Skip to main content
سمير سوالمة بالقرب من سيارته بعد هجوم المستوطنين. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.10.18
Menu
المواضيع

تشرين أوّل - تشرين ثاني 2018: شهران آخران من هجمات المستوطنين والجيش على قرية عوريف

"الجزء الأمامي من السيّارة احترق تمامًا وهي الآن غير صالحة للاستخدام. اقتنيت السيّارة قبل بضعة أشهر بالتقسيط وبلغ ثمنها 36.000 شيكل. لقد استخدمتها في عملي كمُوصل إرساليّات داخل القرية. الآن أصبحت بلا عمل ولا توجد وظائف شاغرة في المنطقة كلّها. لا أدري ماذا سأفعل وكيف سأتمكّن من دفع أقساط السيّارة - التي لم أعد أستخدمها. أنا في مصيبة كبيرة".

Thumbnail
سيارة محمود شحادة المحترقة. تصوير الشاهد.

هذا ما أدلى به محمود شحادة البالغ من العمر 18 عامًا من سكّان عوريف حين حدّث عن الأحداث التي جرت في قريته يوم 14.11.18. قبل ذلك بأقلّ من شهرين حطّم المستوطنون زجاج ثلاث سيّارات ومزّقوا أربعة من عجلاتها.

هذه ليست أحداثًا استثنائيّة. تعاني قرية عوريف منذ سنوات كثيرة من هجمات متكرّرة يشنّها مستوطنو "يتسهار" المجاورة بدعم وتعاون تامّ من قبَل الجيش. تفاقمت هذه الهجمات بشكل كبير منذ شهر آذار 2018: في الأشهر التسعة الأخيرة وثّقت بتسيلم 15 هجومًا شنّه المستوطنون والجنود ضدّ أهالي القرية حيث اعتدوا عليهم جسديًّا أو على ممتلكاتهم - تسعة منها جرت خلال شهري تشرين الأوّل وتشرين الثاني وحدهما.

جرت معظم الهجمات على الطرف الشرقيّ للقرية: في الأراضي الزراعيّة القريبة من حاووز المياه والمدرسة الواقعان على بُعد كيلومتر واحد فقط من مستوطنة "يتسهار" وفي حيّ الصفافير المجاور الواقع على بُعد نحو 500 متر من حاووز المياه.

نفّذ المستوطنون هجماتهم في وضح النّهار وبرفقة الجنود. وفي المواجهات التي اندلعت بينهم وبين أهالي القرية واستمرّت وقتًا طويلًا بعد مغادرة المستوطنين أطلق الجنود على الأهالي الرّصاص الحيّ والرّصاص المطّاطي وقنابل الغاز المسيل للدّموع. أصيب خلال المواجهات 12 شخصًا من أهالي القرية: تسعة أصيبوا برصاص الجنود وواحد ضربه الجنود واثنان أصيبا بجراح في رأسيهما جرّاء رشق الحجارة على يد المستوطنين. إضافة إلى ذلك حطّم المستوطنون زجاج أربعة منازل - اثنان منها تعرّضا للهجوم مرّتين والثالث ثلاث مرّات - وألحقوا أضرارًا بسيّارتين كما حرقوا سيّارة ثالثة.

الهجمات على عوريف ليست عشوائيّة ومنفّذوها ليسوا "أعشابُا ضارّة". العكس هو الصحيح: ممارسات قوّات الأمن التي تشمل مشاركة فعّالة في الاعتداءات ومنح غطاء أمنيّ للمعتدين تثبت مرّة أخرى أنّ ما يجري تطبيقٌ لسياسة عُنف موجَّهة ومقصودة تطبّقها الدولة منذ سنوات طويلة مستخدمة المستوطنين والجنود لأجل سلب أقصى ما يمكن من أراضي الفلسطينيّين والمسّ بممتلكاتهم وسُبُل عيشهم لإرغامهم على مغادرة أراضيهم "بمحض إرادتهم". هذا الأمر يسهّل على الدولة السيطرة على الأراضي وضمّها إلى المستوطنات بحكم الأمر الواقع على الأقلّ.

