Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

فلسطين بربخ

فلسطين بربخ

( 11 آذار 2025 )

36 عامًا، أم لخمسة، من سكان مدينة رفح، تتحدث عن فقدان ابنتها رزان (14 عامًا) بعد إصابتها البالغة جرّاء القصف وعن التهجير والتنقلات

فلسطين بربخ مع ابنتها رزان في المستشفى. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

قبل بدء الحرب على غزة، كنت أسكن أنا وزوجي عرفات بربخ وأطفالنا الخمسة ـ أريج (19 عامًا) وملك (16 عامًا) والتوأمان رزان وروان (14 عامًا) ومحمد (9 أعوام) في منزل في حي الجنينة في مدينة رفح. اليوم نحن نسكن في خيمة في منطقة المواصي في رفح.

عندما اندلعت الحرب، بقينا في منزلنا ولم نغادر، رغم القصف القريب. كنا نعتقد أن موقع المنزل أكثر أمانًا من الأماكن الأخرى، لكننا اكتشفنا لاحقًا أنه لم يعد هناك أي مكان آمن في القطاع. حتى في ذلك الحين، كنا نعيش في ظروف قاسية للغاية بسبب تدفق حوالي مليون مهجَّر إلى منطقة مدينة رفح. أصبحت المدينة مكتظة للغاية وانقطعت الكهرباء والمياه وعانينا من نقص الغذاء ومن الأسعار الباهظة للمواد الغذائية المحدودة التي كان من الممكن الحصول عليها. كان هناك قصف وكنت أخشى على زوجي وأطفالي. أرعبتني فكرة أنني قد أفقد أحدهم.

في أيار 2024، اجتاح الجيش مدينة رفح. كنت حينها في المستشفى الأوروبي، الذي يقع على بعد حوالي عشرة كيلومترات شمال رفح، مع ابنتيّ التوأمين رزان وروان المصابتين بالثلاسيميا واللتين تحتاجان إلى عمليات نقل دم منتظمة. عدنا إلى المنزل بسرعة، حزم كل واحد منا حقيبة ظهر وضع فيها أغراضه الشخصية وغادرنا المنزل تحت نيران القصف.

رزان بربخ في المستشفى بعد أيام قليلة من القصف، 3.10.23. صورة قدمتها العائلة مشكورة

ذهبنا إلى منطقة المواصي شمالي غرب مدينة رفح. بقينا هناك في العراء لمدة أسبوع بدون خيمة، تحت قبة السماء. بعد ذلك، انتقلنا للعيش في خيمة مع عائلة أختي وزوجها. كنا 12 شخصًا في خيمة واحدة لمدة شهرين صعبين للغاية، ثم نزحنا إلى منزل أقارب لنا في مدينة خان يونس. بقينا هناك حوالي شهر ونصف الشهر، ثم عدنا إلى منطقة المواصي في رفح وتنقلنا بين خيمة سِلفي عوض والمنزل المكون من طابقين الخاص بسِلفي سيف.

في 29.9.24، حوالي الساعة 10:00 صباحًا، كنا في منزل سلفي سيف. كان زوجي عرفات في الطابق الأول مع البنات وكنت أساعد محمد في الاستحمام وأقوم بغسل الملابس في الطابق الثاني. فجأة سمعت انفجارًا قويًا بالقرب منا، ثم وقع انفجاران آخران قويان جدًا وتطايرت أو تحطمت كل النوافذ والأبواب من حولي. امتلأ كل شيء بالدخان الأسود ولم أستطع التحرك. وصل زوجي عرفات إليّ وإلى محمد في الطابق الثاني وقال إن البنات بخير. نزلت لأطمئن على البنات، لكنني لم أجد رزان واتضح أن عمها، سيف، قد أخلاها بالفعل إلى مستشفى الهلال الأحمر في المواصي.

