Skip to main content
Menu
المواضيع

"استقرّ رأينا على أنّ منع اللّقاء أمرٌ جدّ حيويّ لأمن المنطقة"

هكذا أتاح قضاة المحكمة العليا لجهاز "الشّاباك" أن يواصل تعذيب سامر عربيد

في يوم الإثنين الموافق 7.10.19 أقرّ ثلاثة من قضاة المحكمة العليا أنّه يجب الإبقاء على أمر منع مقابلة محامٍ كان قد صدر ضدّ سامر عربيد الذي جرى التحقيق معه لدى "الشاباك" باللّجوء إلى "وسائل خاصّة" وتمّ نقله إثر ذلك إلى المستشفى وهو في غيبوبة. فعل القضاة ذلك نظرًا إلى أنّه قد "طرأ تحسّن ما على وضعه الصحّي". ينبغي التنويه إلى أنّه لا العائلة ولا المحامين يعلمون ماهيّة وضعه الصحّي.

تسلسُل الأمور

سامر عربيد

في 25.9.19 اعتُقل سامر عربيد (44 عامًا) وهو من سكّان رام الله ومتزوّج وأب لثلاثة أولاد. أفاد شهود عيان أنّه تعرّض للضرب الشديد على يد الجنود. بعد ذلك اقتيد عربيد إلى التحقيق في "المسكوبيّة" حيث استُخدمت معه "وسائل خاصّة". في اليوم التالي اقتيد إلى المحكمة حيث أقرّ تمديد اعتقاله دون حضور محامٍ يمثّله وذلك بسبب أمر منع مقابلة محامٍ كان قد صدر ضدّه.

في يوم السبت الموافق 28.9.19 اتّصل محقّق من "الشاباك" بمحامي عربيد الذي عيّنته له مؤسّسة الضمير وأبلغه أنّ عربيد قد نُقل إلى مستشفى "هداسا هار هتسوفيم" وأنّه في غيبوبة ويتنفّس بواسطة أجهزة التنفّس. لاحقًا تبيّن أنّ عربيد نُقل إلى المستشفى منذ اليوم السّابق للمحادثة ولكنّ أحدًا لم يكلّف نفسه عناء تبليغ أسرته أو محاميه. تمكّنت زوجة سامر من زيارته في المستشفى بمرافقة محاميه ولكنّ المستشفى رفض أن يُدلي لهم ولجمعيّة أطبّاء لحقوق الإنسان بأيّة تفاصيل أو معلومات أوّليّة عن وضعه الصحّي.

في يوم الأحد الموافق 29.9.19 نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة فحص شكاوى المستجوَبين حول ظروف التحقيق معهم - التابعة لوزارة القضاء - باشرت تقصّي الحادثة وأنّها حين إتمامه ستقدّم توصياتها إلى النيابة وإلى المستشار القضائي للحكومة اللّذان سوف يقرّران هل ستُتّخذ إجراءات جنائيّة ضدّ المحقّقين الذين استجوبوا سامر عربيد.

توجّه محامو عربيد إلى المحكمة العسكريّة مطالبين بإخلاء سبيله وأيضًا بتلقّي معلومات عن وضعه الصحّي. في الأربعاء الموافق 2.10.19 سلّمهم الجيش كما سلّم المحكمة تقريرًا طبّيًّا وبناءً على هذا التقرير قرّرت القاضية الرّائد ميراف هرشكوفيتس يتسحاقي أنّه قد "طرأ تحسّن تدريجيّ" على وضعه وأنّه "يمكن استئناف التحقيق معه في الأيّام القريبة القادمة". قرّرت القاضية أن تُبقيه رهن الاعتقال بعد أن حدّدت ما يلي: "وجدت أنّ خطر المشتبه فيه على أمن المنطقة واضح ويستدعي مواصلة اعتقاله في المرحلة الحاليّة".

قرار محكمة العدل العليا

بعد أن صدر ضدّ سامر عربيد أمرٌ جديد يمنعه من مقابلة محامينه رفعت مؤسّسة الضمير التماسًا إلى المحكمة العليا تطالب فيه بإلغاء المنع. في يوم الإثنين الموافق 7.10.19 ردّ القضاة يتسحاق عميت وجورج قرا ويعايل فيلنر الالتماس في قرار حُكم قصير مؤلّف من بضع فقرات حيث وقّع عليه ثلاثتهم.

