الجيش قصف منزلاً في الفُخَّارِي, شرق خان يونس وقتل شابة في غرفتها
إفادة فرحة العمور، والدة دنيانا العمور

بورتريه ذاتي لدنيانا العمور
نسكن على بعد نحو 1,5 كيلومتر عن الحدود مع إسرائيل. في الساعة 14:00 من يوم الجمعة الموافق 5.8.22، جاءت ابنتي أريج (24 عاماً)، المتزوجة والتي لا تسكن معنا، لزيارتنا كعادتها في كل يوم جمعة. في الساعة 15:30 كنا نجلس ونشرب الشاي أنا وزوجي عدنان (51 عاماً) مع أريج وجميع الأولاد تحت الشجرة الملاصقة لمنزلنا. بعد ذلك، دخلت أنا وابنتي روان (19 عاماً) إلى داخل المنزل كي نخبز الخبز. بقيت أريج ودنيانا تحت الشجرة وفيما بعد انضمت أريج إلينا بينما دخلت دنيانا إلى غرفتها. سمعت ابني أسامة (15 عاماً) يطلب من دنيانا إعطاءه هاتفها النقال كي يلعب به. بعد بضع دقائق سمعت دنيانا تتحدث مع ابني عصام (21 عاماً) في غرفتها، ثم خرج هو إلى غرفة التلفزيون وجلس مع الأبناء الآخرين.
فجأة، امتلأت الغرفة التي كنا فيها بالغبار والرمل. اعتقدت في البداية أن طنجرة الخبيز قد انفجرت. على الفور، خرجنا جميعاً إلى الخارج وعندئذ سمعت روان تقول إن دنيانا قد بقيت في غرفتها. دخلت إلى هناك بسرعة، أنا وعصام. كان كل شيء مغطى بالغبار وكان من الصعب رؤية شيء، لكنني استطعت رؤية دنيانا في سريرها. كان رأسها مغطى بالدم. حتى اللحظة التي رأيتها فيها، لم أكن أدرك أنه حصل قصف. كان كل شيء هادئاً تماماً ولم يحصل أي شيء من حولنا.

رسومات دنيانا العمور في غرفتها. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم
بدأت أصرخ ثم حاولت إيقاظها. أردت أن أصدّق أنها فقدت وعيها فقط لكن كان يبدو أنها لم تعد على قيد الحياة. غطّاها عصام وسمعنا صوت إطلاق رصاص في المنطقة.
جاء جارنا، محمد فريد العمور، (28 عاماً)الذي يعمل مُسعفاً، وفحص نبض دنيانا. قال إنها لا تزال على قيد الحياة. رفعها عصام والمُسعف وركضا بها نحو الشارع ثم أدخلاها إلى سيارة أوقفاها صدفة.
دخلتُ إلى البيت بسرعة وارتديت ملابسي. كان البيت مليئاً بالحجارة والغبار. ثم خرجت واستقليت سيارة وسافرنا إلى المستشفى الأوروبي في خانيونس. قال الأطباء إنه بحاجة إلى وجبات دم. كلما قلت إنني أريد رؤية ابنتي قالوا إن هذا غير ممكن لأنها في العناية المشددة. لم يسمحوا لي برؤيتها.
بعد عشرين دقيقة تقريباً طلبت مرة أخرى رؤيتها ومرة أخرى قالوا لي إن هذا غير ممكن. بعد بضع دقائق جاءت ممرضة وأعطتني حقنة مهدّئة. ابني محمد (26 عاماً) الذي وصل إلى المستشفى بعدنا احتضنني وأجهش بالبكاء. فهمت أن ابنتي قد توفيت. غادرنا المستشفى وتوجهنا إلى منزل سلفتي فاطمة التي تسكن إلى جوارنا. لم أشعر بأي شيء لأنني كنت مشوشة بفعل الحقنة التي أعطوني إياها.

عدنان العمور، والد دنيانا، بجانب شُبّاك غرفتها. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم
بعد نحو ساعة أحضروا جثمان دنيانا من المستشفى ووضعوه أمامي. حضنتها. كان وجهها مغطى ولم أتمكن من رؤيته. شقيقتها أريج حضنتها أيضاً. كان الجميع يصرخ ويبكي. ثم أخذوها منّي.
قتلوها وقتلوا حلمها. كانت فتاة بسيطة لم تفعل للجيش أي شيء ولم يشكل خطراً على أحد.
في اليوم التالي، يوم السبت، استيقظت فوجدت المنزل يعج بالنساء. بكيت. نحن مزارعون فقط. لم نسئ للجيش الإسرائيلي بشيء. دنيانا كانت بريئة. كانت فنانة وطالبة جامعية في السنة الرابعة في جامعة الأقصى. كانت تحب الرسم وتربية الزهور وهي التي كانت تعتني بساحة منزلنا وزرعت فيها الأزهار. كانت تحب قراءة القرآن وكانت تحفظه عن ظهر قلب. بسبب حيها للزهور أسميتها “ريحانة الجنة”. كانت رسوماتها تعبر عن حياة الفقراء. الحياة البسيطة. كانت تأمل في إكمال تعليمها ومواصلة العمل في الفن. قتلوها وقتلوا حلمها. كانت فتاة بسيطة لم تفعل للجيش أي شيء ولم يشكل خطراً على أحد.
تهدّم منزلنا ولم يعد صالحاً للسكن الآن. نحن نسكن جميعنا في منزل ابننا محمد وزوجته. عصام وشقيقته التوأم أسماء لا يستطيعان النوم هنا أمثر. أسماء تخاف جداً كلما سمعت أصوات الطائرات. يريدان منا أن نترك هذا البيت وننتقل إلى مكان آخر.
أدخل كل يوم إلى منزلنا المهدّم، إلى المكان الذي سقطت فيه ابنتي شهيدة وأبكي. كانت علاقتي بدنيانا وثيقة جداً. أحمل هاتفها النقال وأتحدث إلى صورها، أسألها كيف تركتني هكذا ورحلت. لماذا قتلوها؟ أأل نفسي كل يوم، لماذا قصفوا منزلنا؟ لماذا أصبنا الجيش؟ لم تكن هنالك حرب. كل شيء كان هادئاً وكان يوم جمعة، يوم العطلة الذي تجتمع فيه العائلات. الحياة بدون دنيانا جحيم. رحلت ابنتي دون أن تودعني ودون أن تلقي التحية. الله يرحمها.
فرحة العمور (48 عاماً وأم لتسعة) قدمت إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد.

شُبّاك غرفة دنيانا العمور. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم

