Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

لو كانوا يملكون فقط ذرّة من الإنسانية، لسمحوا لنا بالارتباط لخطوط المياه التي تمر من مسافة متر واحد من خيامنا

يعاني الفلسطينيون في الضفة الغربية عمومًا من نقص في المياه بسبب سياسة إسرائيل في تقييد إمداد المياه طوال العام، وخصوصا في فصل الصيف. هذه الأزمة تصبح حادة بشكل خاص في التجمعات المتواجدة في المناطق C، التي لا تعترف بهل إسرائيل ولا تسمح بربطها بشبكة المياه. وتقع العديد من هذه التجمعات في منطقة الأغوار، قريبًا جدا من حفريات المياه الإسرائيلية. سكانها، الذين يعيشون في بعض الأحيان على مسافة بضعة امتار فقط من محطات الحفر والضخ، يشاهدون في يأس كيف توفر المياه بشكل حصري تقريبا للمستوطنات المتواجدة في المنطقة، في حين أنهم يضطرون للحصول على المياه من خلال وسائل أخرى، معقدة وأكثر تكلفة. هذه الوسائل، التي تشمل شراء صهاريج المياه التي تكلف ثلاثة أضعاف، بل وأكثر من الثمن الذي يدفعه الإسرائيليون ل-“مكوروت" (شركة المياه الاسرائيلية)، ونقلها عبر الجرارات، وجمع مياه الأمطار أو ضخ المياه من الينابيع والبرك الطبيعيّة، وكذلك يواجهون عقبات تفرضها السلطات الإسرائيلية، والتي تصادر المعدات وتمنع السكان من الوصول إلى مصادر المياه الطبيعية.

الشاهد عبد الرحمن خليل من خربة المالح مع الماعز في العام الماضي. تصوير: عارف دراغمة٬ بتسيلم. 28/10/2015.
الشاهد عبد الرحمن خليل من خربة المالح مع الماعز في العام الماضي. تصوير: عارف دراغمة٬ بتسيلم. 28/10/2015.

حادثة وقعت الأسبوع الماضي، يوم الثلاثاء، الموافق 14/6/2016، والتي وصلت فيها درجة الحرارة في الأغوار إلى 40 درجة مئوية، يوضح الضرر الشديد الذي تحدثه إسرائيل بشكل روتينيّ لسكان الأغوار عبر استغلال سلطتها: قامت قوات الإدارة المدنية بمصادرة جرار نقل صهريج مياه في خربة سمرا، وتركت أوامر هدم لخزانات مياه بناها السكان في منطقة خربة المالح. في إفاداتهم لباحث بتسيلم الميدانيّ عارف دراغمة في تاريخ 15/6/2016، روى سكّان المنطقة المحليين حول تأثير نقص المياه على حياتهم وصعوبات الحصول عليها.

روى محمد أبو عواد، 59 عامًا، الذي يسكن مع عائلته في خربة سمرا عن الصعوبة التي يسببها نقص المياه لأسرته، التي تكسب قوتها من رعي الأغنام، وعن مصادرة الجرارات الزراعية وصهاريج المياه التابعة للأسرة:

نحن نرعى الأغنام في منطقة مفتوحة بالقرب من معسكر للجيش شمال مستوطنة “روعي”، لأن المنطقة هناك تحوي على العشب. عندما نذهب الى هناك نأخذ معنا جرار يجرّ خزان مياه، لسقي القطيع. يمدّوننا بالمياه من مناطق بعيدة مثل عين البيضا وكردلة، وتكلفنا أكثر من عشرين شيكل (ما يقارب 5$) للمتر المكعب الواحد. يصل خزان مياه كبير إلى منطقة سكننا، ولكن ليس إلى مناطق الرعي، حيث علينا أن ننقل المياه بأنفسنا. يوم الثلاثاء كنا مع الأغنام والجرار في المرعى، وفجأة حضرت سيارة فيها ضابط من الإدارة المدنية قام بإيقاف الجرار. احتجزوه واقتادوه إلى معسكر الجيش.

