Skip to main content
Menu
المواضيع

فاطمة ابو عيسى، 70 عامًا، من سكان جنين، تتحدّث عن شوقها لابنتها في غزة، التي لا تستطيع زيارتها وعن الخوف من عدم رؤيتها حتى الموت

فاطمة ابو عيسى، 70 عامًا

فاطمة ابو عيسى، 70 عامًالديّ 12 ابنًا وابنة وجميعهم يعيشون هنا في جنين باستثناء ابنتي نبال (45 عامًا)، المتزوّجة من أحد سكان غزة وتعيش معه هناك. زوجها، يسري عبدالله المغاري، درس برفقتها في جامعة النجاح، وهي تعيش بعيدًا عنا منذ أن تزوّجت عام 1992، ومنذ أن أغلقت إسرائيل المعابر إلى القطاع فإننا نعاني جراء ذلك معاناة شديدة.

في السنوات الأولى من زواج نبال كانت المعابر مفتوحة، وكانت تدرج على زيارتنا مع زوجها وأبنائهما الصغار، كما كنا أنا ووالدها نزورها في الأعياد. وبرغم الطريق المنهكة كانت الزيارة إليها حفلة بالنسبة لنا.

بعد إغلاق إسرائيل للمعابر تغيّرت حياتنا وأدّى البُعد عن نبال إلى تمرير حياتي. أنا أم، وأنا أشعر بشوقي لنبال وأولادها كلّ يوم. والأمر يزداد صعوبة بشكل خاصّ في الأعياد والمناسبات الخاصة. وفي كلّ مرة كانت تلد فيها نبال كنت أخشى عليها كثيرًا وأعاني جدًا لأنني لا أستطيع المكوث بقربها، لأنّ المرأة بحاجة إلى أمّها في هذا الوضع، وبعد الولادة أيضًا. لم أستطع أن أهدأ حتى اسمع أنّ نبال والطفل بصحّة جيدة. كان الأمر صعبًا عليّ جدًا لأنّ اثنيْن من أطفال نبال توفّيا بعد ولادتهما بفترة وجيزة.


فيلم قصير": ما وراء الظلمات"

منذ زواج نبال، تزوّجت أربع أخوات وثلاثة أخوة لها، ولكنها لم تنجح بحضور أيّ حفل زفاف. لذلك، وبدلا من أفرح بهم، كنت أبكي طيلة الوقت. في شهر رمضان تلتقي عائلتنا عدة مرات ونقضي الأوقات سوية. نبال موجودة في قلوبنا، ولكنه وجود حزين ومؤلم لأنها لا تستطيع أن تكون معنا فعليًا. أنا أزور بناتي في الأعياد وألعب مع أحفادي، وفي كلّ مرة أدخل أحد منازلهنّ أتخيل أنني أدخل بيت نبال.

في عام 2005 طرأ تدهور على وضع زوجي الصحّي، د. جميل حمدان. حاولنا أن نرتب مسألة قدوم نبال ورؤيته هنا في جنين، لكنّ السلطات الإسرائيلية رفضت جميع طلبات تصاريح الزيارة. الفرصة الوحيدة التي تأتّت لنبال لرؤية والدها كانت في عمان، عندما سافر إلى هناك لتلقي العلاج. فقد سافرت من غزة إلى مصر ومن هناك إلى عمان. وقد اضطرّت للانتظار في الأردن لأكثر من أسبوعيْن حتى استطاعت العودة إلى غزة لأنّ معبر رفح كان مغلقًا وقتها. وقد توفي والد نبال عام 2005، ولم تنجح هي بحضور جنازته، حيث باءت جميع محاولاتها للحصول على تصريح بالفشل. وقد فتحت بيت عزاء في منزلها في غزة. كنا طيلة الوقت على اتصال هاتفيّ معها كي لا تشعر بأنها وحيدة. زوجها وأهله أناس طيبون جدًا، ولكن في مثل هذه الأوضاع يجب أن تكون المرأة مع أخوتها وأخواتها.

في عام 2007 أصيبت ابنتي رماح بمرض عضال وتدهور وضعها جدًا. عرفنا أنها على وشك الموت في كلّ لحظة. كل التقارير الطبية شدّدت على أنّ مرضها عضال. قدّمت نبال طلبات للحصول على تصريح زيارة وأرفقت بها التقارير الطبية آملة أن ترى أختها قبل وفاتها، لكنّ السلطات الإسرائيلية رفضت هذه الطلبات، ولم يعطوا نبال تصريحًا إلا بعد وفاة رماح، لكنها لم تنجح في الوصول إلى الجنازة لأنهم أخّروها لستّ ساعات في حاجز إيرز.

في يوم وفاة رماح، أثّر وصول نبال عليّ بقوة. عندما دخلت بيت العزاء ورأتني، بدأنا بالبكاء سوية، وأنا أغمي عليّ من شدّة الحزن لأنّ الاحتلال سلب من نبال قدرتها على رؤية أختها ووداعها. أنا أقسم بأنّ حزني على غياب نبال بقدر حزني على وفاة رماح.

نبال وأنا نتحدّث كلّ يوم بالهاتف. فليحفظها الله، فهي تتحدث معي هي وأولادها وزوجها، ولكن هذا لا يكفي. في كل ليلة قبل النوم وكل صباح حين أستيقظ أفكر بنبال وأخشى من أن أموت قبل أن أنجح في رؤيتها هي وأولادها. أكبر أمنياتي أن أراها.

قبل أسبوعيْن تقريبًا خضعتُ لعملية قسطرة وكانت كابوسًا، لأنني فكرت طيلة الوقت بأنني سأموت قبل رؤية نبال. كنت معها على الهاتف حتى لحظة دخولي لغرفة العمليات، ولحظة خروجي بسلام تحدّثت إليها. أردت فقط تهدئتها وأن أقول لها إنني بخير كي لا تقلق، لكنني بكيت في كل مرة تحدثتُ معها. سمعت من أبنائي أنّ نبال كانت معهم على الهاتف طيلة العملية.

وكما أنّنا نشتاق لنبال في الكثير من المناسبات، فإنها أيضًا مرّت بمناسبات كثيرة كانت بحاجة إلينا. من الصّعب على الإنسان أن يتخيّل كيف أنه لا يستطيع المشاركة في مناسبات لأولاده، ومن الصّعب أن أتخيّل أنني لا أعرف أحفادي إلا بواسطة الهاتف، وأنني لم أضمّهم منذ سنوات.

كلّ ما أطلبه أن يعينني الله على رؤية ابنتي وأحفادي. أنا أرغب بأن يزوروني وأن يكون بوسعي الاحتفال بزيارة نبال وزوجها وأبنائها عندي، تمامًا كما أحتفل بزيارات أخواتها. أنا أحلم بأن نستطيع كلنا زيارتها سوية والحلول ضيوفًا عليها عدة أيام، والمشاركة في مناسباتها.

أنا أصلي لعدم الموت قبل أن أنجح برؤية نبال وأولادها وزوجها هنا في منزلي. أنا لا أريد أن تأتي نبال إلى بيت العزاء بعد موتي، أنا لا أريد أن تكون زيارات نبال إلى جنين لبيوت العزاء فقط.

فاطمة ابو عيسى، 70 عامًا، من سكان جنين، تتحدّث عن شوقها لابنتها في غزة، التي لا تستطيع زيارتها وعن الخوف من عدم رؤيتها حتى الموت