الجيش أطلق قذيفة موجَّهة على بناية سكنية في رفح فقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة مواطنين مدنيين، بمن فيهم فتى (13 عاماً)، وثلاثة قادة كبار في الذراع العسكرية التابعة للجهاد الإسلامي
إفادة ألفت حسّونة، والدة محمّد حسّونة

محمّد حسّونة. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً
في 6.8.22 في الساعة التاسعة مساءً، كنّا في المنزل وتناولنا العشاء مع أخت زوجي، مي حسّونة، وأولادها، والذين هربوا من القصف في شرق رفح.
بينما كنّا نتناول الطعام، قُصِف المنزل. طار كلّ شيء في السماء، الحجارة، الأعمدة الخرسانيّة وحاوية الغاز. كان زوجي إياد (42 عامًا) قد احتضن للتوّ ابننا أحمد (4 سنوات) فدُفِع كلاهما إلى الشارع. تمّ إخلاؤهما من هناك وأُدخل زوجي، الذي أصيب بجروح خطيرة، إلى غرفة العمليّات الجراحيّة فورًا.
وصلت قوّات الإنقاذ وبدأتْ تقدّم لنا الإسعافات الأوّليّة. رأيتُ ابني محمّد (14 عامًا) تحت الأنقاض. كان ينزف فأدركتُ أنّه أصيب. قلتُ للمسعف أن يتركني ويعتني بمحمّد. مي، أخت زوجي، التي أصيبتْ بحروق في رِجلها اليمنى، حاولتْ أن تساعدني. كان وعيي مشوَّشًا. نقلوني بسيّارة إسعاف إلى مستشفى يوسف النجّار. عندما وصلتُ إلى هناك كان الوضع مثل يوم القيامة، صراخ، شهداء ودم. اخترقت الشظايا جسم زوجي كله وبُتِر بعض أصابعه.
سألتُ المسعفين عن محمّد فقالوا لي إنّه سيكون بخير. قلتُ لهم: أنتم تكذبون عليّ، فقد نزَفَ محمّد من الرأس، سقط شهيدًا. أجروا لي صور أشعّة سينيّة. أنا أصبتُ بجروح طفيفة فقط في الرِجل اليمنى. أصيب ابني أحمد، ابن الرابعة، في رأسه ويده اليمنى وقَطَّبوه، بينما أصيبت ابنتي سعاد (18 عامًا) فوق الحاجب الأيمن وقطَّبوها هناك. لم يُصَب عرفات (16 عامًا) وعمر (9 أعوام) بجروح.
كلّ ما في الأمر أنّنا جلسنا لنأكل ثمّ انفجر كلّ شيء حولَنا وطرْنا جميعًا في كلّ الاتّجاهات. لا أستطيع استيعاب هذا الشيء الرهيب الذي حدث لنا، هذه الجريمة.
بعد ثلاث ساعات غادرتُ المستشفى وسافرتُ مع الأولاد إلى منزل والديّ في رفح. كان زوجي، الذي اخترقت الشظايا كلّ جسمه وبُتِر بعض أصابعه أيضًا، لا يزال في العناية المركّزة وقد مكث هناك يومين. لم أستطع النوم في الليل. رغم أنّني شعرتُ بأنّهم كذبوا عليّ بشأن محمّد، إلّا أنّه كان لا يزال لديّ أمل بأنّني على خطأ وهو على قيد الحياة. يبدو أنّ والدَيّ كان قد علما بأنّه سقط شهيدًا، لكنّهما لم يخبراني إلّا في اليوم التالي. انهرتُ من الصراخ والبكاء. أتاحوا لزوجي، الذي كان لا يزال راقدًا في المستشفى، توديع محمّد في المستشفى، ثمّ أحضروا محمّد إلى منزل والدَيّ لكي أتمكّن من توديعه.