فيما يلي وصف لثلاثة من الهجمات السبعة المذكورة التي شنّها المستوطنون خلال شهرَي تشرين الأوّل وتشرين الثاني من خلال إفادات أدلى بها الأهالي أدناه أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

10.10.18: مستوطنون يرافقهم جنود رشقوا بالحجارة عددًا من المنازل ما أدّى إلى مواجهات بين الأهالي والجنود.

في 10.10.18 ونحو السّاعة 9:00 صباحًا حضر نحو عشرة مستوطنين برفقة 3-4 جنود من ناحية مستوطنة "يتسهار" واقتحموا حيّ الصفافير المجاور لحاووز المياه ومدرسة عوريف الثانويّة للبنين. رشق المستوطنون بالحجارة مبنى المدرسة المغطّاة نوافذه بالشبك المعدنيّ في أعقاب هجمات سابقة متكرّرة نفّذها المستوطنون. بعد ذلك رشق المستوطنون بالحجارة منازل مجاورة وحطّموا زجاج 11 نافذة في أربعة منها وزجاج سيّارة كانت متوقّفة في ساحة أحد المنازل.

بعد أن ابتعد المستوطنون عن المكان اندلعت المواجهات بين أهالي القرية والجنود حيث استخدم الأهالي الحجارة فيما أطلق عليهم الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" ثمّ سرعان ما وصل إلى الموقع جنود إضافيّون بحيث أصبح عددهم أكثر من عشرة. 

 

Thumbnail
نافذة محطمة في منزل عائلة سوالمة. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.10.18

سمير سوالمة (62 عامًا) من سكّان حيّ الصّفافير وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد، حدّث في إفادة أدلى بها يوم 10.10.18 كيف هاجم مستوطنون منزله بالحجارة:

Thumbnail
سمير سوالمة بالقرب من سيارته بعد هجوم المستوطنين. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.10.18

صباح هذا اليوم قرب السّاعة 9:00 كنت أسقي الزرع في حديقتي. وكانت زوجتي معزوزة (56 عامًا) وكنّتي صفاء ( 27 عامًا) وحفيدي زين (عشرة أشهر) في داخل المنزل. فجأة رأيت عددًا من المستوطنين يركضون نحو منزلنا من ناحية الشرق. نادتني صفاء عبر النافذة في الطابق الثاني قائلة لي: "المستوطنين قادمون. ادخل سريعًا إلى المنزل". دخلت وصعدت إلى السطح ومن هناك رأيت 10-15 مستوطنًا ملثّمين بقمصانهم ويحملون المقاليع وعصيًّا من خشب وكان أحدهم يحمل غرضًا طويلًا معدنيًا وكان معهم عدد من الجنود. كانوا قريبين جدًّا وأخذوا يرشقون منزلنا بالحجارة. لم أعرف ماذا أفعل. بعضهم أخذ يتقدّم نحو منازل جيراننا رائد وهيام صباح. سمعنا صوت تحطّم الزجاج من ناحية منزل ابني محمد في الطابق الثاني. ومع تحطّم الزجاج كانت تصدر ضجّة هائلة. كذلك سمعت صراخ كنّتي وزوجتي وبكاء حفيدي الطفل يعلو ويعلو. ظننت أنّ الجنود سوف يردعون المستوطنين عن أفعالهم لكنّهم لم يحاولوا ذلك حتّى. وكان أفراد عائلة رائد يصرخون أيضًا.

أنا لم أكن خائفًا على نفسي بل على حياة زوجتي وكنّتي وحفيدي. بعد أن انسحب المستوطنون ابتدأت مباشرة مواجهات بين شباب من القرية والجنود. وصل عدد من الجيبات من ناحية المستوطنة وأخذ الجنود في إطلاق قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطي إلى أن انسحب الشباب، وعندها غادر الجنود أيضًا. لا أعرف بالضبط كم من الوقت استمرّ الهجوم ولكنّي أحسسته زمنًا طويلًا.