افتتح القضاة قرارهم محدّدين أنّ "الوضع الذي أمامنا ليس عاديًّا" بسبب الوضع الصحّي لمقدّم الالتماس. ثمّ يواصلون منوّهين أنّه وفقًا للمعلومات التي أبلغتهم بها الدولة قد تمّ إلغاء أمر منع لقاء مقدّم الالتماس مع محامينه "بسبب وضعه الصحّي" ولكن "في أعقاب تحسّن ما على وضعه الصحّي وحيث أنّ مقدّم الالتماس قد استعاد القدرة على التواصُل فقد تقرّر إعادة أمر منع مقابلة المحامين إلى سابق حاله". وفي النهاية يقول القضاة ما يلي: "لقد نظرنا في الموادّ بحضور طرف واحد" ثمّ يشيرون إلى أنّهم قد أداروا "محادثات مع جهات أمنيّة". إلى هنا وصف ملابسات القضيّة وإدارة النقاش فيها.

من هنا ينتقل القضاة إلى القرار الذي اتّخذوه في شأن الالتماس ويحدّدون: "استقرّ رأينا على أنّ منع اللّقاء أمرٌ جدّ حيويّ لأمن المنطقة والموادّ التي أمامنا تقول ذلك". انتهى قرار الحُكم.

في نهاية أقوالهم يشير القضاة إلى أنّ "الالتماس الذي أمامنا ينطلق من فرضيّة أنّ مقدّم الالتماس قد تعرّض لتعذيب شديد هو الذي أدّى به إلى وضعه الصحّي الصعب إلى درجة تهديد حياته حقًّا". ولكنّ القضاة يسارعون إلى التملّص من أقوالهم هذه مكتفين بالإشارة إلى أنّ "هذه المسألة قيد الفحص لدى وحدة التحقيق في شكاوى مستجوَبي الشاباك ونحن نرجّح أنّه ينبغي الامتناع عن أيّ استنتاج أو قول ما دام التحقيق لم ينته بعد".

المعنى: يمكن للشاباك مواصلة التحقيق مع عربيد ضمن اللّجوء إلى التعذيب

يُعدّ الحقّ في مقابلة محامٍ أحد الحقوق الأساسيّة للمعتقلين ولا يمكن سلبه إلّا في ظروف خاصّة واستثنائيّة. مقابلة المحامي أمرٌ حيويّ للمعتقلين: المحامي هو الجهة المخوّلة تقديم المشورة لهم وتعريفهم بحقوقهم وفحص وضعهم واتّخاذ الخطوات القضائيّة الملائمة للدّفاع عنهم. بالنسبة إلى المستجوَبين الذين يخضعون للتحقيق في ظروف يُعزلون فيها عن العالم وحيث يتضعضع وضعهم الجسديّ والنفسيّ من الحيويّ مقابلة طرف يصطفّ إلى جانبهم ويعمل لصالحهم. لكنّ القضاة يتجاهلون جميع هذه العوامل ويمتنعون عن توضيح قرارهم والإجابة عن السؤال لماذا توصّلوا إلى استنتاج أنّه يجب الإبقاء على أمر منع لقاء عربيد مع محامينه.

يشير القضاة في بداية قرارهم أنّهم أمام حالة "غير عاديّة" ولكنّ هذه الحقيقة تبقى دون أيّ تأثير على قرارهم: لم يفرضوا أيّ قيد على أداء محقّقي الشاباك لدى مواصلة التحقيق، مثال تقييد الوسائل التي يُسمح لهم استخدامها ضدّ عربيد أثناء التحقيق معه؛ ولم يطالبوا بتدبير إشراف خارجيّ على التحقيق؛ لم يُلزموا بأيّ إشراف طبّي مستقلّ ومتواصل على حالة عربيد الصحيّة لأجل ضمانة التوقّف عن إيذائه. إذا صرفنا النظر عن التقارير الإعلاميّة حول الحادثة ونظرنا فقط إلى قرار الحكم وحده سوف يبدو أنّه لا توجد أيّة علاقة بين تحقيق "الشاباك" مع عربيد وبين نقله إلى المستشفى لتلقّي العلاج.

من المؤكّد أنّ القضاة يدركون الادّعاء بأنّ هناك بالذات علاقة - علاقة سببيّة توضح أصلًا ماهيّة الحالة "غير العاديّة" - بين الأمرين وهم يشيرون إلى أنّه عُرضت أمامهم ادّعاءات في شأن العُنف الذي تعرّض له عبيد أثناء التحقيق معه؛ ولكنّهم يمتنعون عن مناقشة ذلك ويهربون إلى التنويه (بارتياح؟) إلى فحص تقوم به وحدة التحقيق في شكاوى مستجوَبي "الشاباك".

