Skip to main content
محمود سمحان وكنان ابن أخيه في كرمه، في قرية راس كركر، قرب إحدى أشجار الزيتون التي قطعها المستوطنون. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم،  19.8.18
Menu
المواضيع

موسم قطاف الزيتون 2018: اعتداء المستوطنين على المزارعين وعلى أشجار الزيتون وسرقة المحاصيل

الألم النفسيّ كبير جدًّا خاصّة وأنّنا لا ننعم ببركة العمل والجهد الذي بذلناه. بعد العناية اليوميّة بأشجارنا ترى بأمّ عينك كيف يُمحى كلّ شيء خلال لحظة. هذا يترك في القلب غصّة لا تزول.

محمود سمحان، راس كركر 19.8.18

في الماضي كان موسم قطاف الزيتون بالنسبة للأسَر الفلسطينيّة مناسبة للاحتفال بالمحصول والعلاقة مع الأرض ولكنّ مواسم الزيتون منذ سنوات طويلة أصبحت مشوبة بالمعاناة جرّاء الاستيلاء على الأراضي وتقييد وصول المزارعين إلى ما تبقّى من أراضيهم واعتداءات المستوطنين على قاطفي الزيتون وإتلاف الأشجار نفسها. بعض كروم الزيتون يقع في جوار مستوطنات أو حتّى داخلها وعليه لا يستطيع المزارعون الوصول إليها. في بعض الأماكن يتيح الجيش للمزارعين الوصول إلى أراضيهم مرّتين في السنة فقط - في موسمي القطاف والحرث - ولأيّام محدودة ولكن حتى عندما يأتي المزارعون إلى أراضيهم في هذين الموسمين كثيرًا ما يعيدهم الجيش إلى منازلهم بشتى الحجج. منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم يُبقي أشجارهم دون عناية فينخفض بالتالي محصولها ويتكبّد المزارعون خسائر كبيرة نتيجة لذلك ويُضطرّ بعضهم إلى البحث عن سُبل معيشة أخرى.

إضافة إلى ذلك يتعرّض المزارعون إلى اعتداءات المستوطنين سواء اعتداءات جسديّة عليهم أو على أشجارهم. على مرّ السّنين وثّقت بتسيلم مئات الهجمات التي اعتدى خلالها المستوطنون على الفلسطينيين أو ألحقوا أضرارًا بممتلكاتهم. يحدث هذا رغم التواجد الدائم لقوّات الجيش في المنطقة في مواقع عسكريّة أو في نقاط مراقبة ورغم حقيقة أنّ الاعتداءات تحدث في محيط المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة معروفة.

بعض المعتدى عليهم لم يبلّغ بتاتًا عن الاعتداء وبعضهم الآخر بلّغ الشرطة التي حضرت إلى المكان ووثّقت الأضرار بينما قدّم بعضهم شكوى رسميّة. ولكن مهما فعلوا فالنتيجة واحدة: معظم ملفّات التحقيق التي فُتحت أُغلقت دون التوصّل إلى نتيجة. السلطات الإسرائيليّة تطلق يد المستوطنين والمستوطنون يستغلّون ذلك جيّدًا ليفعلوا ما يحلو لهم بلا حسيب أو رقيب.

يضطرّ المزارعون إزاء هذه الظروف إلى هجر أراضيهم. لا يحدث هذا مصادفة بل هي سياسة تتّبعها إسرائيل لكي تحقّق هذه النتيجة تحديدًا فيسهل عليها الاستيلاء على المزيد من الأراضي لأجل توسيع المستوطنات أو تحقيق مصالح إسرائيليّة أخرى.

ابتدأ موسم قطاف الزيتون رسميًّا لهذا العام في 12.10.18 ولكن المستوطنين كشأنهم في سنوات سابقة بدأوا الاعتداء على كروم الزيتون قبل ذلك بأسابيع. ابتداءً من منتصف شهر آب وحتى 24.11.18 وثّقت بتسيلم في قرى منطقتي نابلس ورام الله اعتداءين على قاطفي الزيتون وتسع اعتداءات على الممتلكات قطع خلالها المستوطنون نحو 500 شجرة زيتون وسرقوا ثمار ما لا يقلّ عن 310 شجرات.

أدناه تفصيل بعض الاحداث التي وثّقها باحثو بتسيلم الميدانيّون يصف فيها المزارعون المصرون على فلاحة أراضيهم رغم العراقيل التي تفرضها إسرائيل، يصفون المشاقّ التي يُجبرون على مجابهتها في هذا الموسم:

منطقة رام الله

وثّقنا في منطقة رام الله في الفترة نفسها خمس حالات اعتداءات من قبل المستوطنين حيث قطعوا ما مجموعه 377 شجرة زيتون وثلاث داليات. أحد كروم الزيتون المعتدى عليها في هذا الموسم كان المستوطنون قد قطعوا جميع أشجاره قبل ستّ سنوات. غرس أصحاب الأرض أشتالًا جديدة وانتظروا خمس سنوات لكي يجنوا أوّل محصول لكنّهم اكتشفوا أنّ المستوطنين قطعوا أشجارهم مرّة أخرى في هذه الموسم. في حالة أخرى قطع المستوطنون في الفترة نفسها 22 شجرة ليمون في قرية دير نظام.

أدناه جزء من الإفادات التي سجّلها إياد حدّاد، الباحث الميدانيّ لبتسيلم:

قرية ترمسعيّا 24.11.18:

في 24.11.18 اقتحم قرابة 15 مستوطنًا كرم زيتون يملكه عبد الله أبو عوّاد من سكّان ترمسعيّا يحوي 130 شجرة. على بُعد نحو أربعة كيلومترات من الكرم أقيمت في عام 1998 مستوطنة "عدي عاد". شرع المستوطنون في تخريب الكرم ونزعوا بأيديهم أغصان 23 شجرة. عندما تنبّه إليهم خمسة فلسطينيّين كانوا يقطفون الزيتون في أرض مجاورة وحاولوا تصويرهم انتقل المستوطنون إلى كرْم آخر يملكه شخص آخر من سكّان ترمسعيّا يدعى شكري زعتر ويحوي كرمه 200 شجرة زيتون. في هذا الكرم كسّروا أغصان 25 شجرة. عندئذٍ نادى قاطفو الزيتون الذين رأوهم عن بُعد صاحبَي الكرمين وجاء واحد منهما وهو شكري زعتر. كذلك اتّصلوا بمديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيلية. قبل أن يغادر المستوطنون المكان خرّبوا السياج الشائك الذي يحمي الكروم. مندوبو مديريّة التنسيق الذين جاءوا إلى الموقع بعد أن مضت ساعة على مغادرة المستوطنين استمعوا إلى إفادة شكري زعتر وإفادة شاهد عيان.

صاحب الكرم الأوّل عبد الله أبو عوّاد (76 عامًا) تحدّث في إفادته التي أدلى بها غداة الاعتداء كيف علم بتخريب كرمه:

Thumbnail
عبد الله أبو عوّاد. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 25.11.18

في يوم أمس السبت الموافق 24.11.18 عند الساعة 18:30 تقريبًا حين كنت أشاهد التلفزيون، اتّصل بي شخص من المجلس المحلّي وأخبرني أنّهم أتلفوا أشجارًا في أرضي الواقعة قرب مستوطنة "عدي عاد". وحيث أنّني رجل مسنّ ولا أستطيع الذهاب إلى هناك لوحدي في اللّيل انتظرت وذهبت في الصباح عند الساعة 8:00 مع كنّتي وشقيقتي. بعد ذلك جاء حفيدي أيضًا. عندما رأيت الأشجار المقطوعة أظلمت الدّنيا في وجهي. أحسست بألم لا يمكن وصفه وانتابني إحباط شديد. أشجاري كانت "مدلّلة" ربّيتها واعتنيت بها كأنّها ولد من أولادي. لقد انتزعوا الأغصان انتزاعًا. لم يستخدموا المنشار حتّى. في هذه الحالة لست متأكّدًا أنّه يمكنني إنقاذ هذه الأشجار بحيث تثمر من جديد. ربّما سيكون من الأجدى اقتلاعها وزراعة أغراس جديدة عوضًا عنها. لقد كان عمرها خمس سنوات فقط ولم تطرح بعد ثمارًا كثيرة. انتظرتها يومًا بيوم طيلة خمس سنوات لكي أراها تُثمر. الآن بتّ أخاف أن أرسل أولادي لكي يعتنوا بالأرض لئلّا يؤذيهم المستوطنون أو يقتلوهم. هم يريدون دفعنا إلى هجر أراضينا. إنّهم يضيّقون علينا لكي نهمل الأرض ويتسنّى لهم بالتالي الاستيلاء عليها. هم لا يحسبون حسابًا لأحد ولا أحد يحاسبهم أصلًا. لقد خرّب المستوطنون زرعي في وضح النهار في حين يوجد بين المستوطنة وأرضي برج مراقبة عسكريّ يشغله جنود بشكل دائم. أنا لن أقدّم شكوى لأنّه لا فائدة من ذلك - الحاجّ حمزة من سكان قريتنا قدّم شكاوى كثيرة إلى الشرطة بخصوص أعمال تخريب كهذه ولكن لم يحدث شيء.

 

عبد الله محمد (62 عامًا) متزوّج وأب لسبعة أبناء كان في وقت الحادثة يقطف ثمار الزيتون كعامل أجير في أرض مجاورة ومعه ثلاثة عمّال آخرون وصاحب الأرض. في إفادته التي أدلى بها غداة الحادثة قال ما يلي:

بين الساعة 14:30 والساعة 15:00 عندما كنّا نقطف الزيتون شاهدت نحو 15 مستوطنًا يكسّرون أغصان الزيتون في كرم يملكه أحد سكّان ترمسعيّا. بعضهم كان ملثّمًا بقميصه. كانوا يبعدون عنّا نحو 200 متر. اتّجهت مع عبد الله نعسان وهو صاحب الأرض التي كنت أعمل فيها إلى نقطة مرتفعة لكي نرى بالضبط ماذا يفعلون. اقتربنا حتى صرنا على مسافة 100 متر منهم وحاول عبد الله تصويرهم لكنّهم لاحظوا وجودنا ففرّوا نحو مستوطنة "عدي عاد". لكنّهم توقّفوا على بُعد 500 متر منّا ثمّ دخلوا إلى أرض يملكها شخص آخر من سكّان ترمسعيّا وأخذوا يكسّرون أغصان الأشجار هناك. اتّصل عبد الله نعسان بضابط من الارتباط الإسرائيلي وأبلغ أيضًا أصحاب الأراضي. بقي المستوطنون في الأرض الثانية عشر دقائق ثمّ غادروا.

بعد نحو نصف السّاعة جاءت سيّارة أمن مستوطنة "عدي عاد" وتوقّفت قرب الكرْم الثاني الذي خرّبوه. بعد مضيّ نصف ساعة أخرى وصل عناصر الشرطة والجيش فهبطنا إليهم لكي نتحدّث معهم - أنا وعبد الله نعسان والعمّال الثلاثة الآخرون فاستجوبوا عبد الله نعسان وصاحب أحد الكرمين الذي جاء إلى المكان لكنّهم لم يسألوني ولم يسألوا العمّال الآخرين عن شيء.

Thumbnail
كسور أشجار زيتون يملكها عبدالله أبو عوّاد، بعد اعتداء المستوطنين على كرمه. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 25.11.18

قرية ترمسعيّا 7.10.18:

أشجار. على بُعد نحو كيلومتر واحد من أراضيه أقيمت مستوطنة عميحاي وهي جزء من كتلة شيلا الاستيطانيّة وقد صودق عليها عام 2017 والبؤرة الاستيطانية عدي عاد التي أقيمت في 1998. في 7.10.18 بعد أن عاد من زيارة للأقارب خارج البلاد ذهب عواد لقطف ثمار الزيتون من كرمه المذكور فوجد نحو 60 شجرة مقطوعة.

Thumbnail
أشجار زيتون مقطوعة في كرم محمد عوّاد، وفي الخلفية مستوطنة عميحاي. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 7.10.18

محمد عواد (60 عامًا) متزوّج وأب لـ14 ابنًا من سكّان ترمسعيّا يملك أراضٍ مساحتها 110 دونمات تمتدّ إلى الشرق من ترمسعيّا وبضمنها كرم زيتون مساحته نحو 7 دونمات ويحوي 110 في إفادته التي أدلى بها في يوم الحادثة قال:

Thumbnail
محمد عواد. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 7.10.18

نصف أولادي يعيشون في أمريكا. أنا أذهب لزيارتهم ولكنّي لن أنتقل للسكن هناك لأنّني لا أحبّ العيش في الخارج أبدًا. أنا أفضّل الذهاب للزيارة والعودة إلى هنا والعمل في أرضي. إنّها مصدر رزقي والأرض غالية على قلبي كأنّها قطعة من روحي ولا يمكن أن أتخلّى عنها. السلطات الإسرائيلية لا تسمح لي بالوصول إلى أرضي سوى مرّتين في السنة في موسم القطاف وموسم الحراث. هذا الوضع يتيح للمستوطنين أن يصولوا ويجولوا في أراضينا طيلة أيّام السنة متى شاءوا. ونحن ندخل إليها فقط في أيّام محدّدة!

قبل يومين عدت من أمريكا وفي صباح هذا اليوم ذهبت إلى أرضي بعد أن حصلت على تنسيق من 2.10.18 إلى 10.10.18 ولكنّي خسرت منها بضعة أيّام لأنّني لم أكن في البلاد. وصلت إلى الأرض في الساعة 7:00 صباحًا برفقة ابني عبد الله البالغ من العمر 17 عامًا. عندما وصلت وجدت خرابًا عظيمًا. كأنّهم ارتكبوا مجزرة بحقّ الأشجار. كانت أشجار الزيتون مقطوعة من جميع الجهات فوق الجذع وعند تفرّع أغصانها. انتابتني الصدمة اعتقدت أنّني أشاهد كابوسًا. شعرت بالاختناق. جلست لبُرهة دون أن أعرف ماذا أفعل. بعد ذلك اتّصلت بمزارع من قرية المغير قد جرّب أعمال التخريب هذه فنصحني بتقديم شكوى إلى مديرية التنسيق والارتباط. جاء ضابط الارتباط إلى الأرض وقال لي "قدّم شكوى لدى شرطة بنيامين". قلت له إنّني لن أضيّع وقتي في تقديم شكوى لن تجدي شيئًا - لم تبق لديّ سوى ثلاثة أيّام تنسيق والأفضل أن أستغلّها في قطف الثمار عمّا تبقّى من الأشجار.

كانت على الأرض علامات عجلات "تراكتورون". الأغصان المقطوعة كانت ما تزال يانعة والمزارعون في الأراضي المجاورة لأرضي قالوا لي إنّ الأشجار كانت في الأمس تامّة. من هنا أعتقد أنّ التخريب حدث في ساعات اللّيل. نحن الفلسطينيين لا نستطيع الدخول إلى هذه المنطقة سوى في وقت التنسيق وفي ساعات النهار ولذلك أنا متأكد أن من ارتكب هذه الفعلة هم المستوطنون. على بُعد نحو 500 متر من أرضي قبل "عدي عاد" توجد نقطة مراقبة للجيش.

لقد خسرت نصف المحصول وتتراوح قيمته ما بين 12,000 و15,000 شيكل. أنا لا أعرف ماذا أفعل الآن. أخشى أن يواصل المستوطنون هجماتهم فيخرّبوا بقيّة الأشجار أو يعتدوا علينا جسديًّا. لا توجد أيّة جهة تدعمنا أو توفّر لنا حماية جدّية.

قرية راس كركر 18.8.18:

لطفي سمحان (41 عامًا) متزوّج وأب لثلاثة أبناء وشقيقه محمود (27 عامًا) من سكّان قرية راس كركر يملكان أرضًا مساحتها نحو عشرة دونمات معظمها كروم زيتون. قبل سنة ونصف غرس الشقيقان قرابة 75 شتلة زيتون جديدة في إحدى قطع الأرض التي يملكونها شماليّ القرية ومساحتها 2-3 دونمات. على بُعد 500 متر من هذه الأرض أقيمت عام 2001 البؤرة الاستيطانية "زايت رعنان". في 18.8.18 عندما جاءا إلى أرضهما وجدا أنّ المستوطنين قطعوا واقتلعوا سبعين من الأشتال الجديدة إضافة إلى قطع أربع أشجار كبيرة وثلاث داليات. فوق ذلك اقتلع المستوطنون غطاء بئر المياه الذي يستخدمانه لريّ الأشجار وألقوا حجارة في البئر.

Thumbnail
لطفي سمحان وكنان ابن أخيه، قرب أحد أشتال الزيتون التي قطعها المستوطنون. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 19.8.18

وصف لطفي سمحان ما حدث في إفادته التي أدلى بها يوم 19.8.18:

يوم أمس السبت الموافق 18.8.18 ذهبنا إلى أرضنا لكي نسقي الأشتال الجديدة ونتفقّد كرْم العائلة وكان معي أولادي خالد (11 عامًا) وجود (10 سنوات) وأويس (6 سنوات) وابن أخي خالد سمحان (11 عامًا) وأخي محمود وصديقنا محمد نوفل (28 عامًا). نحن نحبّ الذّهاب إلى أرضنا لكي نسقي الأشجار ونعتني بالأرض أو حتّى لكي نرفّه عن أنفسنا ونمضي الوقت في الطبيعة بين الأشجار. لدينا ايضًا بئر مياه حفرناها قبل عشر سنوات ونستخدمها لريّ الأرض وللشرب.