عندما رأيتُ محمّد صُدمتُ. لم أستطع تقبّل موته. عانقتُه وودّعناه، أنا وأخته وإخوته، بالألم والدموع. لا أستطيع أن أصدّق أنّ هذا حدث لنا. كلّ ما في الأمر أنّنا جلسنا لنأكل ثمّ انفجر كلّ شيء حولَنا وطرْنا جميعًا في كلّ الاتّجاهات. لا أستطيع استيعاب هذا الشيء الرهيب الذي حدث لنا، هذه الجريمة. لم نشكّل خطرًا على أيّ أحد ولم يكن أيّ سبب لذلك.
رحل محمَّد ولن يعود. كان طالبًا في الصفّ التاسع لكنه لن يعود إلى المدرسة ثانيةً عند افتتاح العام الدراسيّ الجديد. أراد كثيرًا أن أشتري له ملابس جديدة وحذاءً جديدًا للعام الجديد ورجوتُ أن أكون قادرة على تحمُّل ذلك العبء. كان يحبّ تربية النباتات والاعتناء بالدجاج. لقد سرقوا حياته. كان ولدًا فحسب. ما الجريمة التي اقترفها؟
الآن جميع إخوته بحاجة إلى علاج نفسيّ. إنّهم يصرخون ويبكون في الليل وأية ضجّة تثير الخوف لديهم. أحمد الصغير أصبح عدوانيًّا وهو يضرب الأطفال الآخرين. ليست لديه شهيّة للأكل على الإطلاق. سعاد تبكي على أخيها طوال اليوم وتقول إنّها لن تكون سعيدة بأيّ شيء ولن تستطيع الاحتفال بإنهاء المدرسة. سرق الجيش الإسرائيليّ من أسرتنا السعادة وبهجة الحياة.
بقينا بدون مأوى. دُمِّر منزلنا تمامًا ووَضْعنا الماليّ كان صعبًا جدًّا أصلًا. زوجي لا يزال يرقد في المستشفى.
تحطم قلبي بسبب محمّد صغيري، أشتاق إليه كثيرًا جدًّا. أتناول الحبوب المهدِّئة لكي أنام في الليل. قُدِّر له أن يموت شهيدًا وأن يتركني خلفه دون أن نستطيع الوداع. الحياة صعبة بدونه. الله يصبّرنا.
ألفت حسونة (37 عاماً وأم لخمسة) قدمت إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد.

بناية الشقق التي تم قصفها في رفح. تصوير: إبراهيم أبو مصطفى، رويترز، 7.8.22
إفادة إسماعيل الملاحي، زوج علاء الملاحي

آلاء المالحي مع ابنها أحمد. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
أعمل كتقنيّ أشعّة سينيّة في مستشفى الشفاء في مدينة غزّة. كنت أسكن مع زوجتي آلاء وابننا أحمد (3 أعوام) في شقّة مستأجرة في الطابق الأرضيّ من مبنى في بلوك J في مخيم رفح للاجئين.
منذ بدء عمليات القصف في يوم الجمعة الموافق 5.8.2022، بقينا جميعًا في المنزل نتابع الأخبار ولم أخرج إلّا قليلًا جدًّا. كنتُ خائفًا على زوجتي وابننا الصغير وحاولتُ أن أكون بجانبهما طوال الوقت لكي يشعرا بالأمان. توسّلنا إلى الله أن تنتهي الحرب بسرعة.
في اليوم التالي، يوم السبت 6.8.2022، تناولنا العشاء نحو الساعة 20:30. بعد الأكل طلب منّي أحمد أن أشتري له عصيرًا وطلبت منّي زوجتي أيضًا أن أشتري بعض الحاجيات. شعرتُ بأنّ أحمد يجب أن يخرج من المنزل ومن جوّ الخوف قليلًا، لذا خرجتُ نحو الساعة 21:25 وأخذته معي. تمكّنا من التقدّم نحو 100 متر باتّجاه السوبرماركت ثمّ رأيْنا صواريخ تسقط في منطقتنا وسمعنا دويّ انفجارات. خاف أحمد كثيرًا جدًّا وبحثتُ لنا عن ملاذ. رأيتُ أشخاصًا يتراكضون في الشارع وسمعتُهم يذكرون أسماء أشخاص ومنازل ربّما تعرّضت للقصف.
