Skip to main content
جنود يعوّقون أحمد أبو محسن بعد أن هاجمه مستوطنون. تصوير عارف دراغمة، بتسيلم، 17.2.19
Menu
المواضيع

المستوطنون والجيش يصعّدون اعتداءاتهم على رعاة المواشي الفلسطينيّين من تجمّع الفارسيّة في الأغوار الشماليّة

خلال الأشهر الماضية أفاد رعاة الأغنام من تجمّعات الفارسيّة الواقعة ضمن محافظة طوباس في الأغوار الشماليّة عن تصاعد وتيرة وحدّة اعتداءات المستوطنين عليهم والتي تتّخذ أشكالًا عديدة بدءًا بالتهديد والملاحقة والاعتداء الجسديّ مرورًا بمداهمة قطعانهم بالسيّارات بهدف تشتيتها وصولًا إلى دهس الأغنام أو سرقتها.

لقد أصبحت هذه الاعتداءات شبه يوميّة ويحدث معظمها أمام أنظار الجنود الذين يشاركون أحيانًا فيها بشكل فعليّ. يأمر الجنود الرّعاة الفلسطينيّين بمغادرة المراعي بحجج شتّى منها أنّهم دخلوا "منطقة عسكريّة مغلقة" أو أرضًا يملكها أحد المستوطنين. إضافة إلى ذلك يحتجز الجنود الرّعاة وأحيانًا يعتقلونهم بذرائع مختلفة.

هذه الاعتداءات ليست أحداثًا معدودة ومتفرّقة وإنّما هي جزءٌ من سياسة تطبّقها إسرائيل في منطقة الأغوار بهدف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي وإبعاد الفلسطينيّين عنها مستخدمة في ذلك وسائل عدّة منها فرض واقع معيشيّ قاسٍ على الفلسطينيّين يدفعهم إلى اليأس بحيث لا يبقى لديهم خيار سوى مغادرة منطقة سكناهم وكأنّما بمحض إرادتهم. هذا الواقع المركّب من هجمات مشتركة يقوم بها الجيش والمستوطنون كما سيظهر أدناه ومن حظر أيّ شكل من أشكال التطوير في البلدات الفلسطينيّة سواء البناء أو البُنى التحتيّة الضروريّة لإدارة الحياة اليوميّة - بما في ذلك شبكات الماء والكهرباء والشوارع. عندما يقيم السكّان المباني بدون ترخيص لأنّه لا خيار آخر أمامهم، تُصدر الإدارة المدنيّة أوامر الهدم لهذه المباني كما أنّها تهدم الألواح الشمسيّة التي وضعها السكّان بأنفسهم وتفكك وتصادر الصّهاريج والأنابيب التي تمدّ السكّان بالمياه.

هكذا تبدو حياة سكّان تجمّعات الفارسيّة الذين وُجدت قريتهم من قبل أن تحتلّ إسرائيل الضفّة الغربيّة في عام 1967 وهدمتها إسرائيل كلّيًّا في عام 2010: يعيش في التجمّع الذي يشمل اليوم خمسة مضارب نحو 300 شخص يقيمون طيلة فصول السّنة، ونحو 200 آخرين يقيمون هناك فقط في فصل الشتاء. يسكن الجميع في خيام وأكواخ من الصّفيح ويعتاشون من تربية الأغنام والزراعة. مضارب التجمّعات غير موصولة بشبكات الكهرباء والماء ومعدّل استهلاك الماء اليوميّ للفرد الواحد لا يتعدّى 20 لترًا - وهي كميّة أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى الموصى به من قبل منظّمة الصحّة العالميّة: 100 لتر يوميًّا للفرد الواحد. كذلك لا توجد في مضارب التجمّعات مؤسّسات تعليميّة ممّا يُجبر أبناء التجمّع على المشي مسافة خمسة كيلومترات لكي يصلوا إلى مدرستين تقعان في قرية عين البيضا واحدة للبنين والأخرى للبنات وكلّ منهما تشمل الصّفوف الابتدائيّة والثانويّة.