عندما وصلنا إلى الكرم أصابتنا صدمة لما شاهدناه. سبعون شتلة صغيرة عمرها سنة ونصف اقتُلعت من جذورها أو قُطعت وجميع البراميل التي وضعناها لحماية الأشتال من الريح والحيوانات وجدناها مقلوبة. وهناك أربع شجرات أكبر وجدنا أغصانها وجذوعها مكسورة كما وجدنا غطاء البئر مقتلعًا. إضافة إلى ذلك شاهدنا كتابة قيل لي لاحقًا إنّ نصّها "انتقامًا لمعتقلي أرض صهيون".

هذا التخريب يؤلمنا نفسيًّا بشكل كبير. وأكثر ما آلم قلبي الحزن الذي انتاب أولادي. أنا كذلك تألمت جدًّا لما رأيته من تخريب. ابني الصغير أويس سألني بحزن: "أبي لماذا اقتلعها المستوطنون؟" وكان يسمعنا نقول "المستوطنون" لدى الحديث عن الكتابة التي وجدناها. سأل أيضًا لماذا كسروا الشجرة التي زرعها هو وكنت قد ساعدته على غرس الشجرة وأسميناها على اسمه. قال أويس "في يوم السبت سوف نزرع شجرة جديدة عوضًا عنها". لقد كانت هذه أوّل أشجار نغرسها ويساعد الأولاد الصغار في غرسها ولذلك كانوا ينتظرون بشوق رؤية ثمارها. في منتصف اللّيل استيقظت جود من نومها وجاءت إليّ. كنت مستيقظًا لأنّني لم أتمكّن من النوم. جلست إلى جانبي فاحتضنتها لكي أواسيها. سألتني "متى سنعود إلى الكرم لكي نزرع أشجارًا جديدة؟". وقالت إنّنا سنواصل زرع الأشجار وإنّنا لا نخاف وإنّها لا تريد أن تذهب منّا تلك الأرض فهم يحبّون أن يلعبوا هناك. هذا المكان هو المتنفّس الوحيد لديهم لأنّه لا توجد بالقرب منّا ملاعب للصّغار ولا جنائن أو حدائق عامّة. أخشى أن تؤثّر صدمة تقطيع الأشجار على نفسيّة الأولاد. أنا أبذل كلّ ما في وسعي لكي أوفّر لأولادي بيئة آمنة بعيدًا عن العُنف وأدعمهم وأساندهم إلى أبعد الحدود. هذه ليست المرّة الأولى التي يعتدي فيها المستوطنون على أشجارنا.

محمود سمحان أدلى أيضًا بإفادته في اليوم نفسه واصفًا ما جرى يوم الحادثة:

الألم النفسيّ كبير جدًّا خاصّة حين لا نرى بركة من الجهد والوقت الذي بذلناه. أن تأتي يوميًّا وتعتني بالأشجار ثمّ في لحظة واحدة يضيع كلّ شيء. هذا يترك غصّة في القلب لا تزول.

Thumbnail
محمود سمحان وكنان ابن أخيه قرب إحدى شجرات الزيتون التي قطعها المستوطنون. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 19.8.18

قرية المغير 14.10.18:

يملك عبد الله نعسان وعائلته قطعة أرض مساحتها 2,000 دونم وفيها كرم زيتون مساحته 8 دونمات يحوي 90 شجرة. يقع الكرم على بُعد نحو خمسة كيلومترات شماليّ القرية وعلى بُعد نحو 500 متر منه أقيمت في عام 1998 البؤرة الاستيطانيّة عدي عاد. منذ سنين طويلة لا يُسمح للعائلة بالدخول إلى الأرض سوى في أيّام التنسيق بواقع مرّتين في السنة. قبل ستّ سنوات قبَيل موسم القطاف قطع المستوطنون جميع أشجار الزيتون في الكرم. بعد ذلك غرست العائلة أشتالًا جديدة وانتظرت بلهفة طيلة خمس سنوات لكي ترى أشجارها الجديدة تطرح ثمارًا لكن حدث أمر زعزع العائلة إذ وجدت في يوم 14.10.18 أنّ المستوطنين عادوا وقطعوها أيضًا.

عبد الله نعسان (50 عامًا) متزوّج وأب لخمسة أبناء أدلى بإفادته في اليوم نفسه وقال:

لقد كنّا فرحين جدًّا مع اقتراب موسم القطاف لهذه السنة. بعد أن انتظرنا خمس سنوات ونحن نرى أشجارنا الجديدة تنمو وتكبر. في صباح هذا اليوم كنت برفقة ابن عمّي ياسر (35 عامًا) وعدد آخر من المزارعين في كرم آخر مقابل الكرم الذي فيه الأشجار الجديدة. نظرنا إلى الكرم الجديد فوجدنا جميع أشجاره التسعين خربت من جديد. جميع الأشجار كانت مقطوعة. هاتفت مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينية لكي يبلغوا الارتباط الإسرائيلي. توجّهت نحو الكرم لكي أتفقّد الوضع. تقطّع قلبي حين رأيت الأشجار المقطوعة. لقد آلمني منظرها كثيرًا. كيف لم يتركوا حتى شجرة واحدة! حسب حالة الأوراق كان واضحًا أنّ القطع حدث قبل يوم أو يومين. لا يُسمح للمزارعين الفلسطينيين بالوصول إلى هذه المنطقة دون تنسيق. أمّا المستوطنون فيصولون ويجولون بحرّية في أراضينا متى شاءوا. هناك برج مراقبة عسكريّ ليس بعيدًا عن أرضنا ومنه يستطيع الجنود رؤية المنطقة كلّها.