Thumbnail
حجارة ونوافذ محطمة في منزل عائلة سوالمة. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.10.2018

بعد ذلك تفقّدنا المنزل من جميع الجهات أنا وزوجتي. وجدنا أنّ المستوطنين حطّموا زجاج نافذتين في منزل محمد في الطابق الثاني إضافة إلى تكسير عدد من نوافذ سيّارتي - التي كانت متوقّفة أمام المنزل.

هذه ليست أوّل مرّة يهاجمنا فيها المستوطنون. في شهر تمّوز هاجموا الحيّ كلّه وحرقوا أشجارًا. في أرضي الواقعة قرب المنزل حرقوا سبع شجرات زيتون وتسع أشجار لوزيّات وثلاث داليات وشجرتي تين. نحن نخشى على حياتنا. لم نعد نشعر بالأمان حتى داخل منزلنا. ما نحن سوى مدنيّين نعيش في منزلنا ولا نلحق الأذى بأحد فلماذا يأتي المستوطنون إلى منازلنا؟

عصام الصّفدي (41 عامًا) من سكّان حيّ الصّفافير وهو متزوّج وأب لسبعة أولاد كان في طريقه إلى العمل عندما لاحظ وجود المستوطنين قرب المدرسة. انضمّ إليه أحد المعلّمين واتّجها معًا نحو حاووز المياه الواقع في جوار المدرسة. عندما لم يجداهم اتّجها إلى حيّ الصّفافير المجاور. في إفادة أدلى بها يوم 10.10.18 وصف عصام ما حدث في ذلك الصّباح:

Thumbnail
عصام الصفدي. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.10.18

رأيت 10-15 مستوطنًا يرشقون منزلي سمير سوالمة وهيام صباح بالحجارة. عندما رآنا المستوطنون أخذوا يرشقون الحجارة على سيّارتي. شغّلت الصّافرة محاولًا إبعادهم وفي هذا الوقت كان سكان المنازل التي هوجمت يستغيثون ويطلبون النجدة. فعل المستوطنون كلّ ذلك أمام ناظر الجنود دون أن يردعهم شيء بل إنّ الجنود أطلقوا علينا الرّصاص المطّاطي. أصابت بضعة رصاصات مقدّمة السيّارة فقرّرت الابتعاد من هناك. عندما تحرّكت بالسيارة إلى الخلف واصل المستوطنون رشقنا بالحجارة. كانت النوافذ مفتوحة فدخل حجران إلى السيّارة. أصاب أحدهما المقعد الخلفيّ وأصاب الثاني ظهر المعلّم عامر قواريق الذي كان منكفئًا ورأسه بين رجليه ليحمي نفسه من الحجارة. لو كانت النوافذ مغلقة لتسبّبت الحجارة بضرر أكبر. في هذه الأثناء جاء مزيد من الشبان من القرية ليغيثونا فأخذ الجنود يطلقون عليهم الرّصاص المطّاطي ويلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع. ابتعد المستوطنون وانتهى كلّ شيء.

درءًا للخطر أخليت المدرسة عند الساعة 10:00 وجاء معظم الأهالي لأخذ أولادهم. أنا أيضًا أخذت ابني أسامة. عندما عدت إلى المنزل تفقّدت الأضرار في السيّارة. تحطّم الضوء الخلفي وهناك بضعة علامات خلّفها الرّصاص المطّاطي.

7.11.18: مستوطنون برفقة جنود رشقوا بالحجارة مزارعين ومنازل ومبنى المدرسة. في المواجهات التي اندلعت أطلق جنود الرّصاص الحيّ و"المطّاطي" على الأهالي وأصابوا خمسة منهم.