يسألني أحمد طوال الوقت عن أمّه وأنا أحاول التهرُّب. أحاولُ التعافي ممّا حدث. ذهبتْ زوجتي وأخذتْ معها كلّ ذكرياتنا وتركتني مع طفل صغير يحتاج إلى أمّه.
تحدّثتُ مع شقيق زوجتي فجاء إليّ وأخذ أحمد وذهبتُ أنا باتّجاه المنزل لأنّني قلقتُ على زوجتي. عندما اقتربتُ رأيتُ الكثير من الدمار في كلّ ناحية. المنزل الذي كنّا نسكن فيه تدمَّر وكذلك منازل إياد حسّونة ومحمّد الطهراوي ودار فلفل ودار بارود. كانت هناك رائحة بارود في الهواء.

إسماعيل المالحي مع ابنه أحمد. تصوير: محمد صباح، بتسيلم
وقفتُ مصدومًا ورأيتُ قوّات الدفاع المدنيّ تصل وتحاول تخليص جرحى وجثث قتلى من تحت الأنقاض. قلتُ لهم إنّ زوجتي دُفنتْ تحت الأنقاض وتوسّلتُ إليهم أن يسرعوا وينقذوها. حاولتُ المساعدة قدر استطاعتي.
أخرجوا جثّتيّ شهيدين هما إسماعيل دويك ووالدته هناء اللذان كانا يسكنان في الطابق الثاني. بعد ذلك أخرجوا جثّة محمّد إياد حسّونة أيضًا ثمّ أخرجوا جثّة زوجتي المقطّعة. كان ذلك بعد بضع ساعات من العمل. كنتُ مصدومًا تمامًا عندما رأيتُها. كانت مقطّعة إلى أشلاء. بكيتُ. حتّى الآن أنا مصدوم بشكل تامّ ممّا حدث لنا.
يسألني أحمد طوال الوقت عن أمّه وأنا أحاول التهرُّب. أحاولُ التعافي ممّا حدث. ذهبتْ زوجتي وأخذتْ معها كلّ ذكرياتنا وتركتني مع طفل صغير يحتاج إلى أمّه.
ادّعى الجيش الإسرائيليّ بأنّه قصف منزلنا لأنّ ثلاثة مطلوبين من الجهاد الإسلاميّ كانوا يسكنون في الطابق الأوّل منه. على حدّ علمي كانت تلك شقّة خالية. عشنا هناك ثمانية أشهر ولم أسمع مرّةً أصواتًا من هناك.
فقدنا زوجتي بدون أيّ سبب وبدون أيّ ذنب.
إسماعيل الملاحي (36 عاماً وأب لطفل عمره 3 سنوات) قدم إفادته أمام باحث بتسيلم الميداني محمد صباح.
إفادة عبد الحميد دويك، زوج هناء ووالد إسماعيل

إسماعيل دويك. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
كنا نسكن بالإيجار في شقّة في الطابق الثاني من المبنى السكنيّ J في مخيّم رفح للاجئين. أنا وزوجتي هناء (52 عامًا) وولدانا إسماعيل (30 عامًا) ومحمود (19 عامًا). في الطابق الأرضيّ سكن إسماعيل وآلاء الملاحي مع ابنهما الصغير. كانت الشقّة في الطابق الأوّل خالية. انتقلنا إلى هذه الشقّة بعد أن تضرّرت الشقّة السابقة التي سكنّا فيها بالإيجار، في نفس المبنى السكنيّ، من جرّاء القصف في الحرب في أيّار 2021.
