Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

فايزة اللوح تروي كيف فرّت مع أولادها من بيتها للمرة الثانية، بعد أن أخلوه وقت "الرصاص المصبوب" وعادوا إليه وهو خراب

أنا وزوجي ماهر عطا اللوح، 55 عامًا، نعيش في بيت من طابق واحد في حي العطاطرة في بيت لاهيا، بجوار الحدود مع إسرائيل. لدينا ثمانية أولاد يعيشون معنا: محمد (23) متزوج من زينب (23)، أحمد (22) متزوج من أسماء (18)، زيد (20)، عطا (16)، فيفيان (27)، بسمة (25)، زهيّة (14) وملك (10). وتعيش معنا أيضًا حماتي زهيّة (90) وهي تستعين بالعكاكيز.

לقبل ثلاثة أيام اشتدّ القصف. قرّرنا ترك البيت بسبب الخطر. خرجنا نحو الساعة 1:00 قبل الفجر في سيارة أجرة يملكها صديق ابني، لأننا لم نجد أيّ وسيلة نقل أخرى. الناس كلهم يخافون السفر لأنّ كلّ ما يتحرّك يشكل هدفًا للقصف. رفض زوجي الخروج من البيت وأصرّ على البقاء مع أمه. قال لي "أنا أريد الموت هنا، أفضّل الموت في بيتنا على أن أكون مشرّدًا ومهانًا في بيوت الآخرين". لم تقنعه دموعي ودموع بناتي بالمجيء معنا. ركبنا كلنا سيارة الأجرة المخصّصة لأربعة ركاب وجلسنا الواحد على الآخر، فيما جلس اثنان من أولادي في صندوق السيارة، لأنه لم يكن أمامهما خيار آخر. سارت السيارة بصعوبة بالغة بسبب الوزن الثقيل. لم أفكر في أيّ شيء باستثناء كيفية الخروج من المنطقة والوصول إلى مكان أكثر أمنًا. صلّيت لله أن نصل بسلام قبل أن تقصفنا الطائرات الإسرائيليّة وتقطعنا أشلاءً.

وصلنا إلى منطقة مدينة غزة، وحللنا ضيوفًا على أقرباء من عائلتي. هم عائلة تتكوّن من ستة أنفار وبيتهم صغير ليس فيه إلا غرفتين ومرحاض. كان الوضع بالغ الصعوبة. اليوم، حين سمعت أنّ المدرسة فُتحت لاستقبال السكان النازحين عن بيوتهم، قررت الانتقال إلى المدرسة كي لا نثقل على أقربائنا أكثر. نحن عائلة كبيرة وبيتهم صغير.

نحن نعيش الآن باكتظاظ وهناك 40 شخصًا في كلّ غرفة صفّ، من النساء والأطفال والرجال، وكلهم من عائلتي: أخوة زوجي، أبناء عمومته، أولادهم المتزوجون وعائلاتهم. نحن نجلس على كراسي الطلاب، فليس هناك شيء آخر نجلس عليه. في كلّ طابق توجد ستة صفوف ومرحاض واحد نتقاسمه كلّنا، أي أنه توجد قمرة مرحاض لمئتي شخص تقريبًا، من الرجال والنساء. في كلّ مرة أحتاج المرحاض أجد طابورًا من خمسة إلى عشرة أشخاص. لا يوجد حمّام للاغتسال، ولم أغتسل منذ أسبوع وأنا أقرف من نفسي. وحتى قبل تركنا للبيت وعندما كنا في ضيافة أقربائي لم أستحمّ، لأنني خفت طيلة الوقت من أن يقصفوا البيت وأنا عارية. أنا أرتدي الآن ثياب الصلاة طيلة الوقت، حتى في الليل، لأنه في حال قصفونا وأخرجونا من بين الردم، فأنا أرغب بأن يعثروا عليّ وأنا أرتدي ثيابًا محتشمة، والا يلمس جسدي أيّ شخص. هذا قدرنا في هذا المكان. لا يوجد في المدرسة أيّ شيء باستثناء الطاولات والكراسي والألواح، ولا أعرف كيف سننام الليلة. أنا خائرة القوى. منذ بدء الحرب لا أنجح في النوم. في كلّ مرة أغفو فيها لبضع دقائق أستيقظ مذعورة على صوت قصف، وكذا الأمر حين أسمع شخصًا ما يتحدّث عن بيت تعرض للقصف. بالأمس مثلا، استيقظت جراء حديث أولادي عن عائلة البطش، الذين قُصف بيتهم من دون إنذار، وقُتل الكثيرون من أفراد العائلة.

