Skip to main content

موسم الحرث 2018، محافظة رام الله: عنف المستوطنين في خدمة الدولة

اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين والتي تُسفر عن أضرار تلحق بحياتهم وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم، أصبحت - منذ زمن طويل - جزءًا لا يتجزّأ من روتين الاحتلال في الضفة الغربية. في بعض الحالات ...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

موسم الحرث 2018، محافظة رام الله: عنف المستوطنين في خدمة الدولة

اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين والتي تُسفر عن أضرار تلحق بحياتهم وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم، أصبحت - منذ زمن طويل - جزءًا لا يتجزّأ من روتين الاحتلال في الضفة الغربية. في بعض الحالات يتواجد جنود أثناء الاعتداءات لكنّهم لا يفعلون شيئًا لمنعها وفي حالات أخرى يحمون المستوطنين أثناء اعتدائهم ويحدث أيضًا أنّهم يشاركون فعليًّا في الاعتداء. لكن مهما كان مستوى ضلوع المستوطنين والجنود في هذه الاحداث فإنّهم لا يُستدعون للمحاسبة ودفع أيّ ثمن لقاء أفعالهم هذه؛ والتحقيقات الخاوية (إذا جرت أصلاً) تنتهي بإغلاق الملفّ دون التوصّل إلى نتيجة. 
في كلّ سنة يتزايد هذا العنف خلال موسمَي قطاف الزيتون وحرث الأرض حيث يعتدي المستوطنون مرارًا وتكرارًا على المزارعين الفلسطينيين الذين لا يبتغون سوى فلاحة أراضيهم. يدير الجيش في السنوات الأخيرة "آليّة تنسيق" غرضها ظاهريًّا تمكين المزارعين الفلسطينيين خلال الموسمين المذكورين من الوصول إلى أراضيهم لأيّام معدودة بعد التنسيق مع الجيش وترتيب مرافقة جنود لهم. لكنّ هذه الآلية حتّى وهي تعمل بأتمّ صورها تبقى في جوهرها استجابة بائسة للواقع العنيف الذي يواجهه المزارعون الفلسطينيون. إنّها آليّة توهم بمظهر تطبيق القانون: فهي على المستوى المبدئيّ تفترض التسليم بعُنف المستوطنين كواقع قائم ومبرّر ويجري التعامل معه بفرض القيود على المزارعين الفلسطينيين تحديدًا؛ أمّا على المستوى العمليّ فهي آليّة لا تتيح للمزارعين الوصول إلى أراضيهم سوى لأيّام معدودة خلال السنة. وكما العادة في الأراضي المحتلّة حتى محكمة العدل العليا تدعم هذا "الحلّ" الباطل أساسًا. 


أكثر من ذلك: طريقة تطبيق هذه الآلية وتثاقل الجيش في إدارتها - بما في ذلك وضع سلسلة طويلة من الشروط على السكّان قبل موافقته على طلبهم الوصول إلى أراضيهم (هذا إذا وافق) - يصعّبان على المزارعين الفلسطينيين استغلال حتّى الأيّام المعدودة المتاحة لهم وفي نهاية الأمر يفرغانها من أيّ مضمون. جاء موسم الحرث لهذه السنة في شهر آذار. تقصّي الأحداث في محافظة رام الله خلال الموسم يبيّن تمامًا تلك الصعوبات. 

تتيح آلية التنسيق وصول المزارعين إلى أراضيهم المفلوحة فقط وتمنعهم من الوصول إلى أراضيهم التي لم يفلحوها حتى الآن والتي أقيمت في جوارها مستوطنات - حتى إذا كانوا معنيّين في مباشرة فلاحتها. هنالك سبعة مناطق تبلغ مساحتها الإجمالية أكثر من 3000 دونم تعود ملكيّتها إلى أكثر من 150 أسرَة لم تخصّص لحرثها "آليّة التنسيق" سوى ثلاثة أو أربعة أيّام رغم أنّ مثل هذه المساحة تتطلّب أكثر من ذلك. 