لكنّه مهرب وهميّ: القضاة والناس جميعًا يعلمون بأنّ الوقائع تؤكّد أنّ جهاز التحقيق في شكاوى العُنف والتعذيب أثناء التحقيق لدى "الشاباك" ليس سوى جهاز تزييف. التحقيقات التي يقوم بها هذا الجهاز لا تهدف أبدًا إلى تقصّي الحقائق بل إلى طمسها وغاية الجهاز ليست اتّخاذ إجراءات ضدّ المسؤولين المتورّطين في هذه الحوادث وبالتالي منع تكرارها. ما يحدث عمليًّا أنّ معظم المعتقلين لا يتقدّمون بشكوى مطلقًا ولكن حتى في الحالات التي تقدّم فيها شكاوى كهذه تبقى الفائدة من ذلك معدومة: منذ أن أقيمت "وحدة التحقيق في شكاوى المستجوَبين" في عام 1992 وحتى اليوم فحصت الوحدة مئات الشكاوى وفي جميعها ما عدا واحدة أغلق الملفّ دون التوصّل لنتيجة أي دون الإيعاز بفتح تحقيق ودون اتّخاذ أيّة إجراءات ضدّ المحقّقين أنفسهم أو المسؤولين عنهم.

بالنظر إلى ذلك، ينطوي قرار قضاة العليا على معانٍ مروّعة: في غياب أيّة قيود على أداء المحقّقين والوسائل المستخدمة في التحقيق في غياب أيّ إشراف خارجيّ على التحقيق وفي غياب فحص حقيقيّ لممارسات المحقّقين والمسؤولين عنهم فإنّ قرار الإبقاء على منع لقاء سامر عربيد مع محامينه - الذين يُفترض أنّهم يدافعون عن حقوقه - يتيح لجهاز "الشاباك" مواصلة التحقيق معه ضمن استخدام التعذيب ودون قيد أو حدّ.

سامر عربيد ليس استثناءً: سياسة التحقيق المتّبعة في "الشاباك"

حادثة عربيد استثنائيّة فقط لجهة أنّه جرى التحقيق معه "بوسائل خاصّة" ونُقل إلى المستشفى وهو في حالة غيبوبة. ولكن هناك مئات الفلسطينيّين يخضعون في كلّ سنة للتحقيق لدى "الشاباك" كأمرٍ عاديّ ويتعرّضون أثناء التحقيق للتنكيل والمعاملة اللّاإنسانيّة والإهانة وحتى التعذيب.

في أيلول 1999 أصدرت محكمة العدل العليا حكمًا قضائيًا يقضي بأنّ القانون الإسرائيلي لا يخوّل محقّقي "الشاباك" أيّة صلاحيّة لاستخدام وسائل تحقيق جسديّة وأبطلت طرقًا معيّنة مستخدمة لدى "الشاباك" في التحقيقات التي يجريها مثال التقييد بالأصفاد بطريقة مؤلمة والرجّ والهزّ وتغطية الرأس بكيس لفترة طويلة. ومع ذلك أشار القضاة إلى أنّه قد توجد حالات يلجأ فيها محقّقو "الشاباك" إلى وسائل عنيفة أثناء التحقيق ويبقون خارج المساءلة الجنائيّة استنادًا إلى "دفاع الحاجة".

كانت النتيجة المباشرة لقرار الحُكم المشار إليه هبوط حادّ في استخدام الوسائل التي أبطلها القرار بصريح العبارة ولكن في كنف قبول القضاة بما يسمّى "دفاع الحاجة" نجح "الشاباك" في مأسسة نظام تحقيقات بديل يُبقى على التنكيل الجسديّ والنفسيّ بالمستجوَبين بهدف عزلهم عن العالم الخارجيّ. وفقًا لذلك يتمّ احتجاز المستجوَبين في ظروف لا إنسانيّة تشمل زنازين ضيّقة بلا نافذة وأحيانًا عطنة ونتنة وتعريضهم طوال الوقت لإضاءة اصطناعيّة تؤلم العينين. بعض المستجوَبين يُحتجز في عزل تامّ عن محيطه. بعضهم أفاد أنّه تعرّض لموجات من الحرّ والبرد الشديدين وإلى منعه من النوم. كما أشار كثيرون إلى مرافق نظافة ظروفها مغثية وإلى أنّ الطعام المقدّم لهم غير صالح للأكل. أمّا في غرفة التحقيق فالمحقّقون يجبرون المستجوَبين على الجلوس وهم مقيّدين إلى كرسيّ صلب دون قدرة على تحريك جسدهم وذلك طيلة ساعات وحتى أيّام. كما يصرخ المحقّقون على المستجوَبين بل ويعتدون عليهم جسديًّا كما يوجّهون إليهم شتّى التهديدات ومن ضمنها أنّهم سوف يؤذون أفراد أسرتهم.