عند الساعة 9:00 جاء مندوبو مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة. اطّلعوا على الأضرار وقالوا لنا إنّ محقّقين من الشرطة الإسرائيلية سيأتون للتحقيق في الحادثة. لا تمرّ سنة دون أن يخرّبوا لنا أحد الكروم وفي كلّ مرّة نقدّم شكوى للارتباط الإسرائيلي وللشرطة الإسرائيلية ولكن دون جدوى. لم يحدث أن حقّقوا في أيّ من الأحداث. لقد يئسنا من الشكاوى. الشكوى الأخيرة قدّمناها في شهر تمّوز الماضي حين قطعوا لنا 25 شجرة زيتون في كرم آخر. تأتي الشرطة فقط لتوثّق الحادثة لكي يبدو أنّ هناك تحقيق ولكنّهم عدا ذلك لا يفعلون أيّ شيء. نحن نعيش في قلق دائم ليس فقط على مزروعاتنا وممتلكاتنا بل على حياتنا أيضًا. ماذا نستطيع أن نفعل؟ لا توجد أيّة مؤسّسة أو هيئة تستطيع مساعدتنا وحمايتنا! لا مخرج لنا من هذه المصائب التي تنهكنا وتنهال علينا كلّ يوم. إلى متى يستمرّ ذلك؟

Thumbnail
كرم زيتون يملكه عبدالله نعسان، بعد تخريبه على يد المستوطنين، وفي الخلفية بؤرة عدي عاد الاستيطانية. تصوير عبدالله نعسان،14.10.18

منطقة نابلس 

وثّقت بتسيلم خلال هذا الموسم في منطقة نابلس خمس هجمات شنّها المستوطنون شملت رشق مزارعين اثنين بالحجارة والتنكيل بمزارع ثالث إضافة إلى سرقة ثمار زيتون نحو 310 شجرات وقطع نحو 120 شجرة زيتون.


أدناه عدد من الإفادات التي أدلى بها بعض أصحاب الأراضي أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم، سلمى الدّبعي:

قرية ياسوف15.9.18:

راجح عطياني (53 عامًا) وشقيقه رضا عطياني (58 عامًا) يملكان على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات من منازل القرية أرضًا مساحتها 27 دونمًا وتشمل فيما تشمل كرم زيتون فيه نحو 160 شجرة زيتون. على بُعد نحو 500 متر من الأرض أقام مستوطنون قبل نحو السّنة "كرفانات" في إطار توسيع مستوطنة "رحليم" التي صادقت عليها الحكومة في عام 2012. في يوم السبت الموافق 15.9.18 ذهب راجح عطياني إلى الكرم برفقة ابن شقيقه مجاهد راضيالبالغ من العمر 31 عامًا لكي يقطفا ثمار الزيتون لكنّهما اكتشفا لدى وصولهما أنّ هناك ما يقارب 37 شجرة - أي رُبع الكرم تقريبًا قد تمّ قطف ثمارها ومعظمها قد سُرق. بقيت ثمار قليلة على الأرض.

في إفادة أدلى بها يوم 17.9.18 حدّث راجح عطياني (متزوج وأب لستة أبناء) بما يلي:

Thumbnail
راجح عطياني. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 17.9.18

في يوم السبت عند الساعة 6:30 صباحًا ذهبت برفقة مجاهد ابن أخي لكي نقطف ثمار الزيتون في أرضنا. نحن نفضّل الذهاب إلى هناك في أيّام السبت لأنّنا نخاف من هجمات المستوطنين خاصّة بعد أن أقاموا قرب أرضنا "كرفانات" قبل زمن ليس بطويل. عندما وصلنا إلى الكرم لاحظت أنّ هناك ثمار زيتون على الأرض وكثير من الأغصان المكسورة. ووجدت أنّ بعض الأشجار لا يوجد عليها ثمار. اكتشفنا أنّ ما يقارب 37 شجرة زيتون قد تمّ قطف ثمارها.

اتّصلت فورًا بالمجلس المحلّي وبمديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينية التي أبلغت بدورها مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيلية. عدت إلى المنزل وعند الساعة 11:00 تلقّيت اتّصالًا من مديريّة التنسيق الفلسطينية حيث قالوا لي أنّ مندوبين من مديرية التنسيق الإسرائيليّة سوف يأتون إلى الكرم. فعلًا جاء هؤلاء عند الساعة 11:45 ترافقهم سيّارة شرطة إسرائيليّة. صوّر رجال الشرطة الأشجار وقضيبي حديد، يبدو أنّ اللّصوص استخدموهما في ضرب الأغصان وإسقاط الثمار. صوّرت الشرطة كذلك الأغصان المكسورة الملقاة على الأرض. الأضرار البليغة التي لحقت بالأشجار تدلّ على أنّهم ضربوها بصورة عنيفة جدًّا. تكسير الأغصان بهذا الشكل يؤذي الأشجار كثيرًا وأغلب الظنّ أنّها لن تحمل ثمارًا في الموسم القادم. لقد تحطّم قلبي إزاء تخريب الأشجار التي تفانيت في الاعتناء بها أنا وإخوتي.

قرية بورين 13.10.18:

يملك حربي الدّيك (51 عامًا من سكّان حوّارة متزوّج وأب لتسعة أولاد) دكّانًا وفي الوقت نفسه كرم زيتون يقع شمال شرق قرية بورين مساحته سبعة دونمات ويحوي 200 شجرة. على بُعد نحو كيلومتر واحد من الأرض أقيمت في عام 1999 بؤرة استيطانية تُدعى "جفعات رونين" توسيعًا لمستوطنة "براخا". في 13.10.18 جاء حربي إلى أرضه لكي يقطف الزيتون برفقة عامر دراوشة البالغ من العمر 31 عامًا وهو عامل أجير في دكّانه. فيما هما يعملان اقتحم الكرم ثلاثة مستوطنين وهاجموهما بالحجارة. ابتعد الاثنان إلى الجانب الآخر من الكرم وبعد تدخّل الجيش توقف هجوم المستوطنين. بعد مضيّ بضع ساعات جاء إلى المكان نحو 15 مستوطنًا آخر فتجدّد الهجوم على نحوٍ أشدّ من ذي قبل. اضطرّ حربي وعامر إلى الفرار من المكان ولم يكن متّسع ليأخذا معهما شوالات الزيتون المقطوف وعددها ثلاثة. سرق المستوطنون اثنين منها وقلبوا محتويات الشوال الثالث على الأرض بين الأشواك.