رغم التنسيق نفّذ المستوطنون تحت رعاية الجنود وحتّى بمشاركتهم هجمات في ثلاث مناطق - في محيط قرى سِنجِل وترمسعيّا والمغيّر. ولم يكتف الجيش بذلك إذ هو في بعض "أيام التنسيق" - القليلة أصلاً منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وظلّت بلا حرث حتى المساحات القليلة التي سُمح لهم بحرثها وفق "آليّة التنسيق". تجدون أدناه إفادات مزارعين من ترمسعيّا والمغيّر حول ما جرى في هذه الأيام. 


عنف المستوطنين جزءٌ من خطوات استراتيجيّة تتّبعها الدولة ولذا فهي تتيح لهم تنفيذ الاعتداءات وتشاركهم فيها وتجني ثمارها. نتيجة لعنف المستوطنين تنشأ لدى كثير من المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية حالة من الرّدع الناجم عن الشعور بالخطر - وهو شعور يترسّخ عمومًا، أي خارج نطاق الاعتداءات العينية؛ وفي نهاية الأمر يخشى المزارعون الوصول إلى أراضيهم وينقطعون عنها بشكل دائم مما ينجم عنه أضرار كبيرة للأراضي الزراعية، بحيث أصبحت المحاصيل تقلّ إلى درجة تخلّي المزارعين عن بذل المجهود في جنيها.  
هكذا نشأت في جميع أنحاء الضفة الغربية جدران شفّافة – لا مرئيّة، يعرف الفلسطينيون أنّ اجتيازها يعرّضهم لأخطار اعتداءات المستوطنين بما قد يكلّفهم حياتهم أحيانًا. المساحات التي يهجرها المزارعون الفلسطينيون مرغمين، آخذة في الاتّساع في جميع أنحاء الضفة الغربية، ممّا يسهّل على دولة إسرائيل الاستيلاء على أراضي الضفة ومواردها.

ترمسعيّا

أقيمت مستوطنة "عدي عاد" في جوار أراضٍ تقارب مساحتها 500 دونم وتملكها عشر أسَر من القرية. خصّصت مديريّة التنسيق والارتباط لحرث هذه الأراضي فقط أربعة "أيّام تنسيق" (من 19.3.18 إلى 22.3.18)، ومع ذلك لم يتمكّن المزارعون من العمل في أراضيهم سوى يوم واحد.  

تُظهر الإفادات التي استمع إليها الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد، أنّه منذ اليوم الأوّل قدم ثلاثة مستوطنين إلى الأراضي المجاورة لمستوطنة "عدي عاد" حين كان عشرون مزارعًا وأجيرًا يعملون فيها. الجنود الذين تواجدوا في المكان وكأنّما لأجل حماية الفلسطينيين وتمكينهم من فلاحة أراضيهم لم يحرّكوا ساكنًا لكي يمنعوا هجوم المستوطنين على المزارعين بل إنّ بعضًا من الجنود انضمّوا لمؤازرة المعتدين فعليًّا. أمر الجنود المزارعين بالرجوع إلى منازلهم والعودة للعمل في اليوم التالي. عندما حلّ الغد وجاء المزارعون منع الجنود المستوطنين من مهاجمتهم لكنّهم لم يعتقلوا أيًّا من المعتدين الذين شاركوا في هجوم الامس. في اليوم الثالث - لم يكلّف الجيش نفسه عناء إرسال جنود إلى المكان، ولذلك لم يعمل المزارعون في أراضيهم خشية من إيذاء المستوطنين لهم؛ وفي اليوم الرابع منعهم الجيش من الوصول متعهّدًا بأن يحدّد لهم يومًا بديلاً - وهو ما لم يحصل أبدًا. في النتيجة لم يتمكّن المزارعون سوى من حرث نصف المساحة المطلوب حرثها.
 