في 7.11.18 قرب السّاعة 10:30 هاجم نحو أربعين مستوطنًا بالحجارة أربعة أشخاص من أهالي عوريف كانوا يفلحون أراضيهم المجاورة للمدرسة وحاووز المياه. بعد ذلك انتقل المستوطنون لرشق الحجارة على المدرسة وعلى المنازل المجاورة لخزّان المياه. بعض المستوطنين كانوا يحملون المقاليع وعصيًّا من خشب وبعضهم كانوا ملثّمين بقمصانهم. في أعقاب الهجوم جاء إلى المكان عدد من الأهالي وطلّاب المدرسة وحاولوا بواسطة رشق الحجارة إبعاد المستوطنين والجنود الذين رافقوهم. عندها أطلق الجنود نحوهم الرّصاص الحيّ والمطّاطيّ وقنابل الغاز المسيل للدّموع. أخذ أحد المستوطنين يطلق عليهم الرصاص الحيّ وهو شخص يعرفه السكّان من هجمات سابقة. أصيب ثلاثة من أهالي القرية: فتًى في الـ16من عمره أصيب بكفّ يده بالرّصاص الحيّ. أحد السكّان أصيب برجله بالرّصاص الحيّ وبالثانية بالرّصاص المطّاطي كما أصيب شخص ثالث برجله بالرّصاص المطّاطي. إضافة إلى ذلك أصيب من الحجارة التي رشقها المستوطنون شخصان آخران برأسيهما أحدهما فتًى في الـ17 من عمره.

كايد صباح (58 عامًا) متزوّج وأب لـ11 ولدًا وهو أحد المزارعين الذي هاجمهم المستوطنون في بداية الحدث حين كان يعمل مع ثلاثة من أهالي القرية في أرضه المجاورة لحاووز المياه والمدرسة. في إفادة أدلى بها غداة الحدث قال:

أملك سبعة دونمات قرب حاووز المياه. حتى عام 2000 كنت أزرع فيها الكوسا والبندورة والسّبانخ وأنواع خضار أخرى. ولكن منذ تلك السنة توقّفنا عن فلاحة تلك الأرض بسبب هجمات المستوطنين المتكرّرة. في هذه السنة قرّرت أنا ومزارعين آخرين غرس أشجار زيتون في أراضينا لأنّها تتطلّب عناية ومتابعة أقلّ مقارنة بمزروعات أخرى.

سائق التراكتور مراد بدأ في حرث الأرض. عند الساعة 10:00 تقريبًا لاحظنا وجود ثلاثة مستوطنين يقفون على بُعد قرابة كيلومتر واحد منّا من ناحية مستوطنة "يتسهار". خفنا أن يهاجمونا. بعد نصف ساعة تقريبًا انضمّ إليهم مستوطنون آخرون. أخذ نحو عشرين مستوطنًا يقتربون منّا إلى أن توقّفوا على بُعد نحو مائتي متر منّا. اتّصلنا فورًا ببعض أهالي القرية وطلبنا أن يأتوا لكيلا نكون وحيدين. طلبت من سائق التراكتور أن يعود إلى القرية خشية أن يخرّب المستوطنون التراكتور.

Thumbnail
كايد صباح. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 8.11.18

في هذه الأثناء جاء من المستوطنة قرابة عشرين مستوطنًا آخرون بعضهم ملثّمون بقمصانهم. كانوا يحملون مقاليع وعصيًّا خشبيّة. أحدهم كان مسلّحًا وهو مستوطن نعرفه لأنّه سبق أن هاجم القرية مرّات كثيرة. بعد عدّة دقائق تقدّمت إلينا مجموعة مستوطنين وهم يرشقون الحجارة علينا. أخذنا نتراجع باتّجاه القرية وعندها بدأ المستوطنون يرشقون المدرسة بالحجارة فخرج التلاميذ بدورهم ورشقوهم بالحجارة. في هذا الوقت وصل إلى هناك عدد من الأهالي لأنّهم خافوا على أولادهم. أطلق الجنود نحوهم الرّصاص الحيّ والمطّاطيّ والكثير من قنابل الغاز المسيل للدّموع وكذلك أطلق مستوطن الرّصاص الحيّ بالاتجاه نفسه. بعض المستوطنين كانوا حقيقة على مسافة صفر من الأهالي واشتبكوا مع بعضهم في عراك وكان المستوطنون يضربونهم بالعصيّ الخشبيّة. ما كان منّي إلّا الاختباء خلف أسوار المنازل المجاورة والصخور الكبيرة. أنا رجل مسنّ ماذا كان يمكنني أن أفعل؟ لقد حاولت تهدئة شبان قريتنا. والجنود بدلًا من أن يحمونا أطلقوا علينا الرّصاص والغاز المسيل للدّموع. لقد وصل المستوطنون حتى أوّل منازل القرية في طرفها. بعد أن جُرح عدد من الأهالي غادر المستوطنون المكان. بعد ذلك ساد الهدوء لكنّ الجنود ظلوا هناك لمدّة نصف ساعة أخرى تقريبًا وبعد ذلك غادروا. عدت إلى منزلي عند الساعة 13:30.