في إفادة أدلى بها يوم 14.10.18 وصف حربي الدّيك الهجوم على النحو التالي:

Thumbnail
حربي الدّيك. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 14.10.18

بعد أن عملنا مدّة ساعتين تقريبًا جاء ثلاثة مستوطنين وأخذوا يرشقوننا بالحجارة بواسطة المقاليع عن بُعد نحو مائتي متر. قرّرنا الابتعاد عنهم وانتقلنا إلى الجانب الآخر من الكرم ولكنّهم لحقوا بنا وهكذا بقينا طيلة الوقت ننتقل من موقع لآخر داخل الكرم لكي نتجنّب الاحتكاك بهم.

بعد مضيّ ساعة تقريبًا جاء جيب عسكريّ من اتّجاه المستوطنة وبعد أن تحدّث الجنود مع المستوطنين غادر هؤلاء المكان نحو المستوطنة. ظننت أنّ الحكاية انتهت عند هذا الحدّ. ولكنّ المستوطنين جلسوا على صخرة كبيرة تبعد عنّا نحو 300 متر وأخذوا يصرخون علينا ويشتموننا ويطالبوننا بمغادرة الأرض. استمرّ الأمر على هذا النحو حتى الساعة 16:00 تقريبًا. فجأة جاء نحو 15 مستوطنًا وأخذوا يرشقوننا بالحجارة. مرّ حجر قرب أذني تمامًا. قلت لعامر إنّه من الأفضل لنا أن نغادر المكان. نزل عامر عن السلّم حمله وهربنا معًا. لم يكن لدينا وقت لأخذ أيّ شيء معنا لأنّ نحو 15 مستوطنًا كانوا يلاحقوننا وقد انقسموا إلى مجموعتين: واحدة خلفنا والأخرى إلى الغرب منّا. أحسست أنّنا مهدّدون بخطر داهم. ركضنا والحجارة تسقط حولنا حتّى وصلنا إلى السيّارة وكانت تقف على بُعد نحو مئة متر. دخلنا السيّارة وغادرنا. تقدّمنا قرابة مئة متر والمستوطنون يركضون خلفنا ويرشقون الحجارة نحونا - إلى أن وصلنا منزل حسن العجولي الواقع عند مدخل القرية - أقرب منازل القرية إلى الأرض. انتظرنا هناك حتى الساعة 18:00.

عندما تأكّدنا أنّ المستوطنين قد غادروا عدنا إلى الأرض لكي نأخذ ثمار الزيتون التي قطفناها. قبل أن نفرّ من المكان كنا قد عبّأنا ثلاثة شوالات سعة كلّ منها 50 كغم تقريبًا. اختفى شوالان اثنان أمّا الشوال الثالث فقد ألقى المستوطنون محتوياته بين الأشواك. كما أنّهم سرقوا اثنين من المفارش. أصابني الجنون! لقد عملنا وبذلنا جهدنا في قطف هذه الثمار! أصرّيت على التقاط حبّات الزيتون من بين الأشواك بل إنّي حرقت الأشواك لكي أتمكّن من جمع أكبر كمّية ممكنة من الثمار.

اتّصلت بالشرطة الفلسطينية وأخبرتهم بما حدث ولكنّهم قالوا إنّهم لا يستطيعون فعل شيء في الموضوع وأنّ عليّ الاتّصال بمديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة. لم أفعل ذلك لأنّني متأكّد أنّهم لن يفعلوا شيئًا. هو مجرّد إجراء شكلي ومن الواضح أنّه لن يتمّ أيّ تحقيق فعليّ. المستوطنون يفعلون ما بدا لهم دون أن يحاسبهم أحد. هم حتى يحظون بحماية ودعم الجيش.

عند>

عامر دراوشة (31 عامًا) متزوّج وأب لاثنين من سكّان عورتا، حدّث في إفادته التي أدلى بها يوم 14.10.18 عن الرّعب الذي انتابه أثناء الهجوم:

Thumbnail
عامر دراوشة. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 14.10.18

عندما رشقنا المستوطنون بالحجارة وهربنا أصابني حجر في رجلي اليسرى ولكنّنا واصلنا الفرار حتى وصلنا إلى السيّارة وقد استمرّ المستوطنون في ملاحقتنا وصولًا إلى منزل حسن العجولي. لم أصدّق أنّنا نجونا وخرجنا أحياء. كانت الحجارة تمرّ بالضبط من فوق رؤوسنا. وصلت إلى منزلي في عورتا عند الساعة 19:00. عندما رأيت أولادي عانقتهم واحتضنتهم لأنّني ظننت في أثناء الهجوم أنّني لن أخرج حيًّا. لديّ طفلان عمرهما سنة وسنتان ونحن ننتظر مولودًا جديدًا. قلت لزوجتي: "اليوم كدت أن أموت. لولا أن لطفَ الله بي لكنتِ الآن أرملة وأولادك يتامى".