عوض حزمة، من سكّان ترمسعيّا 51 عامًا، متزوّج وأب لعشرة أولاد، أدلى بإفادته يوم 21.3.18، قائلاً:  

Thumbnail
عوض حزمة. تصوير: اياد حداد، بتسيلم 21.3.18

بعد تنسيق مسبق مع مديرية التنسيق والارتباط الإسرائيلية، خرجنا في 19.3.18 لنعمل في أرضنا الواقعة في منطقة الظهرات، قرب مستوطنة "عدي عاد". وصلنا في الساعة 8:30 وفقًا لما قالوا لنا. كنت مع أخي عودة ونحو عشرة مزارعين وعمّال آخرين وكان معنا سبع تراكتورات. وقف أربعة جنود في نقطة حراسة أقيمت قبل ثلاثة سنوات بسبب اعتداءات المستوطنين - علمًا أنّهم لا يمنعونهم حقًّا من مهاجمتنا وهو ما حصل في ذلك اليوم أيضًا. باشرنا العمل وفي الساعة 9:00 تقريبًا جاء حسام، ضابط التنسيق الإسرائيلي، وقال لنا "ابدأوا الحرث. لا توجد مشاكل كلّ شيء تمام"؛ وغادر بعد بضعة دقائق. لم تمض عشرون دقيقة إلّا وجاء ثلاثة مستوطنين ملثّمين يعتلون ظهور خيولهم. كنّا قد رأيناهم في ساعات الصباح يحومون في المنطقة. كذلك حسام رآهم قبل أن يغادر. حاول المستوطنون إخافتنا بخيولهم حيث كانوا يجرون بها قريبًا منّا وبسرعة وعدّة مرّات ألقوا مفرقعات. عندما أخذت في تصويرهم ابتعدوا عنّا، وتوقّفوا ينتظرون بين الأشجار. 

قبَيل السّاعة 11:00 جاء ضابط من الإدارة المدنيّة يدعى "راز" وقال لنا أن نواصل الحرث وأنّه لا داعٍ للخوف. قبل ذلك كان قد تحدّث مع المستوطنين. سمعت الجنود يطلبون منه مصادرة هاتفي لكنّه لم يوافق. طلبت منه أن يأمر المستوطنين بمغادرة المكان لكنّه قال إنّه لا يستطيع أن يفعل ذلك. 

رأينا مزيدًا من المستوطنين قادمين من اتّجاه مستوطنة "عدي عاد". اعتقدنا أنّ الجنود و"راز" سوف يحموننا منهم. رأيناهما يقفان معهم ويتحدّثان إليهم فظننّا أنّهما سوف يمنعان هجوم هؤلاء المستوطنين علينا. غير أنّ قرابة الساعة 11:30 جاء ثلاثة مستوطنين ملثّمين وهاجمونا. في هذه المرّة لم يكونوا على ظهور الخيل. وبكلّ بساطة عندما اقتربوا منّا ابتعد الجنود عن المكان. بدايةً ألقى المستوطنون نحونا المفرقعات ثمّ أخذوا يرشقوننا بالحجارة. لم يكن في يدي أيّ شيء أدافع به عن نفسي سوى عصا. ألقى المستوطنون مفرقعة نحو سليمان عصفور الذي كان يحرث بواسطة التراكتور فوقفت قبالتهم وأخذت أصرخ عليهم. 