مستوطنة "شدموت محولة". تصوير عارف دراغمة، بتسيلم، 31.1.19

مضارب التجمّعات مطوّقة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانيّة: من الشمال "جيفعات سيلعيت" و"محولا" ومن الشرق "شدموت محولا" و"روتم" ومن الجنوب "مسكيوت". إضافة إلى ذلك أعلن الجيش أرض التجمّعات ومساحات شاسعة جنوبه وشماله وغربه "مناطق إطلاق نار". وهناك مساحات أخرى في المنطقة صُنّفت كمساحات بلديّة وألحقت بمسطّحات نفوذ المستوطنات المجاورة. تستخدم إسرائيل هذه التصنيفات لكي تغلق تمامًا طرق وصول سكّان التجمّعات إلى الأراضي المحيطة بها والتي يرعى فيها السكّان قطعان مواشيهم منذ سنين طويلة.

في إفاداتهم أمام الباحث الميداني لبتسيلم عارف دراغمة، وصف الرّعاة سكّان الفارسية كيف تزعزع الهجمات التي يشنّها المستوطنون مجرى حياتهم. أدناه بعضٌ من هذه الإفادات::

 

إخلاء بركات أبو محسن بعد تعرّضه لاعتداء من قبَل مستوطنين. تصوير عارف دراغمة، بتسيلم، 12.2.19

بركات أبو محسن البالغ من العمر 39 عامًا وهو متزوّج وأب لخمسة أولاد أدلى بإفادته في 27.2.19 محدّثًا عن تنكيل المستوطنين بهم وتأثير ذلك على سبُل كسب رزقهم:

أسكن مع عائلتي في خيام ومبانٍ من الصفيح والنايلون في تجمع نبع الغزال بالفارسية. نحن نعيش في ظروف قاسية حيث تمنعنا السلطات من إقامة مبانٍ ثابتة مناسبة للسّكن. على بُعد نحو 500 متر منّا أقام المستوطنون مستوطنة "روتم" واستولوا على معظم أراضينا. المستوطنون في "روتم" يشنّون علينا الهجمات اليوميّة حين نخرج إلى المراعي. هناك أرض قريبة من المستوطنات اعتدنا في الماضي رعي مواشينا فيها، ولكن منذ أقيمت المستوطنة ونحن نعاني من اعتداءات المستوطنين بحيث أصبح الوصول إلى هناك أمرًا مخيفًا.

في الآونة الأخيرة ابتدأ المستوطنون في رعي مواشيهم هناك وهم يجلبون معهم كلابًا كبيرة وقد اشتدّت هجماتهم علينا. إنّهم يقيّدون حركتنا في المنطقة ويطردوننا منها. الجنود المتواجدون هناك يؤمّنون لهم الحماية ويساعدونهم على طردنا بحجّة أنّ هذه الأراضي يملكها المستوطنون وبالتالي يُمنع دخولنا إليها. من غير الواضح بالنسبة إلينا كيف حصل كلّ ذلك.

أحد أشدّ الاعتداءات حدث في 12.2.19. خرجت لرعي قطيعنا مع أخي لؤي وابنه وأبناء عمنا. كان هناك مستوطنون أخذوا يحرّضون كلابهم على مهاجمة مواشينا. جاء حارس المستوطنة المدعو "ديدي" (مركّز الأمن الجاري العسكري) على حصانه برفقة مستوطنين آخرين وأخذوا يرشقوننا بالحجارة نحن وأغنامنا بهدف طردنا من المكان. أصابتني جرّاء ذلك جروح في يديّ ورجليّ. جاءت سيّارة إسعاف إسرائيليّة وأخرى فلسطينيّة من الهلال الأحمر نقلتني إلى مستشفى طوباس. الحمد لله أنّهم وجدوا لديّ كدمات ورضوض، لا أكثر.

الجنود الذين تواجدوا في المكان اعتقلوا أخي لؤي وابنه عليّ عوضًا عن أن يعتقلوا المستوطنين الذين هاجمونا. ادّعى المستوطنون أنّ لؤي وعلي هما اللذين اعتديا عليهم، ولكن نحن نعلم أنّهم وبكلّ بساطة يريدون طردنا من المنطقة.

نحن لا نعرف ماذا سنفعل. أين نرعى مواشينا؟ الأعلاف باهظة الثمن ولا قدرة لنا على شرائها. لا توجد لدينا وسيلة أخرى لإطعام مواشينا ولا توجد لنا مصادر رزق أخرى سوى رعي الأغنام. بتنا لا نعرف لمن نشتكي أحوالنا.