قرية تلّ 14.10.18:

كيلومترات غربيّ القرية التي أقيمت في جوارها عام 2002 بؤرة استيطانيّة تدعى "حفات جلعاد". اكتشف المزارعون أنّ أشجارهم قُطفت ثمارها على يد مستوطنين وبعض الأشجار قد جرى إتلافها. يمنع الجيش أصحاب هذه الأراضي من الوصول إلى أراضيهم معظم أيّام السنة ويسمح لهم بالعمل فيها فقط أيّامًا معدودة وفقًا لتنسيق مسبق مع مديريّة التنسيق والارتباط. في هذا الموسم جرى تخصيص ثلاثة أيّام فقط لأجل قطف الزيتون. جاء الأخوان طارق وإياد سلوادي مع عمّال أجيرين إلى قطعة أرض تملكها العائلة مساحتها نحو عشرين دونمًا فاكتشفا أنّ قرابة 220 شجرة زيتون قد سُرقت عنها ثمارها. خالد سعيدة الذي جاء هو أيضًا مع شخصين آخرين من سكّان القرية لكي يقطف ثمار الزيتون في أرضه وجد أنّ ثمار الزيتون سُرقت عن 53 شجرة من مجموع 70 شجرة. أمّا محمد عصيدة فقد وجد أنّ المستوطنين قد كسروا خمسين شجيرة زيتون من بين سبعين كان قد غرسها قبل ثلاث سنوات في كرمه البالغة مساحته ثلاثة دونمات. عندما حاول معالجة ما تبقّى من الشجيرات منعه الجنود المتواجدون في المكان بحجّة أنّ تصريح دخول الأرض (التنسيق) صدر فقط لأجل قطف الزيتون.

في 14.10.18 ذهب مزارعون من قرية تلّ إلى كروم زيتون يملكونها تقع على بُعد ستّة أدناه ما حدّثنا به محمد عصيدة في إفادته التي أدلى بها في17.10.18:

Thumbnail
محمد عصيدة. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 17.10.18

عندما ذهبت إلى أرضي لكي أتفقّدها ورأيت الأشتال محطّمة جاء جنديّان وسألاني ماذا أفعل هناك فأجبت أنّ هذه أرضي وعندها قال أحدهما إنّ الدّخول ممنوع. سألته "لماذا علمًا أنّه يوجد اليوم تنسيق؟" فقال إنّ التنسيق معدّ فقط لقطف الزيتون. قلت لهما "هذه أرضي. انظرا ماذا فعل المستوطنون! أريد أن أتفقّد الأشتال لكي أنقذ منها ما يمكن إنقاذه وأريد أن أعيد الإطارات التي كانت تحميها من الرّيح والحيوانات". قال لي الجندي "لديك نصف ساعة" فقلت له إنّ نصف السّاعة وقت غير كافٍ ولكنّه أصرّ. عندما كنت أعيد الإطارات لحماية الأشتال ظلّ الجنود يطالبونني بالمغادرة بحجة عدم التنسيق لهذا النوع من العمل وأنّ التنسيق معدّ فقط لقطف الثمار. بعد مضيّ رُبع الساعة أخرجاني من الأرض. طلبت منهما أن يسمحا لي بجلب الماء لسقي الأشتال. قلت لهما: "هذه الأشتال ما زالت صغيرة وتحتاج الماء" ولكنّهما رفضا. عندئذٍ ذهبت وساعدت خالد في قطف الزيتون. كانت حالته النفسيّة صعبة لأنّ المستوطنين سرقوا ثمار الزيتون عن شجراته ولم يبق له سوى ثمار قليلة على الأغصان العالية.

طارق سلوادي (39 عامًا) متزوّج وأب لاثنين، أدلى بإفادته في 17.10.18 فوصف كيف اكتشف أنّ ثمار كرمه قُطفت:

Thumbnail
طارق سلوادي. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 17.10.18

تتواجد أرضنا على بُعد نحو 300 متر تقريبًا من الخيام والكرفانات التي أقامها مستوطنو "حفات جلعاد" في السنوات الأخيرة. منذ ذلك الحين لا نستطيع الوصول إلى أرضنا دون تنسيق مسبق. توجد في الأرض 220 شجرة زيتون كان قد غرسها والدي وهي الآن أشجار كبيرة وتنتج زيتًا فائق الجودة. وصلت إلى هناك مع أخي وعمّالًا أجيرين يساعدوننا في قطاف الزيتون - لدينا ثلاثة أيّام فقط وفقًا لتصريح التنسيق وفي هذه المدّة القصيرة لا نستطيع وحدنا قطف ثمار الزيتون. هذا عمل يحتاج عشرة أيّام على الأقلّ حتى بوجود العمّال الأجيرين. فوجئنا حين وجدنا الأشجار خالية تقريبًا من الثمار سوى الأماكن التي يصعب الوصول إليها مثل الأغصان العالية وعبّ الشجرة. تجوّلت في أنحاء الكرم على أمل أن أجد ولو شجرة واحدة بقيت عليها ثمار ولكنّهم لم يتركوا ولا شجرة! جنّ جنوني! هؤلاء الجنود يمنعون الجميع من الوصول إلى الأرض ويسمحون بذلك للمستوطنين. تمكّنا من جمع ما تبقّى من ثمار الزيتون وهي كميّة تكفي لاستخراج 90 كغم زيت. في السنوات الماضية كنّا نجني طنًّا من زيت الزيتون.

قرية دير الحطب 15.10.18:

أمجد عوّاد (46 عامًا) متزوّج وأب لثمانية أبناء يملك قطعة أرض مساحتها 31 دونمًا تبعد عن منازل القرية من الجهة الشمالية الشرقيّة أقلّ من كيلومتر واحد. بضعة عشرات من الأمتار تفصل الأرض عن المنطقة الصناعية التابعة لمستوطنة ألون موريه ونحو نحو 500 متر تفصل بينها وبين منازل المستوطنة التي أقيمت عام 1980. منذ عام 2000 لم يُسمح لأمجد بالوصول إلى أرضه في موسم الحراثة حيث سُمح له الدخول فقط في موسم قطاف الزيتون. بسبب إهمال الأرض القسريّ معظم أيّام السنة قلّ محصول الأشجار من ثمار الزيتون.

حصل عوّاد على تصريح دخول إلى أرضه بتنسيق ليومين لأجل قطاف الزيتون أحدهما في 15.10.18. في هذا اليوم عندما كان يقطف الزيتون في أرضه هاجمه عدد من المستوطنين. جاء إلى الموقع جنود وأبعدوا المستوطنين ولكنّهم في الوقت نفسه طردوا عوّاد من أرضه بحجّة أنّ "الوضع الأمني" يستدعي ذلك. يشار إلى انّ الجنود لم يعتقلوا أيًّا من المستوطنين المعتدين.