صباح هذا اليوم توجّهنا عند الساعة 7:00 إلى قطعة الأرض نفسها مع مراد سائق التراكتور لكي نكمل حرث الأرض. بدأنا العمل وفجأة وصلت سيّارة فيها المستوطن الذي جاء بالأمس مسلّحًا. طالبنا أن نوقف العمل لأنّه لا يوجد "تنسيق". قلت له إنّ العمل في هذه الأرض لا يحتاج إلى تنسيق لكنّه أصرّ على مطالبتنا بالمغادرة. عندما رفضنا غادر هو المكان لكنّه عاد بعد نصف ساعة برفقة جيبين عسكريّين وجنود. أمرنا الجنود بوقف العمل وقالوا لنا إنّ علينا الحصول على تصريح. عندما أخذنا نجادلهم أطلق أحد الجنود نحونا قنبلة غاز مسيل للدّموع. قرّرنا العودة إلى القرية لأنّنا كنّا معنيّين ألّا يخسر تلاميذ المدرسة المجاورة يومًا دراسيًّا آخر كما حصل بالأمس. نحن نأمل أن نتمكّن من استكمال حرث أراضينا. لقد توجّه أعضاء المجلس المحلّي إلى مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة لكي يهتمّوا بألّا يعاود الجيش والمستوطنون عرقلتنا في المستقبل.

منتصر عامر (30 عامًا) متزوّج وأب لولدين وهو عضو المجلس المحلّي في عوريف، حضر إلى منطقة المواجهات ومعه أحد العاملين لديه بعد أن تلقّى محادثة هاتفيّة من أحد الأهالي. أوقف سيّارته قرب منزل عائلة النوري الذي هوجم بالحجارة. في المواجهات التي تطوّرت بعد ذلك أصيب عامر بالرصاص "المطّاطي" برجله اليمنى والرصاص الحيّ برجله اليسرى. في الإفادة التي أدلى بها يوم 13.11.18 وصف منتصر الحدث قائلًا:

عندما وصلنا إلى الأرض كان هناك نحو أربعين مستوطنًا بعضهم ملثّمون وكانوا يرشقون المنازل بالحجارة. إضافة إليهم كان قرابة 15 جنديًّا يطلقون الرّصاص نحو التلاميذ الذين فرّوا من المدرسة في أعقاب الهجوم وكانوا يرشقون الجنود بالحجارة. كذلك حارس المستوطنة كان يطلق النار. خرجنا من السيّارة فأطلق الجنود الرّصاص نحونا وألقوا قنابل مسيلة للدّموع أيضًا. كنا نرى التراب يتناثر من الأرض قرب أرجلنا تمامًا بسبب الرّصاص.