حين رشق المستوطنون علينا الحجارة كان الجنود يوجّهون إلينا أسلحتهم. اثنان منهم ضربا سليمان ودفعاه فأوقعاه أرضًا. حاولت ردعهم بحجر كان في يدي لكنّي أصبت عندها بحجر في الجهة اليسرى من وجهي. تألمت جدًّا. وقف أحد الجنود قبالتي، دفعني وأوقعني أرضًا ثمّ ابتعد عنّي. ضابط التنسيق "راز" لم يفعل شيئًا فقط وقف بيننا وبين المستوطنين. بعد مرور ساعتين عاد المستوطنون في اتّجاه "عدي عاد"، وكانت الساعة 13:30 تقريبًا. عندها طردنا "راز" والجنود من الأرض وقالوا لنا إنّه لا يمكن اليوم مواصلة العمل. قالوا إنّه يمكننا العودة في يوم الغد. وهكذا ضيّعوا علينا يوم عمل بأكمله. 

توجّهت إلى المستوصف، حيث أجروا لي تصويرًا وفحوصات. قالوا إنّه توجد كدمات في الفكّ السفليّ وتورّم في الخدّ ولا توجد كسور. عدت إلى المنزل بعد ساعة تقريبًا. كذلك أصيب سليمان بجروح طفيفة. 

سليمان عصفور، أجير زراعي 24 عامًا، متزوّج وأب لولد واحد، أدلى بإفادته يوم 22.3.18 محدّثًا عمّا جرى في ذلك الصّباح:

Thumbnail
سليمان عصفور. تصوير: اياد حداد، بتسيلم 22.3.18

عند الساعة 11:30 تقريبًا وبعد أن تناولنا وجبة الفطور ابتعدت نحو عشرة أمتار عن بقيّة المزارعين ومعي كأس شاي - لكي أدخّن سيجارة بهدوء. عندها رأيت على مسافة أمتار نحو ثلاثة مستوطنين ملثّمين بين الأشجار يتقدّمون نحونا. كان الجنود على مسافة نحو 15-20 مترًا. أشعل أحد المستوطنين مفرقعة ناريّة وألقاها نحوي. كادت المفرقعة تصيبني في رأسي لكنّي أزحت نفسي بسرعة. صرخت على المستوطن وجاء عوض حزمة ووقف إلى جانبي وعندها أخذ المستوطنون يرشقوننا بالحجارة. 

عندما حاولنا الدفاع عن أنفسنا جاء الجنود وأمسكني اثنان منهم ثمّ دفعاني وأوقعاني على شجيرة شائكة. كنت أرتدي قميصًا بأكمام قصيرة فآلمني وخْز الأشواك. أحد الجنود أمسك بي وثبّتني عندما رشق مستوطن حجرًا على عوض وجنديّ آخر هاجمه. كلّ هذا والمستوطنون يواصلون رشق الحجارة وبعضها أصاب الجنديّين أيضًا - ومع ذلك واصلا ضربنا دون أن يبدر عنهما أيّ ردّ فعل تجاه أفعال المستوطنين. بقيّة المزارعين لم يتدخّلوا ربّما خافوا. 

بعد بضعة دقائق جاء جنديّان رفعاني عن الأرض وأخذاني جانبًا؛ فيما المستوطنون ما زالوا يواصلون رشق الحجارة.  عندما سحبني الجنديّان جانبًا سألت أحدهما "أنت تأتي إلى هنا لكي تحميني أم لكي يضربني المستوطنون؟"، وعندها قال لي: "اسكت. لا تتكلّم". 

ضابط التنسيق الذي كان موجودًا في المكان منذ الصّباح جاء بعد أن أجلسني الجنود على الأرض على بُعد نحو ثلاثين مترًا من المكان الذي كنّا فيه سابقًا. سألني باللغة العربية "هل ضربك المستوطن؟"، وأجبته: "أنت رأيت ما حدث أنا شخص يرى بعين واحدة فقط ولو أصاب الحجر عيني السّليمة لأصبحت أعمى، هل تقبل بهذا؟". وجّه الضابط إليّ السؤال نفسه مرّة أخرى، فأجبته بنعم. عندها قال لي: "أنا لم أرَه يضربك وإذا سبّبت مشاكل مرّة أخرى فسوف أعتقلك". لقد هدّد باعتقالي إذا قلت إنّ المستوطنين ضربوني. بعد رُبع ساعة تقريبًا غادر المستوطنون وعندها طردَنا الجنود من المكان بحجّة أنّهم لا يستطيعون السيطرة على الوضع وأنّه لا توجد قوّة عسكرية كافية لفرض النظام. لم يكن لدينا خيار سوى أن نغادر. 

