداً دقيقاً للطريقة التي يُطبّق بها نظام الأبرتهايد الإسرائيلي في مركز مدينة الخليل وتوضح للفلسطينيّين جيّداً أنّه ليس هنالك مَن يحمي حياتهم وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.