Thumbnail
منتصر عامر بعد إصابته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 13.10.18

كان هناك أيضًا رئيس المجلس المحلّي مازن شحادة. قال للجنود إنّه رئيس المجلس وطلب منهم أن يُبعدوا المستوطنين لكي يهدأ الوضع. وفيما كان يتحدّث مع الجنود رشقه أحد المستوطنين بحجر أصابه في الرأس. كان جرحه ينزف دمًا كثيرًا وحاولت إقناعه أن ننقله إلى المستشفى لكنّه قال إنّه بخير. أخذت أقترب من الجنود لكي أتحدّث إليهم لكنّهم أطلقوا الرّصاص بالضبط قرب رجليّ فاضطررت للتراجُع. دخلت إلى السيّارة لكي أبعدها عن المكان لئلّا تصيبها الحجارة لكنّي لم أتمكّن من ذلك لأنّ المستوطنين أخذوا يرشقونها بالحجارة وأنا في داخلها. خرجت واختبأت خلف سور منزل عائلة النوري. رشقني المستوطنون بالحجارة وحطّموا نوافذ السيّارة.

حاولت أن أوضّح لأحد الجنود أنّني فقط أريد إبعاد السيارة عن المكان فما كان منه إلّا أن أطلق نحوي الرّصاص المطّاطيّ. كان إلى جانبي شابّ يُدعى عامر شحادة في الـ33 من عمره أصابه الرّصاص المطّاطي بالفخذ ووقع على الأرض. حاولت حمله لكنّ الجنود أطلقوا الرّصاص المطّاطيّ أيضًا نحوي فأصابوني برجلي اليمنى ووقعت أرضًا أنا الآخر. أخذ المستوطنون يقتربون منّا فلم يكن لدينا مناص من النهوض. ساعدني عامر وتقدّمنا سويّة نحو منزل منير النوري. كان الدم يسيل من رجل عامر. قصصت بنطاله "الجينز" بقطعة زجاج التقطتها عن الأرض ووجدت أن جرحه سطحيّ. حمله شبان من القرية ونقلوه إلى المستشفى. أنا كنت على ما يُرام في هذه المرحلة ولذلك لم  ينقلوني إلى المستشفى. تمكّنت من الوصول إلى السيّارة وإبعادها قليلًا ثمّ طلبت من أحد الشبان أن يوقفها في مكان آخر. عدت إلى موقع الأحداث لأنّ المستوطنين تقدّموا مجدّدًا نحو المدرسة. أخذوا يرشقوننا بالحجارة والجنود أطلقوا الرّصاص نحونا مجدّدًا. كان أحد المستوطنين مقابلي تمامًا ورشقني بحجر. رأيت أنّ جنديًّا يقف خلفي على بُعد عشرة أمتار تقريبًا ولكن قبل أن أتمكّن من الفرار أطلق الجنديّ الرّصاص الحيّ نحوي وأصابني برجلي اليسرى. 

نقل أهالي القرية منتصر عامر إلى مستشفى رفيديا في نابلس حيث تلقّى العلاج جرّاء رصاصة اخترقت رجله وخرجت من الجهة الأخرى. في اليوم التالي خرج عامر من المستشفى. 

19.11.18: هاجم مستوطنون خمسة منازل وبعد أن غادروا وصل الجنود واندلعت مواجهات بينهم وبين أهالي القرية. أطلق الجنود نحو الأهالي الرّصاص "المطّاطيّ" والغاز المسيل للدّموع وضربوا فتًى في الـ16 من عمره وشابًّا في الـ19 من عمره واعتقلوهما. 

في 19.11.18 نحو السّاعة 5:30 فجرًا هاجم نحو 15 مستوطنًا خمسة منازل في حيّ الصّفافير بالحجارة أحدها منزل سمير سوالمة الذي هوجم مرّتين خلال الأسابيع السّابقة لهذا الهجوم. بعد مضيّ نحو عشر دقائق غادر المستوطنون ولم يلحق ضرر بالممتلكات. في هذه الأثناء كان قد تجمّع في المنطقة نفرٌ من الأهالي وعندما وصل إلى هناك قرابة 15 جنديًّا اندلعت مواجهات بين الطرفين حيث أطلق الجنود الرّصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز المسيل للدّموع. نحو السّاعة 9:00 اعتدى الجنود بالضرب على صلاح الدين الصفدي (16 عامًا) وصديقه راني النوري (19 عامًا) وكسروا إصبع في يد صلاح الصفدي. اعتقل الجنود الاثنين واقتادوهما إلى معسكر للجيش ثمّ أخلوا سبيل الصفدي في الساعة 2:00 من الليلة نفسها دون أن يقدّموا له العلاج الطبّي. راني النوري ما زال معتقلًا حتى اليوم. عند الساعة 11:30 تقريبًا غادر الجنود الحيّ. 