نظام التحقيق المذكور لم يقم كمبادرة خاصّة من هذا المحقّق أو ذاك بل جرى تخطيطه وتصميمه على يد سلطات الدولة التي تتعاون معه فيما بعد وتتيح استمراره: مصلحة السّجون صمّمت شروط الحبس اللّاإنسانيّة والأطبّاء يصدرون التقارير القائلة بأنّ المستجوَب "مؤهّل للتحقيق معه" والجنود وعناصر الشرطة ينكّلون بالمستجوَبين قبل نقلهم إلى أيدي "الشاباك" والقضاة العسكريّون يمدّدون الاعتقالات بشكل شبه تلقائيّ ويتيحون بذلك مواصلة التحقيق وقضاة المحكمة العليا يصادقون مرّة تلو المرّة على أوامر منع لقاء المستجوَبين مع محامينهم ويتيحون بذلك مواصلة التنكيل بهم. علاوة على هذا كلّه - جهاز تطبيق القانون يتيح استمرار بقاء نظام التحقيق هذا وعمله دون حسيب أو رقيب عبر الامتناع عن اتّخاذ إجراءات أيًّا كانت ضدّ المتورّطين.

حقوق إنسان؟

حادثة عربيد تعكس جيّدًا حجم الأذى الذي يتعرّض له الفلسطينيّون المعتقلون أثناء استجوابهم وكيف يبقون دون أيّة حماية في مثل هذا الظرف. كذلك تعكس الحادثة كم أنّ الهيئات التي يُفترض بها الحفاظ على سلامة وأمن هؤلاء المعتقلين تتواطأ على استهدافهم وتتيح مواصلة إلحاق الأذى بهم حتى عندما تتّضح النتائج المروّعة لهذا الأمر.

إنّها حادثة تعكس إلى أيّ مدًى تُمعن إسرائيل في تفريغ الحمايات الممنوحة للمعتقلين الفلسطينيّين من أيّ معنى رغم أنّها حقوق يكفلها لهم القانون الإسرائيليّ والقانون الدوليّ وعلمًا أنّ إسرائيل التزمت باحترام هذه الحقوق مرارًا وتكرارًا وتزعم أنّها تحافظ عليها. لا يعترف القانون الدوليّ بمصطلحات من قَبيل "قنبلة موقوتة" أو "إذن خاصّ". القانون الدوليّ ينصّ بشكل واضح وحاسم أنّ حظر التعذيب والتنكيل أثناء التحقيق هو حظر مطلق ولا استثناء له مهما كانت الظروف.

يزعم "الشاباك" أنّ عربيد مسؤول كبير في الجبهة الشعبيّة وأنّه فجّر بنفسه عبوة ناسفة قرب مستوطنة "دوليف" في عمليّة أسفرت عن مقتل رينة شنرب (17 عامًا) وإصابة شقيقها البالغ من العمر 19 عامًا بجراح بليغة وإصابة الدها بجراح متوسّطة. إذا كان عربيد قد نفّذ فعلًا تلك العمليّة فهو بذلك قد ارتكب جرائم خطيرة. ولكنّ عربيد لم تتمّ إدانته بعد بأيّة تهمة ولا يزال مجرّد مشتبه فيه لا أكثر. علاوة على ذلك، توجد لسامر عربيد حقوق مثلما لأيّ مشتبه أو أسير آخر ومثلما لأيّ إنسان. ومن هذه الحقوق ما لا يمكن سلبه قطّ - مثال حقّ عدم التعرّض للتعذيب؛ وبعضها يمكن سلبه في ظروف محدّدة وقليلة.

أساس الأمر أنّ هناك أمور ينبغي أن تكون واضحة ومفروغًا منها خاصّة بالنسبة لجهاز تطبيق القانون: ما معنى إنسان وما هي حقوق الإنسان وما الذي يترتّب على التزام إسرائيل باحترام حقوق الإنسان؟. في حادثة سامر عبيد، جميع الأطراف المتورّطة قد نسيت هذا كلّه - بدءًا بالجنود الذين اعتقلوه مرورًا بمحقّقي "الشاباك" وانتهاءًا بقضاة المحكمة العليا. عوضًا عن ذلك اختار جميعهم التعامل مع سامر عبيد على أنّه ليس إنسانًا أبدًا.

المكان