Skip to main content
مرة مشاهدة: 991

برعاية الجيش ومن أجل حفنة مصلّين: يُسجن الفلسطينيون في منازلهم ويعانون من الضجيج والقاذورات وإتلاف ممتلكاتهم

توجد في بلدتين شمالَ الضفة الغربية مقامات أو قبور أولياء يعتبرها البعض مقدّسة في الديانة اليهوديّة: قبر يوشع بن نون وقبر نون وقبر كالب بن يوفنا - في كفل حارس شمال سلفيت. قبر إلعازار وقبر ...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

برعاية الجيش ومن أجل حفنة مصلّين: يُسجن الفلسطينيون في منازلهم ويعانون من الضجيج والقاذورات وإتلاف ممتلكاتهم

توجد في بلدتين شمالَ الضفة الغربية مقامات أو قبور أولياء يعتبرها البعض مقدّسة في الديانة اليهوديّة: قبر يوشع بن نون وقبر نون وقبر كالب بن يوفنا - في كفل حارس شمال سلفيت. قبر إلعازار وقبر إيتامار ابنا هارون الكاهن وكهف الشيوخ السّبعين - في عورتا جنوب نابلس. كلّ بضعة أشهر يغلق الجيش مداخل هاتين البلدتين وينصب عليهما الحواجز ويمنع الأهالي من التنقّل سواء في السيّارات أو سيرًا على الأقدام وكلّ هذا لكي يمكّن المصلّين اليهود من أداء طقوس "زيارة" هذه القبور طوال الليل.

شاهد أتلفه مصلّون قرب أحد القبور. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 25.2.20

هذه الاقتحامات تنغّص عيش الأهالي ولا تفرّق بين رجل وامرأة أو طفل وعجوز: قوّات كبيرة من الجيش وشرطة حرس الحدود تقتحم البلدات قبل ساعات من وصول المصلّين فتنتشر في الشوارع وتأمر السكّان بالدّخول إلى منازلهم. في بعض الأحيان يطلقون قنابل الصّوت بهدف إبعاد السكّان الذين لا ينصاعون للأوامر. ويُفرض على أصحاب المصالح إغلاق محالّهم مما يضرّ بمصدر رزقهم.

المصلّون الذين يأتون بالمئات في حافلات وسيّارات خاصّة يتنقّلون بين المقامات ودائمًا بمرافقة عناصر قوّات الأمن. في أثناء ذلك يعلو ضجيجهم فلا يتمكّن الأهالي من النّوم. وهُم أحيانًا يجلبون معهم أيضًا المراحيض المتنقّلة والطعام ويغادرون المكان مخلّفين وراءهم قاذورات كثيرة. في بعض القبور خطّ المصلّون شعارات بالعبرية وفي بعضها أخذوا سجاجيد وكتب. بل إنّ بعض المصلّين يشتمون السكّان ويرشقون منازلهم بالحجارة ويتلفون ممتلكاتهم - مثل عدّادات المياه وأصص الزّهور والكراسي والسّيارات - ينبغي التذكير أنّهم يفعلون كلّ هذا أمام أنظار عناصر قوّات الأمن.

هذه "الزّيارات" والطريقة التي تتمّ بها تجسّد بشكل صارخ سياسة الاضطهاد العنيف التي تتّبعها إسرائيل في جميع أنحاء الضفة الغربية حيث تعطي أولوية مطلقة لمصالح المواطنين اليهود على حساب الرّعايا الفلسطينيّين مسلوبي الحقوق. حتى في منتصف الليل وحتى في قلب البلدات الفلسطينية تسخّر الدولة قوّتها العسكرية لتمكين مواطنيها اليهود من تحقيق كل رغباتهم تقريبًا وتتجاهل بالمطلق الثمن الذي يضطرّ الفلسطينيّون إلى دفعه، والثمن في هذه الحالة تشويش روتين حياتهم اليوميّة والمسّ بأمنهم وممتلكاتهم.

سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادات عدد من أهالي البلدتين حول "الزيارتين" الأخيرتين اللّتين قام بهما المصلّون اليهود: كفل حارس في 7.1.2020 وعورتا في 30.1.2020:

 

جلال بوزيّة في دكّانه. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 15.1.20

كفل حارس يوم الثلاثاء الموافق 7.1.2020

في يوم الثلاثاء الموافق 7.1.2020 نحو السّاعة الـ21:00 اقتحمت مركبات الجيش وشرطة حرس الحدود بلدة كفل حارس شمال سلفيت ثمّ قام العناصر بإغلاق مدخل البلدة وشوارع مركز البلدة، كما أغلقوا الشوارع المجاورة للمقامات الثلاثة ليمنعوا وصول السكّان إلى المنطقة. أمر العناصر الأهالي الذين تواجدوا في مركز القرية بالمغادرة وألقوا نحوهم عددًا من قنابل الصّوت. بعد حوالي السّاعتين دخل البلدة مئات المصلّين وأخذوا يتنقّلون بين المقامات الثلاثة وكان بعضهم أثناء ذلك يشتم الأهالي ويرشق منازلهم بالحجارة. استمرّت الأمور على هذا الحال إلى أن غادر المصلّون وقوّات الأمن البلدة عند السّاعة 4:00 فجرًا.

أدناه إفادة جلال بوزية (43 عامًا) أب لخمسة أبناء وهو يملك دكّان بقالة في مركز البلدة - أدلى بها في 15.1.20 قائلًا:

عند السّاعة 21:00 تقريبًا وبينما كنت في دكّاني اقتحمت البلدة نحو ثماني مركبات جيب عسكرية تتبع لشرطة حرس الحدود. نزل الجنود من المركبات وأمروا السكّان بمغادرة المنطقة بسبب دخول المستوطنين. كما أطلق الجنود عددًا من قنابل الصّوت بهدف إبعاد الناس. كان المكان يعجّ بعشرات من الأهالي. يجتمع الناس في مركز البلدة لأنّه ليس لدينا مقهىً وفي هذه السّاعات يبلغ البيع عندي الذروة مقارنة ببقيّة الأوقات. بعد بضع دقائق دخل خمسة جنود إلى الدكّان وأمروني بإغلاقه لأجل دخول المصلّين. خرج زبائني وخرجت أنا أيضًا للتحدث مع الجنود. قلت لهم إنني لا أستطيع إغلاق الدكّان لأنّه مصدر رزقي فأجابوني بالعربية: "لا تجبرنا على استخدام القوّة" وأمروني مرّة أخرى أن أغلق. رفضت وعدت إلى البقالة فأغلقوا بابها وأنا في داخلها مع أطفالي الخمسة المتراوحة أعمارهم بين 5 سنوات و16 سنة. فتحت الباب لكنّهم أغلقوه مرّة أخرى. خمس مرّات تكرّر إغلاقهم الباب وفتحي له حتّى دفعني أحد الجنود بقوّة إلى داخل البقالة وأغلق الباب. اتّصلت بمكتب مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة في سلفيت وأخبرتهم بما يحدث. قلت لهم إنّ الوضع لا يطاق. قال لي من ردّ عليّ إنه سيُعلم الارتباط الإسرائيلي وسيأتون إليّ. فهمت منه أن أفراد الارتباط الإسرائيلي يتواجدون داخل البلدة. بعد مضيّ عشر دقائق تقريبًا جاء جيب تابع لمديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة. دخل ضابطان وحدّثتهما بما جرى فقال أحدهما إّنّ الجنود أخطأوا في استعمال القوّة ولكن عليّ إغلاق الدكّان. قلت له إنّ المصلّين لا يدخلون قبل الـ23:00 وعليه فلا داعٍ لإغلاق دكّاني في وقت مبكر. غادر الضابطان بعد عشر دقائق بعد أن أوضحا لي أنّ عليّ إغلاق الدكّان لتجنّب المشاكل مع الجنود. خاف أولادي كثيرًا وخاصّة الصّغار وأكثر ما خافوا حين دفعني الجنود وصرخوا عليّ. من خوفهم عليّ رجوني أن أغلق الدكّان فأغلقت وعدت إلى المنزل مع الأولاد.

دكّان جلال بوزيّة في مركز قرية كفل حارس. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 15.1.20

ذهبت مع الأولاد إلى منزل والدتي الذي يبعد عن الدكّان مسافة مئة متر لكي أمضي الوقت معها فهي تخاف في مثل هذه الأوضاع خاصّة وأنّها تقيم وحدها مع شقيقتي. خشيت أيضًا أن يُلحقوا بهما الأذى. كما في مرّات سابقة أراد الجنود الصّعود إلى المنزل واستخدامه كنقطة مراقبة ولكنّني رفضت أن أفتح لهم الباب. حدث ذلك عند منتصف اللّيل تقريبًا. تكلّمت معهم من الشرفة وقلت لهم إنّه يوجد في المنزل نساء وأطفال. جاء ممثلو مديرية التنسيق الإسرائيليّة وقالوا إنّ علينا الدّخول إلى المنزل وعدم الوقوف في الشرفة لئلًا تحدث مشاكل. في ذلك الوقت كان المستوطنون يشتموننا بالعبريّة والعربيّة ويشيرون بحركات بذيئة فدخلنا المنزل مجبَرين.

