محمّد أبو رميلة (20 عامًا)، من سكّان حيّ جابر وسط مدينة الخليل، يتعرّض لاعتداء من جنود في 17.5.24 (سوية مع محمد عارف جابر)
أنا أسكن مع والدَيَّ، زياد (58 عامًا) ونجاح (55 عامًا)، وإخوتي الثلاثة، عبد (27 عامًا) وإسلام (24 عامًا) وطارق (18 عامًا)، في حيّ جابر وسط مدينة الخليل. في عام 2023 أنهيت دراسة كهرباء السيّارات في معهد بوليتكنك فلسطين، وأنا اليوم عاطل عن العمل بسبب الحرب في غزّة وقلّة الوظائف.
بعد 40 دقيقة تقريبًا وصلت سيّارة جيب عسكريّة ونزل منها بعض الجنود. قيّدوا أيدينا خلف ظهورنا بأصفاد بلاستيكيّة وشدّوها، وغطّوا أعيننا بأكياس قمامة
أسكنُ في منطقة محاطة بالحواجز ومغلقة بشكل شبه كامل، على بُعد نحو 150 مترًا عن حاجز جابر الذي نُصِب على "محور المصلّين" ويربط مستوطنة "كريات أربع" بالحرم الإبراهيميّ وبشارع الشهداء. حتّى قبل الحرب لم يكن يُسمَح بالدخول إلّا لسكّان الحيّ فقط، وبالتالي لم يكن بإمكان أقاربنا وأصدقائنا زيارتنا هنا. في أيام الجمعة والسبت وفي الأعياد اليهوديّة تكون المنطقة مغلقة تمامًا ولا يُسمح لنا بمغادرة الحيّ، حتّى لغرض تلقّي علاج طبّيّ. منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأوّل، تمّ تقليل ساعات فتح الحاجز، وأحيانًا يُدار كلّ شيء عمومًا وفقًا لمزاج الجنود. في الآونة الأخيرة يُفتَح الحاجز من الساعة 7:00 حتّى 19:00. في أيّ وقت آخر يقوم الجنود بمطاردة أيّ شخص يجرؤ على العبور في الشارع. نحن نحرص على العودة إلى المنزل مبكّرًا حتّى لا نصطدم بهم. الجنود يحتجزون الناس بشكل اعتباطيّ هنا، سواء أكانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا أو مُسنّين، كما ينكّلون ببعض الأشخاص أيضًا.
في يوم الجمعة الموافق17.5.24 ، قرابة الساعة 23:00، دعوتُ بعض الأصدقاء من الحيّ لشرب القهوة عندي ولقضاء الوقت معًا بينما تكون المنطقة مغلقة، لأنّنا لا نستطيع الخروج من هنا وفعل أشياء أخرى. جاء بعض الأصدقاء والجيران، وكان بينهم صديقي محمد عارف جابر وأخي طارق. جلسنا في ساحة المنزل، تحدّثنا وضحكنا، وأعدّت لنا أمّي القهوة.
أخذ الجنديّان يضربانني بيد مفتوحة على رقبتي ويلكمانني على صدري
فجأةً دخل جنديّ إلى الساحة، ومن دون أن يقول أيّ شيء صوَّب سلاحه نحونا. نظر إلينا ثمّ أشار لصديقي محمّد أن يأتي إليه. امتثل محمّد لطلبه. بعد ذلك نظر إليّ الجنديّ وأمرني أنا أيضًا بالاقتراب منه، ففعلتُ. عندما اقتربنا منه أمرنا أن نمسك يدينا ونسير أمامه. أمسكت بيد محمّد وسرنا أمام الجنديّ بينما كان هو يصوّب سلاحه نحونا ويضعه على ظهري أحيانًا. وصلنا إلى حاجز جابر وأمرنا الجنديّ بالجلوس على الأرض. ففعلنا. بعد ذلك أخذ هاتفينا وأمرنا بفتحهما، ففعلنا ذلك أيضًا. وأخذ ينبِّش في هاتفينا.
بعد 40 دقيقة تقريبًا وصلت سيّارة جيب عسكريّة ونزل منها بعض الجنود. قيّدوا أيدينا خلف ظهورنا بأصفاد بلاستيكيّة وشدّوها، وغطّوا أعيننا بأكياس قمامة. استطعتُ أن أرى قليلًا من تحت الغطاء. فرأيتُهم يُدخِلون محمّد إلى سيّارة الجيب، ثمّ انطلقت بعيدًا. بعد نحو ربع ساعة عادت سيّارة الجيب وسحبني الجنود إليها بعنف وكانوا يشتمونني في تلك الأثناء، ثمّ وضعوني على المقعد. وجلس جنديّان على جانبيَّ.
أجبراني على تكرار شتائم تهين أمّي، وعلى سبّ الله [...] سمعتُ نقرات فلاش لكاميرا فأدركتُ أنّهم يلتقطون صورًا لي
قبل أن تبدأ سيّارة الجيب بالتحرّك أخذ الجنديّان يضربانني بيد مفتوحة على رقبتي ويلكمانني على صدري وهما يشتمانني. أجبراني على تكرار شتائم تهين أمّي (أنا ابن شرموط وشرموطة)، وعلى سبّ الله والسنوار وحماس، وعلى ترديد مقولة "عام يسرائيل حاي" ("شعب إسرائيل حيّ"). سمعتُ نقرات فلاش لكاميرا فأدركتُ أنّهم يلتقطون صورًا لي. استغرق السفر بسيّارة الجيب نحو خمس دقائق.