أنا قلقة جدًا على زوجي. قبل وقت قصير تحدّثت إليه، وقال لي إنّ الوضع من سيئ لأسوأ. طلبت منه ترك البيت، لكنه قال لي إنّ الوضع بالغ الخطورة، وإذا خرج فإنه لن يصل حيًّا. أنا لا أعرف ما سيحلّ به. لقد قُصف بيتنا في السابق أثناء حرب 2009 ("الرصاص المصبوب"). وعندها أيضًا تركنا البيت والتجأنا إلى مدرسة. عند عودتنا وجدنا كومة من الردم، ولم يتبقّ أيّ شيء يمكن استخدامه. شيّدنا أنا وزوجي وأولادي غرفة مرتجلة من لوائح الصفيح والخشب وسكنّا على هذا الشكل ثلاث سنوات ونصف، كلنا في غرفة واحدة. لم ننتهِ من بناء طابق واحد في البيت مجدًدا إلا قبل سنة واحدة، وانتقلنا للسكن فيه. لم أصدّق أنّ لديّ بيتًا وجدرانًا ونوافذَ وأبوابًا ومبطخًا ومرحاضًا وحمامًا. لكن فرحتي لم تدم، لأننا نغادر بيتنا ثانية، ونضطرّ للفرار والجلوس ثانية على مقاعد الطلاب، وهي مقاعد ترمز لتهجيرنا، مقاعد من الألم والمعاناة.

مساء أمي قال لي زوجي إنّ الجيش الإسرائيليّ اتصل به، وطلبوا من السكان إخلاء المكان، حفاظًا على سلامتهم. طلبوا من السكان الخروج عبر شارعيِّ السلاطين والفاخورة ومن هناك إلى وسط مدينة غزة. لكنّ زوجي قال لي إنّ هذا غير ممكن، وإنه لن يترك البيت لأنّ أمه هناك، ولا يمكنها السير ولا توجد أيّ وسيلة مواصلات لنقلها، ولذلك سيبقى معها في البيت.

أنا أشعر بأن رأسي سينفجر من شدّة التوتر والقلق والتفكير. أنا أفكر طيلة الوقت بما سيحدث مع أولادي، ومع الولدين الكبيرين اللذين تزوجا قبل خمسة شهور ولم يتمتعا بعد بالأثاث الجديد. لم يُرزقا بعد بأطفال، وأنا أتأمّل جدًا أن أحظى برؤية أحفادي يلعبون بجانبي. أنا أفكّر بشكل دائم بزوجي وأمه، وببيتنا وما سيحلّ به. هل سأعود ثانية للسكن بين ألواح الصفيح أو أنهم سيدفنوني تحت الأرض؟ إذا قصف الجيش المدرسة فسنموت كلنا، وستُباد عائلات بأكملها. يوجد في هذه المدرسة أشخاص من عائلات العطاطرة والسلاطين وأبو حليمة، وهي عائلات تُعد من أكبر العائلات في المنطقة. أنا لا أعرف ما سيحلّ بنا في الأيام الآتية من هذه الحرب، أنا لا أعرف ما إذا كنا سنخرج من هنا مصابين أو قتلى أو لاجئين مشرّدين..

فايزة محمود اللوح، 50 عامًا، متزوجة وأم لثمانية أولاد، من سكان حيّ العطاطرة في بيت لاهيا. سجّلت شهادتها سلمى الدبعي، باحثة بتسيلم في نابلس، عبر مكالمة هاتفيّة، يوم 13/7/2014

 

عن افادات حملة "الجرف الصامد" على قطاع غزة:

 

منظمة "بتسيلم" تجمع الافادات من سكان غزة والحملة ما تزال جارية. ونتيجة للظروف، فإنّ غالبية الافادات تُجمع هاتفيًا. "بتسيلم" تتأكد قدر استطاعتها من أنّ المعلومات التي تصلها ذات مصداقية ودقيقة، ولكن بطبيعة الأحوال يمكن أن ترد بعض الأخطاء. نحن نبذل كل جهد ممكن بأن تكون هذه الأخطاء قليلة وهامشية. ورغم هذا التخوف، قررت "بتسيلم" نشر هذه المعلومات، من منطلق إيمانها بضرورة نشر ما يحدث في غزة أمام الجمهور. بعد الحملة، ستستكمل "بتسيلم" الاستقصاءات.

المكان