نحن أيضًا لا نستطيع أن ننام في مثل هذه الأوقات وذلك بسبب الضجيج وفقدان الشعور بالأمان. يصدر المصلّون ضجّة شديدة حيث يستخدمون البوق والموسيقى والطبول. إنّه وضع لا يطاق. علاوة على ذلك فإنّهم حين يغادرون يخلّفون وراءهم في الدّوار نفايات كثيرة إضافة إلى رائحة البول التي تملأ المكان - علمًا أنّهم يجلبون معهم مراحيض متنقّلة. كثيرًا ما أجد بقايا طعام في ساحة منزل والدتي وعند بوّابة دكّاني أي أنّي أضطرّ إلى تنظيف مخلّفاتهم.

في كلّ "زيارة" لهم أخسر ذروة ساعات العمل في دكّاني. في إحدى المرّات بقي لديّ نحو 20 كغم خبز لم أتمكّن من بيعها. كذلك يقلّ بيع السّكاكر والحلويات لأنّ الأهالي يخشون على أولادهم الصّغار في أيّام "الزّيارات" ويمنعونهم من القدوم إلى مركز البلدة ساعات قبل اقتحام الجنود.

رموز نجمة داوود خطّها المصلّون بالمرش عند مدخل أحد المقامات. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 25.2.20

يقيم خ.ش. (46 عامًا) قرب المدخل الجنوبيّ للبلدة. متزوّج وأب لستّة أبناء. عند السّاعة 1:00 أيقظته ابنته البالغة من العمر 20 عامًا قائلة إنّ المصلّين يرشقون المنزل بالحجارة. في 12.1.20 أدلى خ.ش. بإفادته قائلًا:

نهضت من الفراش بسرعة فتحت باب المنزل فرأيت عددًا كبيرًا من المستوطنين يسيرون برفقة 4 - 5 جنود وجنديّات وكان بعضهم يرشق منزلنا بالحجارة ويشتمنا بالعربيّة والعبريّة. حين اعترضت أمام الجنود بالعبريّة قائلًا "ألا ترون ما يفعل هؤلاء؟!" قال لي الجنود "اهدأ" والحجارة تتساقط على منزلنا. شتمني أحد المصلّين قائلًا "شراميط، خنازير" و"العرب زبالة" وأمطرني بسيْل من الشتائم الأخرى.

عند السّاعة 4:00 فجرًا خرجت من المنزل متّجهًا إلى عملي وكان المستوطنون موزّعين إلى مجموعات ويصلّون قرب المدخل الجنوبيّ للقرية. لكي أتجنّبهم سلكت طريقًا أخرى.

 

كلّما أراد المصلّون القدوم يأتي الجنود قبلهم في ساعات المساء إلى مدخل البلدة ويفرضون على الأهالي حظر تجوّل شبه تامّ ممّا يشوّش حياتنا ويقلبها رأسًا على عقب. ذات مرّة في الصّيف عدنا من خارج البلدة ولم نستطع الوصول إلى منزلنا فاضطررنا إلى المبيت في منزل شقيقتي الواقع في وسط البلدة. وفي مرّة أخرى كنت أقود سيّارتي فأوقني جنود في جيب عسكريّ قرب صيدليّة البلدة على بُعد نحو 200 متر من منزلنا. كانت معي زوجتي والأولاد وأعاقنا الجنود طيلة ساعة تقريبًا. أرادوا أن نترك السيّارة ونتّجه إلى منزلنا سيرًا على الأقدام فرفضت لأنّني كنت متأكّدًا أنّ المستوطنين سوف يحطّمونها. عندما يأتون نشعر وكأنّنا فئران عالقون في مصيدة بينما هم يتنقّلون في بلدتنا ويصلّون في القبور الثلاثة المقدّسة. نظلّ يقظين طوال اللّيل من شدّة الخوف خاصّة زوجتي والأولاد وكذلك بسبب صخبهم الشديد وشتائمهم. هم يفعلون ما يحلو لهم. هذا وضع لا يمكن تحمّله حتى أنّ زوجتي والأولاد لا يريدون البقاء في المنزل في الأيّام التي يأتي فيها أولئك.

اقتنيت سيّارتي قبل سنة ومنذ اليوم الأوّل أبيّتها في مخزن يملكه أخي حين يأتون إلى بلدنا لأنّني أخشى إن أوقفتها قرب المنزل أن يرشقها المستوطنون بالحجارة ويتلفوها أو حتى يحرقوها. قبل بضعة أشهر ثقبوا عجلات سيّارة أخي.