توقّفت سيّارة الجيب قرب معسكر للجيش في حيّ وادي الحصين، قرب البوّابة الجنوبيّة لـ "كريات أربع". سحبني الجنود وأخرجوني من السيارة بعنف وحاولوا طرحي أرضًا، لكنّني تمكّنتُ من السقوط على رِجليَّ. أدخلوني إلى برج عسكريّ وأصعدوني على درجاته الحلزونيّة الشكل. كان هناك الكثير من الدرجات وفي طريقي إلى أعلى سقطتُ ونهضتُ عدّة مرّات. وصلنا إلى غرفة وهناك سمعتُ محمّد يصرخ، فقد كان يتعرّض للضرب كما يبدو.
فور دخولي إلى الغرفة بدأتُ بتلقّي صفعات ولكمات. أجلسني الجنود على ركبتَيَّ. سمعتُ أصواتًا كثيرة وشعرتُ بوجود جنود كثيرين في الغرفة. كان معصماي يؤلمانني كثيرًا بسبب الأصفاد المشدودة بقوّة، فطلبتُ من الجنود إرخاءَها، وعندها تلقّيتُ المزيد من الصفعات والشتائم أيضًا. كان الجنود يغنّون أغاني بالعبريّة بصوت عالٍ وبزعيق وهم يضربونني ويصفعونني أنا ومحمّد. كما أجبرانا نحن أيضًا على غناء أغاني تمجّد إسرائيل، وعلى ترديد "عام يسرائيل حاي"، وعلى شتم حماس والسنوار. كانوا يتحدّثون ويضحكون بصوت عالٍ وكانوا يسخرون منّا. تصرّفوا كسُكارى وكانوا يُمشِّطون أسلحتهم طوال الوقت، وخفتُ أن يطلقوا النار علينا.
تصرّفوا كسُكارى وكانوا يُمشِّطون أسلحتهم طوال الوقت، وخفتُ أن يطلقوا النار علينا [...] من حين إلى آخر، حين كان الصمت يعمّ المكان، كان الجنود يخبطون فجأةً جدارًا معدنيًّا بقوّة ويضحكون علينا عندما يرون أنّنا بُغِتْنا بالضجيج
بعد أن ركعتُ هناك لمدّة أربع ساعات تقريبًا وتعرّضتُ للضرب بدأتُ أشعر بتشنّج في رجلَيَّ وبآلام قويّة في ذراعيَّ ومعصميَّ، أحسستُ بتنمُّل، وشعرتُ أيضًا بضغط في صدري وبصعوبة في التنفّس. قلتُ للجنود إنّني أعاني من صعوبة في التنفّس، وكان ردّهم توجيه المزيد من الصفعات والركلات إليّ، كما أمروني بالسكوت. من حين إلى آخر، حين كان الصمت يعمّ المكان، كان الجنود يخبطون فجأةً جدارًا معدنيًّا بقوّة ويضحكون علينا عندما يرون أنّنا بُغِتْنا بالضجيج.
استمرّ الأمر على هذه الحال حتّى الساعة 4:00 فجرًا تقريبًا، وبعدها اقتادنا الجنود بعنف إلى أسفل درجات البرج. ولأنّنا كنّا قد ركعنا على ركبنا لساعات طويلة، فبالكاد كنّا قادرين على الوقوف أو المشي، فسقطتُ على الدرج عدّة مرّات. وكان الجنود يرفعونني بشكل فظّ وهم يصرخون ويشتمون، واستمرّ ذلك حتّى خرجنا من البرج العسكريّ. قصّ لنا الجنود الوصلة التي بين الأصفاد ولكنّهم تركوها مشدودة على معصميّ كلٍّ منّا. منعونا من إزالة العصابة عن أعيننا وهدّدونا بإطلاق النار علينا إذا فعلنا ذلك، وأمرونا بالانصراف من هناك دون أن يعيدوا لنا هاتفينا.
بدأنا بالابتعاد من هناك نحو منزلينا، ثمّ جاء أحد الجنود من خلفنا وأعاد لنا هاتفينا. مشينا في شارع وادي النصارى، الذي كان خاليًا تمامًا، نتلمّس الطريق وننظر من تحت العصابة، إذ لم نجرؤ بعد على إزالتها.
وصل محمّد أوّلًا إلى منزله الذي يبعد عن البرج نحو 150 مترًا فقط، وهناك أزلتُ العصابة عن عينَيَّ وواصلتُ طريقي إلى منزلي وجسدي كلّه يتألّم بشدّة. في المنزل قصّ أخي طارق الأصفاد بسكّين وأزالها عنّي. تركت الأصفاد علامات واضحة حول المعصمين. أعتقد أنّ الجنود احتجزونا وهاجمونا من أجل التسلية فقط.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري، في 19.5.24