أحمد أبو محسن البالغ من العمر 27 عامًا وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد أدلى بإفادته في 31.1.19 محدّثًا عن هجمات المستوطنين:

أسكن في تجمع نبع الغزال بالفارسية. في الأسبوع الماضي كنّا في طريقنا إلى المرعي الواقع شمال شرق منزلنا. جاء المستوطنون وأخذوا يشتموننا ويلاحقوننا مع كلابهم ويحرّضونها على مهاجمة أغنامنا. ثمّ نادوا الجيش الذي جاء وأغلق الطريق أمامنا لكي يمنعنا من الوصول إلى المرعى.

قبل يومين خرجت لرعي الأغنام مع والدي وابن عمّي. كنّا على بُعد كيلومتر واحد من مستوطنة "روتم" إلى الشمال منها. شاهدنا ما لا يقلّ عن خمسة مستوطنين يقتربون منّا. أنا وابن عمّي اختبأنا وبقي والدي فقط في مرمى نظرهم. جاء المستوطنون مع جيب عسكريّ وأخذوا يلاحقون الأغنام ويشتمون والدي. كبّل الجنود يدي والدي رغم أنّه تجاوز الستّين من عمره واقتادوه إلى الجيب العسكري ثمّ أخذوه إلى معسكر جيش في المنطقة. جمعنا الأغنام وعدنا إلى المنزل ثمّ اتّصلنا بمديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة. بعد مضيّ نحو أربع ساعات أخلى الجنود سبيل والدي.

ظُهر هذا اليوم ذهبنا إلى المراعي في الاتّجاه نفسه ولكن كنّا بعيدين عن المستوطنات. جاء المستوطنون مع كلابهم وأخذوا يطاردوننا ويرشقون أغنامنا بالحجارة. أصيب عدد من الأغنام بجراح وأخذت تنزف. تمكّنا من الفرار مع أغنامنا بشقّ الأنفس. إنّهم عنيفون جدًّا ويريدون قتلنا وقتل أغنامنا.

نحن نعيش في جوّ ملؤه الخوف والرّعب. في كلّ يوم نحتار إلى أين يمكننا أن نذهب. لا نريد سوى أن نُطعم أغنامنا فنحن لا مهنة لدينا سوى تربية الأغنام. إلى الغرب منّا توجد منطقة تدريبات، وفي الجهات الأخرى توجد مستوطنات. الخطر يحيط بنا من كلّ الجهات وأصبحنا كمن يعيش داخل سجن. لا أحد منّا يقدر على وقف هجمات المستوطنين. كنّا نعتقد أنّ الجيش سيوقفهم، ولكنّه بدلًا من ذلك يساعدهم على طردنا.

أحمد أبو محسن قرب حظيرة أغنامه في نبع الغزال في الفارسيّة. تصوير عارف دراغمة، بتسيلم، 31.1.19

في افادة ثانية من يوم 17.2.19 حدّث أحمد أبو محسن كيف جرح المستوطنون إحدى أغنامه وسرقا اثنتين أخريين:

خلال الأسابيع الماضية هاجمنا المستوطنون أكثر من المعتاد. نحن معتادون على رعي أغنامنا في منطقة تقع إلى الشرق من منطقة سكننا، ولكن في الفترة الأخيرة أخذ حارس مستوطنة "روتم" (المدعو "ديدي" - مركّز الأمن الجاري العسكري) في مضايقتنا ومهجامتنا بشكل يوميّ تقريبًا. إنّه يأتي مع الكلاب الكبيرة ويأخذ في تهديدنا والصّراخ علينا.

في صباح هذا اليوم خرجت لرعي قطيعي شمال شرق الفارسيّة. ظننت أنّني بذلك أبتعد عن المناطق التي يهاجمنا فيها المستوطنون ولكن عندما وصلت رأيت المستوطنين يرعون مواشيهم هناك وخشيت أن يعتدوا عليّ. كان أحدهم يعتلي "تراكتورون" فأخذ يسوقه مداهمًا قطيع أغنامي لكي يشتّته ويطردني من المنطقة. دهس إحدى الغنمات وتفرّقت بقيّة الأغنام إلى كلّ ناحية. كما أنّه تمكّن من إبعاد غنمتين عن قطيعي وضمّهما إلى أغنامه.