مها دويك عند مدخل منزلها. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 12.1.20

مها دويك (58 عامًا) متزوّجة وأمّ لعشرة أبناء. تسكن مع زوجها ووابنيها وكنّتها في مدخل البلدة. أدلت بإفادتها في 12.1.20 فقالت:

عندما علمت عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ أنّ المستوطنون سيدخلون البلدة أبلغت ولديّ كالعادة لكيلا يذهبا إلى العمل. في أيّام دخول المستوطنين هما ينامان في المنزل بعد ورديّة الصّباح لكي يبقيا مستيقظين في اللّيل أثناء وجود المصلّين اليهود في البلدة - لأنّنا نخشى على حياتنا فعلًا. نبقى مستيقظين طوال اللّيل حتّى أّن أطلب من ابني صالح وزوجته اللّذين يسكنان تحتنا أن يصعدا إلينا لأنّني أخاف عليهما.

جاء المستوطنون قرب السّاعة 23:00 وفي هذه المرّة جاءوا بأعداد أكبر من العادة. في كلّ مرّة يُعربدون طوال طريقهم إلى القبور ويهاجمون منازل الأهالي ويتلفون ممتلكاتنا. لقد رشقوا منزلنا بالحجارة فخرج زوجي والأولاد وخرجت أنا في أعقابهم لأنّني خشيت أن يصيبهم أذى. ونحن في الخارج أمرنا جنديّ بالعودة إلى المنزل لكنّ زوجي أصرّ أن يستدعوا القائد المسؤول - زوجي يتكلّم العبريّة. بعد نصف ساعة تقريبًا جاء جيب عسكريّ وأمر الجنود زوجي أن يدخل إلى المنزل. قال له القائد إنّه سيوقف جنودًا قرب منزلنا وإنّه يتحمّل مسؤوليّة أيّ شيء يحصل. دخلنا إلى المنزل ورأينا من النوافذ جنديّين يقفان أمام المدخل.

عند السّاعة 4:00 فجرًا خرج المصلّون من البلدة ولكن حتّى وهم يغادرون رشقوا منزلنا بالحجارة وشتمونا أمام الجنديّين.

عدّة مرّات كسروا عدّاد المياه المثبّت على سور المنزل وكذلك جرس الباب. أكثر من عشر مرّات قمنا بإصلاحه ثمّ توقّفنا عن ذلك. كسروا أيضًا أصص النباتات الموضوعة أمام المنزل. نحن نوقف سيّارتنا داخل مخزن لكيلا يتلفوها.

عورتا يوم الخميس الموافق 30.1.20:

في يوم الخميس الموافق 30.1.20 نحو السّاعة 22:30 اقتحمت مركبتان عسكريّتان وجنود وعناصر من حرس الحدود بلدة عورتا الواقعة جنوبيّ نابلس. أغلقت القوّات المدخل الشماليّ للبلدة وألقوا عددًا من قنابل الصّوت ثمّ انتشروا في أحياء البلدة لمنع تنقّل السكّان. بعد مضيّ ساعة اقتحم البلدة عدّة مئات من المصلّين وظلوا هناك حتى السّاعة 4:00 فجرًا حيث غادروا وغادرت معهم قوّات الامن.

أحد المقامات في قرية عورتا. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 25.2.20

 

تغريد عوّاد (49 عامًا) أمّ لثمانية أبناء تسكن في مركز البلدة مع زوجها وأربعة من أبنائها المتراوحة أعمارهم بين 18 - 26 عامًا. أدلت تغريد بإفادتها في 12.2.20 محدّثة عن اقتحام المصلّين الأخير بلدتها:

قرب السّاعة 22:30 اقتحمت بلدتنا أعداد كبيرة من المركبات العسكريّة والجنود. تمركز الجنود وسط البلدة كما يفعلون غالبًا وألقوا عددًا من قنابل الصّوت. قبل وصولهم طلبت من كلّ أولادي العودة إلى المنزل باكرًا. طلبت منهم أن يجلبوا معهم حاجيّات لتحضير وجبة العشاء لأنّ من يخرج من منزله لا يسمح له الجنود بالعودة كما أنّ جميع الحوانيت تغلق باكرًا. نحن اليوم نعرف مسبقًا عن قدومهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي. في السّابق كنّا نفاجأ بقدومهم دون سابق إنذار وكان هذا يضايقنا كثيرًا.