المغيّر

هناك ستّ أسَر من قرية المغيّر تملك نحو 220 دونم تقع أيضًا في منطقة أقيمت في جوارها مستوطنة "عدي عاد". خصّصت مديرية التنسيق والارتباط للمزارعين ثلاثة أيّام تنسيق (من 19.3.18 إلى 21.3.18)، لكنّهم لم يتمكّنوا فعليا من العمل سوى يوم واحد. في اليوم الأوّل عندما وصل المزارعون إلى أرضهم أمرهم ضابط التنسيق بالعودة إلى منازلهم لأنّه لا يوجد في المكان جنود لحمايتهم. في اليوم الثاني بعد أن باشروا حرث الأرض رشقهم مستوطنون بالحجارة ولم يوفّر الجنود المتواجدون في المكان أيّة حماية لهم بل ساعدوا المعتدين على تنفيذ الهجوم. بعد نحو عشر دقائق غادر المستوطنون المكان وواصل المزارعون حرث الأرض. أمّا اليوم الثالث فقد جرى إلغاؤه بأمر من الجيش وعيّنت مديرية التنسيق يومًا بديلاً عنه في 25.3.18، غير أنّ المزارعين - على خلفيّة الاعتداء العنيف عليهم في الأيام الأولى - خافوا القدوم والعمل في أراضيهم. في النتيجة، لم يتمكّن المزارعون سوى من حرث 70 دونم وتُركت المساحة المتبقّية (نحو 150 دونم) دون حرث. 

Thumbnail
أكرم نعسان. تصوير: اياد حداد، بتسيلم 22.3.18

أكرم نعسان من سكّان المغيّر 44 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد أدلى بإفادته يوم 22.3.18 قائلاً:  

في يوم الإثنين، 19.3.18، وصلت إلى أرضي في الساعة 8:30 صباحًا، وكان برفقتي خمسة من أبناء أسرتي وثلاثة عمّال أجيرين. فور أن وصلنا، جاء ضابط التنسيق حسام ومعه رجل أمن من بؤرة "عدي عاد" الاستيطانية. قال لنا حسام إنّ علينا أن نغادر المكان لأنّه لا يوجد جنود لحمايتنا. لم يكن أمامنا خيار سوى أن نعود إلى منازلنا. 

في اليوم التالي وصلنا في الساعة نفسها ولكن قبل أن نبدأ العمل جاء ضابط ورجل أمن من المستوطنة وقالا لنا أن نخرج من الأرض. اتّصلت مع حسام فادّعى أنّه اتّفق معنا على الوصول في الساعة 9:00. اضطررنا إلى الجلوس جانبًا والانتظار لمدّة نصف ساعة. عاد الضابط ورجل الأمن من البؤرة الاستيطانية في اتّجاه المستوطنة وأخذا في مراقبتنا عن بُعد. كان هناك ثلاثة جنود يقفون قبالتنا على مسافة نحو ثلاثين مترًا منّا. في الساعة 9:00 بدأنا العمل وعندها رجع الضابط ورجل الأمن إلينا وقاما بفكّ المحاريث عن الأحصنة وطلبا منّا وقف العمل بحجّة أنّنا بدأنا دون طلب إذن. قلت للضابط أنّنا جئنا لنعمل وأنّ معنا عمّال نحن مجبرون على دفع يوميّتهم وأنّ علينا البدء بالعمل بأسرع وقت ممكن حيث الأيّام الثلاثة التي سمحوا لنا بها تكاد لا تكفي لإنجاز العمل في الأرض لأنها تحتاج على الأقلّ عشرة أيّام.