رزان بربخ قبل الحرب. صورة قدمتها العائلة مشكورة

ذهبت إلى المستشفى للبحث عن رزان. كان هناك الكثير من الجرحى. عندما وصلت، كانت رزان في غرفة العمليات وأخبروني بأن حالتها مستقرة وأنها بحاجة إلى زرع بلاتين في ساقيها. كانت تعاني من حروق من الدرجة الثانية في ساقيها وإصابات بشظايا. خفت عليها وقلقت بشأنها. خشيت أن يسبب لها البلاتين الكثير من المعاناة. في تلك المرحلة، لم أكن أعرف بعد أنهم بتروا ساقيها. بعد حوالي ثلاث ساعات، تم نقل رزان إلى مستشفى ناصر في خان يونس وسافرت معها في سيارة الإسعاف.

عندما وصلنا إلى المستشفى، سألت الطبيب عن حالتها، فقال لي إن ساقيها قد بُترتا. كما استأصلوا رحمها وجزءًا من كبدها ورئة واحدة، لأنها تضررت من الشظايا. حينها فقط أدركت أن حالتها خطيرة. عندما رأيت حالة ساقيها، أغمي علي.

رزان بربخ مع شقيقتها التوأم روان قبل الحرب. صورة قدمتها العائلة مشكورة

بقيت رزان في مستشفى ناصر لمدة شهرين تقريبًا. أصدرت وزارة الصحة لها نموذج تحويلة لمواصلة العلاج خارج قطاع غزة، ولكن للأسف كانت المعابر مغلقة ولم يتمكن الجرحى من مغادرة القطاع.

كانوا يُدخلون رزان إلى غرفة العمليات كل يوم لتنظيف الجروح وتغيير الضمادات ومع ذلك، أصيبت بتعفن الدم. كانت ساقاها المبتورتان تفرزان سوائل وتنزفان كثيرًا وكانت لهما رائحة كريهة. فقدت وزنها وانتفخ جسدها بسبب الوذمات. بكيت عليها لأنني كنت أعرف أنها تعاني من آلام شديدة. ذات مرة قالت لي إنها ستموت وهذا حطم قلبي. روان، أخت رزان التوأم، كانت تأتي لزيارتها طوال الوقت على الرغم من أنها أصيبت في القصف، هي أيضًا. كل ما أرادته هو أن تكون مع أختها طوال الوقت.

تدهورت حالة رزان. لم تُجدِ مسكنات الألم نفعًا وكان جهازها الهضمي لا يعمل تقريبًا وكانت نسبة الأكسجين في دمها تنخفض باستمرار. في 2.11.24، طلبت رزان والدها، فوصل إلى المستشفى صباحًا وعانقها مرارًا وتكرارًا. قالت لي: "أمي، لا تتركيني، ابقي أمام عيني". أرادت أن تودعني وتودع والدها ولم ترفع عينيها عنا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وصمتت الأجهزة. كانت تلك لحظات صعبة ومؤلمة للغاية.

رزان بربخ في المستشفى مع شقيقتها التوأم روان ووالدهما عرفات. صورة قدمتها العائلة مشكورة

فيذلك اليوم نفسه دفنّا رزان. رحلت رزان ورحل معها كل شيء جميل. لم تبقَ لدي القوة لتحمل هذه الحياة بدون رزان. مرت أربعة أشهر على وفاة رزان، طفلتي الجميلة البريئة من كل ذنب. أنا ووالدها وإخوتها وأخواتها نشتاق إليها كثيرًا ونشعر بغيابها ولا ننساها ولو للحظة واحدة. كانت رزان محبوبة من الجميع.

كانت إصابة رزان خطيرة جدًا، لكن الله أراد أن يبقيها معنا شهرًا آخر حتى نتمكن من توديعها. تركنا الفراق مصدومين ومتألمين، لكن هذا نصيبنا وهذا ما قُدّر لنا. ما زلنا نعيش في خيمة في منطقة المواصي في رفح وما زلنا مُهجَّرين. لم يسمح لنا الجيش الإسرائيلي بالعودة إلى منازلنا، هذا إن بقيت لنا منازل أصلًا، بعد أن دمروا رفح بالكامل. الآن هو شهر رمضان وهو يأتي ونحن هنا في الخيمة، في ظروف مروعة، بينما جميع المعابر الحدودية مغلقة والمجاعة الشديدة تضرب جميع سكان القطاع.

* سجلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 11.3.25