أسمهان شحادة - صفدي (43 عامًا) متزوّجة وأمّ لستّة أولاد، وصفت هجوم المستوطنين في إفادة أدلت بها يوم 28.11.18: 

عندما أتممت صلاة الفجر سمعت ضجّة في الخارج فقمت فورًا لأرى ما الذي يحدث. سمعت صوت حجارة ترتطم بحيطان منزل جيراننا سمير ومعزوزة سوالمة. خفت أن أنظر عبر النافذة بسبب العتمة في الخارج. أسرعت إلى غرفة ابنتي الكبرى دعاء (19 عامًا) وقلت لها "قومي بسرعة". سألتني ماذا حدث؟ فقلت لها "المستوطنون. هيّا أسرعي. اجلبي معك أخاك عبد الله". بعد ذلك توجّهت إلى غرفة الأولاد الأخرى وأيقظتهم. سمعت خبطات على شبك النافذة المعدنيّ. كان المستوطنون يخبطون الشبك بقضيب من حديد. استيقظ الأولاد مذعورين. قلت لهم "المستوطنون يرشقوننا بالحجارة" وطلبت منهم الانتقال إلى الصّالون لأنّه بعيد عن النوافذ. جميعهم كانوا خائفين جدًّا. كان زوجي في عمله. حاولت الاتّصال بأشقّائي ولكن لم يجب أحد منهم. الجميع نائمون في هذا الوقت. بقيت متجمّدة في مكاني. 

Thumbnail
أسمهان شحادة (صفدي) برفقة ابنها عبد الله البالغ من العمر عامًا واحدا. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 28.11.18

سمعت جارتنا معزوزة سوالمة تصرخ. هي تتوتّر دائمًا عندما يأتي المستوطنون. ومن منّا لا يخافهم؟ الجيش يُفلت يدهم علينا وهم يفعلون ما يحلو لهم ولا أحد يحاسبهم. بل إنّ الجيش يحميهم عندما يعتدون علينا. بعد أن غادر المستوطنون عند الساعة 6:00 تقريبًا جاء جنود من ناحية مستوطنة "يتسهار" فرشقهم عدد من الأهالي الذين كانوا قد تجمّعوا من قبل بالحجارة  وردّ الجنود عليهم بإطلاق الرّصاص المطّاطي وقنابل الغاز المسيل للدّموع. دخل الغاز إلى منزلنا لكنّنا خشينا الخروج فاختنقنا من الغاز. طفلي عبد الله عمره سنة واحدة كان يبكي طيلة الوقت.

أولادي يخافون من هجمات المستوطنين وخاصّة ابنتي زينب (8 سنوات) ترتعد منهم خوفًا وتلتصق بي طوال الوقت. حتّى أنّهم لا يخرجون للّعب في الخارج مثلما كانوا يفعلون قبل موجة الهجمات الأخيرة. وهم يتذمّرون طيلة الوقت "لماذا بنيتم منزلنا هنا؟ إنّه أسوأ مكان في العالم. نحن نريد الانتقال إلى مكان آخر" ونحن نجيبهم "لكن هذا بيتنا. ليس لنا مكان آخر ننتقل إليه وعلينا أن نبقى هنا". 

استمرّت المواجهات حتى الساعة 11:30 وبالطبع لم يذهب الأولاد إلى المدرسة. في كلّ هجوم للمستوطنين يخسر التلاميذ لأنّ الجميع يخافون على أولادهم. 