أعدتُ إلى المنزل ما تبقّى من الأغنام بما في ذلك الغنمة الجريحة. مضت بضعة دقائق على وصولي وإذ بجنود يقتحمون منزلي بغية اعتقالي بتهمة الاعتداء على مستوطنين. لكنّهم بعد أن شاهدوا بأنفسهم الغنمة الجريحة قالوا لي أن آتي إلى محطّة الشرطة في "أريئيل" لتقديم شكوى.

لا نعلم ماذا نفعل. لقد طردنا المستوطنون من جميع المراعي. نحن نعلم أنّ الجيش والجنود يتعاونون معًا. الجيش لا يُبعد المستوطنين. بل على العكس إنّه يساعدهم على طردنا لكي يكسب رضاهم. لا مكان آخر لنا نذهب إليه. هذه أراضينا. اليوم كلّ من يخرج من منزله يحسّ وكأنّه يخرج إلى الحرب يخرج وفكره مشغول بالمستوطنين وكيف سوف يهاجمونه. معهم السّلاح ولديهم كلاب وكذلك الدولة والجيش معهم.

مفيدة دراغمة البالغة من العمر 69 عامًا أرملة وأمّ لثمانية أولاد أدلت بإفادتها في 6.3.19 محدّثة عن صعوبات العيش في جوار المستوطنين:

مفيدة دراغمة. تصوير: عميت جيلوتس, بتسيلم

أولادي كبار وكلّهم متزوّجون سوى ابنة واحدة لي تعاني من عجز وتسكن معي. زوجي توفّي منذ سنوات وأنا أسكن هنا قرب أولادي في تجمع إحمير. أعمل في تربية المواشي. أنا امرأة مسنّة وكلّ ما أريده أن أعيل نفسي وعائلتي.

نحن نواجه الصّعوبات في كلّ يوم. مستوطنو "جيفعات سيلعيت" يجلبون أغنامهم لترعى في الأراضي التي اعتدنا على الذهاب إليها. ظهر كلّ يوم يخرج ابني أشرف مع القطيع فآخذ في تحذيره من المستوطنين وعندما يغيب عن ناظريّ خلف الجبل ترتجف روحي ويرتعد جسدي خوفًا عليه. أنا أعدّ الثواني في انتظار عودته إلى المنزل.

أوّل أمس هاجم المستوطنون رُعاة قرب مكان سكننا وكان أشرف واحدًا منهم. لاحقه أحد المستوطنين وهو يرشقه بالحجارة. أحسّ أشرف أنّ حياته في خطر فعاد إلى المنزل. ابني الآخر منصور يعمل في إحدى المستوطنات القريب. هاتفه أحد المستوطنين وقال له: "قل لابنك ألّا يرعى الأغنام فوق. هذه الأرض لنا".

فرحنا كثيرًا في هذه السنة لأنّ الأمطار هطلت بغزارة ونبت عشب كثير لكنّ المستوطنين سرقوا فرحتنا وجلبوا علينا البكاء ووجع القلب. لقد وزّعوا أراضينا على بعضهم البعض كما يحلو لهم. إنّهم عنيفون جدًّا ويتجوّلون طوال الوقت أمام خيامنا وقرب أغنامنا وهم مسلّحون ومعهم كلابهم والويل لمن يتفوّه بكلمة. إنّهم يطاردون رعاة الأغنام يوميًّا ومع ذلك يستدعون الجيش ويشتكون ضدّ الرّعاة فيقوم الجيش باعتقال الرّعاة بدلًا من أن يُبعد المستوطنين.

منذ أن استوطنوا في المنطقة جميعنا يقضي اللّيل خائفًا. هؤلاء لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة. ماذا يمكننا أن نفعل؟ هذه أراضينا وقد ورثناها أبًا عن جدّ لكنّهم يريدون أخذها كلّها. نحن محاطون بالمستوطنات. كلّ شخص منّا يعيش في رعب دائم. لا يوجد هدوء نفسيّ. ماذا نفعل وإلى أين نذهب؟