في يوم السبت الموافق 6.8.2022 في ساعات المساء، أردتُ الذهاب مع زوجتي لزيارة ابننا جهاد لكنّها لم تكن في تمام الصحة وقالت إنّها ستبقى في المنزل. في النهاية خرجت وحدي لشرب القهوة مع أخي عبد الرحمن وصديقنا بسّام في متنزّه قريب نجلس فيه كثيرًا. اعتقدتُ أنّ إسماعيل خرج أيضًا لزيارة صديق. سمعنا أصوات القصف وكنّا متوتّرين جدًّا. قال أخي إنّه من الأفضل لنا أن نعود إلى المنزل. بدأتُ أتقدّم نحو المنزل سيرًا وعندما أصبحتُ على بُعد نحو 500 متر عن المنزل، اتّصل ابني محمّد وقال إنّه تمّ قصف منزلنا. ركضتُ إلى هناك بسرعة. لم أستطعْ أن أصدّق أنّهم قصفوا منزلنا لأنّه لم يكن يسكن هناك سوانا وإسماعيل الملاحي، وهو تقنيّ أشعّة سينيّة، مع زوجته وابنهما فقط.
وقفتُ هناك ولم أصدّق ما تراه عيناي. لم أكن قادرًا على الحركة. شعرتُ بالشلل. عندما تعافيتُ قليلًا بدأتُ أبحث عن زوجتي بين الأنقاض على أمل أن تكون قد نجتْ. لكنّي لم أجد شيئًا. وقفتُ هناك ولم أستطع التنفّس.
عندما وصلتُ إلى المبنى السكنيّ بدا وكأنّه تعرض لزلزال. كانت الطرق مسدودة بالأنقاض وكان الناس يتراكضون في كلّ مكان. حاولتُ أن أشقّ طريقي إلى بيتنا فاكتشفتُ أنّه تدمّر تمامًا. كنت مصدومًا. انهارت الطوابق الثلاثة ودمّرت منازل مجاورة أيضًا. كان كلّ شيء مجرّد حطام، حجارة، رمل وثياب وأغراض متناثرة في كلّ مكان. وقفتُ هناك ولم أصدّق ما تراه عيناي. لم أكن قادرًا على الحركة. شعرتُ بالشلل. عندما تعافيتُ قليلًا بدأتُ أبحث عن زوجتي بين الأنقاض على أمل أن تكون قد نجتْ. لكنّي لم أجد شيئًا. وقفتُ هناك ولم أستطع التنفّس. وصل المسعفون وأفراد الدفاع المدنيّ.
واصلتُ الوقوف هناك بأعصاب متوتّرة وهم يزيلون الأنقاض. في الساعة الثانية والنصف من فجر يوم الأحد انتشلوا جثّتَي زوجتي وابني إسماعيل، الذي كنتُ أعتقد أنّه لم يكن في البيت. عندما رأيتُ جثّتيهما صُدمتُ. لم أصدّق أنّني فقدتهما. كان الألم أضعافًا مضاعفة. حلّت بي مصيبتان. أخلوهما إلى المستشفى وهناك أقرّت وفاتهما.
في اليوم التالي أحضرناهما للدفن. دُفن كلّ شيء بمعيّتهما، الحياة، الذكريات، الحبّ والاهتمام المتبادل في علاقة زوجيّة استمرّت أكثر من ثلاثين عامًا. سنوات طويلة من الحياة الطيّبة مع زوجتي وابنينا تلاشت وكأنّها لم تكن. كان بيننا تفاهم متبادل وقضينا الكثير من الأوقات الجميلة معًا.
الآن، بعد انتهاء الحرب وطيّ خيمة الحداد الخاصة بنا أيضًا، أنا غير قادر على التعافي. أفكّر طوال اليوم بزوجتي وبابني إسماعيل فقط. الألم فظيع. لا يستطيع أيّ إنسان أن يتحمّل مثل هذا الألم. فقدتُهما هكذا فجأةً بدون سابق إنذار وبدون أيّ مبرّر.
عبد الحميد دويك (53 عاماً وأب لولدين) قدم إفادته أمام باحث بتسيلم الميداني محمد صباح.