Thumbnail
أمجد عوّاد. تصوير سلمى الدبعي, بتسيلم، 16.10.18

في إفادة أدلى بها غداة الهجوم عليه حدّث عوّاد بما يلي:

في يوم الإثنين الموافق 15.10.18 نحو الساعة 8:30 صباحًا تلقّيت اتّصالًا من المجلس المحلّي يفيدني بأنّ هناك تنسيق لقطف الزيتون في اليوم نفسه في المنطقة التي توجد فيها أرضي. خرجت إلى الأرض لأعمل فيها وحدي كما خرج عشرات السكّان الذين تقع أراضيهم في جوار أرضي. عند المفرق المؤدّي إلى شارع مستوطنة "ألون موريه" كان عدد من الجيبات العسكريّة وجنود يفتّشون معدّاتنا ويدقّقون في بطاقات هويّاتنا. بعد الفحص أمرني أحد الجنود بالانتظار لأنّه لم يكن في أرضي جنود. كنت بعيدًا عن أرضي مسافة تتراوح بين 300 و500 متر. انتظرت أكثر من ساعة وكلّما سألت الجنديّ "كم سأنتظر بعد؟" كان يقول لي "دقيقة أو دقيقتين". في النهاية قال لي "اذهب الآن. يوجد هناك جنود". وصلت إلى أرضي. وضعت المفارش على الأرض تحت إحدى الشجرات وفي اللحظة التي بدأت فيها العمل جاء مستوطن على "تراكتورون" وتوقّف على بُعد نحو عشرة أمتار منّي. سألته ماذا يريد فقال لي بالعبريّة "هذه أرضي". قلت له "كلّا. هذه أرضي أنا" - وهكذا أخذنا نتجادل فيما بيننا.

هاتف المستوطن أحدهم. لئلّا يهاجمني المستوطنون وبما أنّني وحدي في الكرم انتقلت إلى موقع آخر من أرضي أقرب إلى الأماكن التي يعمل فيها بقيّة من جاءوا من قريتنا. كنت على مسافة 200 متر منهم. هاتفت رئيس المجلس المحلّي وطلبت منه أن يساعدني. خلال بضعة دقائق جاء 7-9 مستوطنين أحدهم أيضًا على "تراكتورون" والآخرون كانوا في سيّارة جيب. فجأة أخذ المستوطن الذي جاء وحده قبلهم يدور حولي وهو على "التراكتورون". رأيت مسدّسًا على خاصرته. قال لي مجدّدًا إنّني اقتحمت أرضه وبدوري عدت وقلت له إنّها أرضي أنا وإنّ الجيش قد سمح لي بالدخول. أحد المستوطنين الذين في الجيب قال له "هاته إلى هنا" وحرّضه على ضربي فاستجاب ولكمني على وجهي بقبضته. حاولت منع الضربة لكنّه عاجلني بضربة أخرى. في هذه الأثناء جاء عدد من سكّان القرية الذين يعملون في أراضيهم القريبة بعد أن سمعوا ضجيج "التراكتورونات". المستوطن الثاني الذي جاء على "تراكتورون" غادر المكان وظلّ المستوطنون الآخرون.

سكّان آخرون من القرية استدعوا نجدة ووصل 7-8 جنود إضافة إلى جنود آخرين جاءوا في جيب عسكريّ. تحدّث الجنود مع المستوطنين فغادر هؤلاء المكان. قلت للجندي الذي تحدّث معي حين كنت أنتظر خارج أرضي: "قلت لي يوجد جنود ولكن لم يكن أحد. كان من الممكن أن يقتلني المستوطنون دون أن يشعر بي أحد!". أجابني الجندي: "لم أعرف أنّهم قادمون". قلت له: "أنت ترسلني إلى حتفي. من المسؤول عن ذلك؟!"، وعندها قال لي "حسنًا نظرًا للوضع الأمنيّ عليك الآن أن تغادر المكان". عدت إلى منزلي. لم يكن لديّ خيار آخر خاصّة وأنّني جئت للعمل وحدي ولا أمان. بقيّة المزارعين الذين كانوا يعملون في مجموعات واصلوا قطاف الزيتون في أراضيهم. عند الساعة 18:00 هاتفني ضابط يتحدّث العربية وقال لي إنّ بإمكاني الذهاب في يوم الغد (اليوم) إلى أرضي مع أربعة أشخاص على الأقلّ. ذهبت اليوم إلى الأرض مع زوجتي تهاني ( 42 عامًا) وولديّ - ناديا (16 عامًا) ومحمد (15 عامًا). رافقنا أثناء العمل 7-8 جنود حتّى قطفنا الزيتون كلّه. استغرق الأمر أقلّ من 4 ساعات بسبب قلّة الثمار. هُم لا يسمحون لنا بالدخول إلى الأرض سوى بضعة مرّات خلال السنة ولذلك لا نستطيع العناية بالأشجار كما ينبغي. لم يسمحوا لي بحراثة أرضي منذ عام 2000.

المستوطنون ماضون في الاستيلاء على الأرض تدريجيًّا منذ خمس سنوات. نلاحظ ذلك سنة وراء سنة عندما نأتي في وقت التنسيق. أحد المستوطنين أقام برّاكيّات وكرافانات قرب أرضي وهو يربّي الأغنام - لديه أكثر من ألف رأس يفلتها لترعى في أرضي. المواشي تأكل أغصان أشجاري حتى أصبح منظرها مثيرًا للشفقة. الأغصان جافّة ولا يوجد عليها براعم جديدة لأنّ المواشي تأكلها. هذه الأشجار زرعها جدّي. في الماضي كنّا نستخرج من أرضنا أكثر من ثلاثين تنكة زيت زيتون أمّا اليوم فرغم امتلاكي هذه المساحة الواسعة من الأرض لا أحصل على زيت يكفي حتّى لاستخدامنا الشخصي فنضطرّ لشراء زيت الزيتون.