انتشر الجنود في شوارع البلدة وأزقّتها وبعد نحو أربعين دقيقة جاءت أعداد كبيرة من المستوطنين. يقع منزلنا بالضّبط قرب أحد القبور في وسط البلدة. بعد أن صلّوا توجّهوا لزيارة قبر آخر يقع قرب المقبرة ومن هناك تابعوا إلى القبر الثالث في الجانب الغربيّ من البلدة.

لم أتمكّن من النوم رغم أنّني كنت متعَبة جدًّا. إنّهم يحدثون جلبة فظيعة يأكلون ويشربون ويهتفون ويستخدمون الأبواق دون أيّ اعتبار لوجود أناس في المنازل القريبة بمن فيهم أطفال ومسنّون.

غادر المصلّون البلدة في الـ4:00 فجرًا وبعد ذلك تمكّنت من النوم بضع ساعات. الحمد لله أنّهم غادروا في هذه المرّة دون أن يُحدثوا مشاكل كثيرة. في المرّات السّابقة كانوا يطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع وكان منزلنا يمتلئ بالغاز لأنّه يطلّ على الشارع.

قبل سنة تقريبًا حطّم المستوطنون شواهد عدد من القبور في مقبرة البلدة ومن بينها شاهد قبر والدة زوجي رحمة عوّاد التي كانت قد توفّيت قبل ذلك بسنة فسارع زوجي إلى تبديله بشاهد جديد. كان هذا صعبًا جدًّا علينا. حتى الأموات لا يرتاحون في وجودهم.

قبل ستين تقريبًا أثناء اقتحام البلدة أتلفوا عددًا من السيّارات التي أوقفها الأهالي في ساحات منازلهم أو في الشارع أمام المنازل. في منزلنا كسروا جرس الباب عدّة مرّات وكنّا نستبدله ثمّ توقّفنا عن ذلك. لقد فعلوا ذلك مرارًا وتكرارًا لا أستطيع أن أتذكّر كم مرّة.

أدناه إفادة وجيه عوّاد أعزب في الـ22 من عمره ويعمل في دكّان بقالة مع والده - أدلى بها في 12.2.20:

وجيه عوّاد. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 12.2.20

أنا أغلق دكّاننا عادة في السّاعة 22:00 ولكن في 30.1.20 أغلقت في السّاعة 21.30 لأنّي علمت أنّ المصلّين والجيش سوف يقتحمون البلدة. فضّلت أن أغلق الدكّان قبل أن يصل الجنود ويُجبروني على ذلك. خشيت أيضًا أن يلقوا قنابل الصوت والغاز المسيل للدّموع.

توجّهت إلى المنزل فور أن أغلقت الدكّان. بعد نصف ساعة تقريبًا سمعت صوت جلبة وحركة سيّارات في الخارج وعندما نظرت عبر النافذة رأيت عدّة جيبات عسكريّة وجنودًا يلقون عددًا من قنابل الصّوت على الشارع مع أنّه لم يكن أحد غيرهم في الخارج. كان الجوّ باردًا والناس قد عادوا إلى منازلهم باكرًا.

انتشر الجنود في جميع الأزقّة المتفرّعة من مركز البلدة. بعد ساعة تقريبًا جاءت حافلات المستوطنين إلى مركز البلدة فنزل منها المصلّون واتّجهوا نحو أحد المقامات. سمعتهم ينشدون ويصلّون ويقيمون المراسيم. وقفت قرب النافذة خلف السّتارة لأنّي خشيت أن يراني الجنود أو المستوطنين ويرشقوني بالحجارة أو يصرخوا عليّ أن أغادر مكاني.

أثناء تنقّلهم بين المقامات ليلًا كان المستوطنون يأكلون ويشربون كأنّهم يتنزّهون في حديقة نهارًا بينما نحن كنّا محبوسين في منازلنا متوتّرين وقلقين من وجودهم. كيف يمكن النّوم أو الاطمئنان وهم موجودون وسطنا؟ إنّه أمر صعب جدًّا.

نحو السّاعة 4:00 فجرًا غادروا بلدتنا فقمت وأعددت لنفسي فنجان قهوة لأنّه لم يكن لديّ وقت لأنام وأرتاح حيث ينبغي أن أفتح الدكّان في السّاعة 6:00 صباحًا كالعادة. في هذا الوقت يحين خروج العمّال وأناس آخرون إلى أعمالهم ويشترون طعام الفطور والسجائر وحاجيّات أخرى. في تلك اللّيلة لم أنم ولم أرتح أبدًا.

 

آخر الفيديوهات