هذا الجرار بمثابة يدي وقدمي، وبدونه لا أستطيع نقل المياه لأغنامنا. لا أعرف ماذا استطيع أن أفعل، المنطقة القريبة من مكان إقامتنا جافة ولا شيء فيها. قد أضطر إلى إعادة أغنامي إلى الحظائر وشراء العلف لها، ولكن هذا سيفقرني. قد اضطر إلى بيع قسم منها. الجميع في المنطقة يخافون من المصادرة ولا أحد على استعداد أن يعيرني جراره. هناك الكثير من الناس عاشوا بالفعل ما عشته. صادرت الادارة الكثير من الصهاريج والجرارات واضطر العديدون إلى دفع غرامات مالية والتعهد بعدم المجيء إلى المنطقة حتى يستعيدوها من جديد. تستهدف هذه الأساليب مصدر رزقنا. نعيش هنا لإعالة عائلاتنا ولا شيء غير ذلك. انها ليست مسألة منطقة عسكريّة، أنهم لا يريدون لنا أن نعيش هنا. تتواجد خطوط المياه ل”-مكوروت" بالقرب من خيامنا وأكواخنا، وتوفر المياه للمستوطنات والقواعد العسكرية، فلماذا لا يوفّروا لنا أيضًا؟

بركة لتجميع المياه من نبع بالقرب من خربة المالح والتي تخطط الادارة المدنية لهدمها. تصوير: عارف دراغمة٬ بتسيلم. 14/6/2016.
بركة لتجميع المياه من نبع بالقرب من خربة المالح والتي تخطط الادارة المدنية لهدمها. تصوير: عارف دراغمة٬ بتسيلم. 14/6/2016.

عبد الرحمن خليل، 70 عاما، من سكان خربة المالح، وصف أزمة المياه التي يعاني منها سكان المنطقة وروى عن أوامر الهدم الصادرة عن الإدارة المدنية بشأن خزانات المياه التي أنشأها السكان:

منذ حوالي ست سنوات، أعاد المجلس المحلي تأهيل اثنين من الينابيع هنا في منطقة المالح، وقامت بتنظيفها وتسييجها لمنع دخول الحيوانات التي تتسبب في تلويث المياه. كنا سعداء، فجأة بدأنا نحصل على القليل من الماء، وهذا ما قلل الحاجة لشراء المياه بأسعار مرتفعة. مياه الينابيع خدمت أيضًا احتياجاتنا المنزليّة وكذلك للأغنام. يوم الثلاثاء، الموافق 14/6/2016 وصل افراد من الإدارة المدنية وتركوا عند الينابيع بلاغات بنية هدم بركتي المياه. إذا بالفعل ستُهدَم فإنّ ذلك سيكون بمثابة كارثة لأن معظم الناس في المنطقة يعتمدون عليها لغرض سقي الأغنام واستهلاك أسرهم.

الإدارة المدنية والجيش حجبا الكثير من الينابيع في المنطقة، والآن يريدون استكمال العمل من خلال الإضرار بمخازن المياه هذه. ليس لدينا مياه جارية ولا مصادر مياه أخرى هنا. ظروفنا المعيشية صعبة ونضطر إلى شراء المياه بسعر مكلف. في بعض الأحيان تصل تكاليف المتر المكعب إلى أكثر من 23 شيكل (ما يقارب 6$)، وحتى وقتها لا يتوفر لدينا دائما مركبة لنقلها الى المنزل. لا أعرف ماذا سيكون مصير الناس هنا، وبعضهم لا يجد ما يأكله. إذا هدموا البركتين سيضطر الناس إلى الاعتماد فقط على شراء المياه، سيضطر الناس الذين سيبقون هنا إلى أخذ قروض أو بيع جزء من أغنامهم لهذا الغرض لو كانوا يملكون فقط ذرّة من الإنسانية، لسمحوا لنا بالارتباط لخطوط المياه التي تمر من مسافة متر واحد من خيامنا. نسمع صوت المياه، يلصق الأطفال آذانهم بالأنابيب ويصغون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على كوب من الماء.