اتّصلت مع حسام فقال إنّه قادم وطلب أن ننتظره. بعد عشرين دقيقة تقريبًا وصل حسام وعندها فقط استطعنا البدء في العمل. دخلنا مع ثلاثة جنود إلى منطقة أبو المواس القريبة من البؤرة الاستيطانية وبدأنا في حرث الأرض. كان معنا أربعة تراكتورات وهكذا تمكّنا من حراثة 15 دونم. بعد ذلك واصلنا العمل في قطعة أرض أخرى. أثناء العمل رأينا ستّة مستوطنين قادمين من اتّجاه البؤرة الاستيطانية. اتّصلت مرّة أخرى مع حسام وقلت له "إنّهم قادمون إلينا، وهذا يخيفنا" لكنّه قال لي "لا تخافوا، فهناك جنود". واصل المستوطنون التقدّم نحونا حتّى وصلوا إلى مسافة عشرة أو عشرين مترًا منّا. لم يكونوا ملثّمين. ركض أحد المستوطنين نحوي وحاول ضربي لكنّي تمكّنت من التراجع إلى الوراء. كان الجنود يقفون بالقرب منا فقلت لهم: "انظروا إليه! أنت ترى أنّه يهاجمنا!" فردّ الجندي عليّ قائلاً: "لا توجد مشكلة". واصل المستوطن التقدّم نحوي مع مستوطن آخر ولكي أخيفهم حملت حجرًا ولوّحت به مطالبًا إيّاهم بالابتعاد عنّي.  

في اللحظة نفسها هجم عليّ الجنود وأمسكوا بي. هكذا أتاحوا للمستوطنين ضربي. حاولت الفرار، لكنّ الجنود أخذوا يركلونني. المزارعون الآخرون انتابهم الخوف وابتعدوا قليلاً، لكنّ المستوطنين أخذوا يرشقونهم بالحجارة، فردّوا عليهم بالمثل. نجحت في التخلّص من أيدي الجنود الذين هدّدونا بأنّهم سيطلقون النّار على من يرشق الحجارة. جاء إلى المكان ما بين خمسة وسبعة جنود إضافيّين وفقط عندها عاد المستوطنون إلى البؤرة. سمح لنا الجنود بمواصلة العمل، وبقي معنا جنديّان اثنان. من حين لآخر كانت تصل دوريّة حرس الحدود. واصلنا العمل حتى الساعة 15:30، وعندها كان علينا وقف العمل لأنّ الوقت المحدّد لنا في التنسيق قد انتهى. 
في يوم التنسيق الأخير جئنا للعمل في أرض مجاورة للبؤرة الاستيطانية ولكن لم يكن هناك جنود. اتّصلت مع حسام فقال إنّه غير مسؤول عنّا ولهذا قرّرنا أنّه لا يمكننا العمل خشية اعتداء المستوطنين علينا. انتقلنا للعمل في قطعة أرض بعيدة ولا تتطلّب تنسيقًا. اتّصلت لاحقًا بمديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينية لكي يساعدونا في الوصول إلى الأرض المجاورة للبؤرة الاستيطانية فقالوا إنّه يمكننا العمل هناك في 25.3.18. 

لم أقدّم شكوى لأنّني لا أومن بأنّ جهاز القضاء يعمل لصالحنا. لقد هاجمنا المستوطنين أمام ناظري الجنود وبموافقتهم بل إنّ الجنود تدخّلوا لصالح المستوطنين. أنا أعتقد أنّهم يتّبعون هذه السياسة لإرغامنا على ترك الأرض ولأجل توسيع "عدي عاد" - لقد بدأت هذه البؤرة الاستيطانية بكرفان واحد وها هي اليوم قد أصبحت قرية صغيرة. 

* تصوير فيديو: ياسر نعسان، متطوع بتسيلم

آخر الفيديوهات