ربيحة شحادة (49 عامًا) متزوّجة وأمّ لولدين تسكن على بُعد نحو 120 مترًا من حاووز المياه. في إفادة أدلت بها يوم 28.11.18 حول هجوم المستوطنين قالت: 

Thumbnail
ربيحة شحادة. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 28.11.18

في يوم الإثنين الموافق 19.11.18 عند السّاعة 5:30 تقريبًا كنت في سريري بعد أن أتممت صلاة الفجر. سمعت أصواتًا في الخارج. سألني زوجي "ما الذي يجري؟" فقلت له "لا أعرف. أسمع صوت أحدهم يبكي". صعدنا إلى سطح المنزل لكي نفهم من أين يأتي الصّوت وعندها شاهدت 20-25 مستوطنًا يرشقون منازل جيراننا بالحجارة وسمعنا الجيران يصرخون. بعض المستوطنين كانوا يرشقون بالحجارة منزل أخي جمال شحادة المجاور لنا وآخرون هاجموا منزل سمير سوالمة وغيرهم هاجم منزل أبو سيف. وأخذوا يرشقون منزلنا أيضًا بالحجارة. خفت كثيرًا. 

بعد ذلك ابتعد المستوطنون. سمعت نداءات عبر مكبّرات الصوت تناشد أهالي القرية القدوم إلى حيّنا وعندها جاء عدد من الأهالي. أسرعت إلى منزل أخي جمال فهو يخرج إلى عمله في الساعة 4:30 وزوجته وأولاده لوحدهم. كان أولاده مرعوبين. حزنت كثيرًا لحالهم هذا وشكرت الله أنّ أولادي لا يزالون نائمين ولم يوقظهم الضجيج. ذهبت إلى منزل أخي وزوجته لكي أطمئنّ عليهم. أنا أخشى أن يلقي المستوطنون قنابل إلى داخل منازلنا فنموت حرقًا. 

صلاح الدين الصفدي (16 عامًا) الفتى الذي ضربه الجنود واعتقلوه أدلى بإفادته في 21.11.18 قائلًا:

Thumbnail
صلاح الدين الصفدي. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 21.11.18

عند السّاعة 9:00 تقريبًا وصلت إلى منزل صديقي راني النوري. لم أكد أطرق باب منزلهم وإذ به خلفي يقول لي إنّهم كانوا قد غادروا المنزل لأنّ الجنود أطلقوا الكثير من قنابل الغاز المسيل للدّموع وتسرّب الغاز إلى داخل منزلهم. فجأة أتى جنديّان من السّاحة وهجما علينا. ألقاني أحدهما أرضًا بالقوّة وكبّل يديّ إلى الخلف بأصفاد بلاستيكيّة وفعل الجندي الثاني الأمر نفسه مع راني. غطّى الجندي عينيّ بقطعة قماش. أشبعنا الجنديّان لطمًا ولكمًا وضربانا بسلاحيهما. شعرت بألم شديد جدًّا في كفّ يدي اليسرى وكنت أتأوّه وأصرخ "يدي! يدي!" لكنّ الجندي لم يتوقّف عن ضربي. بل على العكس: كلّما صرخت "يدي!" كان يضربني على يدي اليسرى تحديدًا. لم أستطع التحكّم بنفسي لكثرة الألم كنت أصرخ بدون سيطرة. ما عدتُ أشعر بشيء سوى الألم في يدي. كان ألمًا لا يوصَف وخمّنت أنّ يدي قد كُسرت على ما يبدو. 

سمعت صوت حجارة تُرشق وإطلاق رصاص. جرّني الجنود لمسافة بضعة أمتار على الأرض الوعرة وعلى الحجارة. أعتقد أنّهم فعلوا ذلك لكي يبتعدوا عن مرمى الحجارة. تألمت كثيرًا ومع ذلك لا يُقارن ذلك بالألم الذي كنت أحسّه في يدي اليسرى. بعد ذلك حملني الجنود وأخذوني إلى جيب. سمعت الجندي الآخر يستعجل راني" هيّا هيّا". رفع الجنديّ رجلي ووضعها على درجة الجيب لكي أصعد وأدخل - لأنّني لم أفهم ما قاله لي. كان يتحدّث معي بالعبرية وأنا لا أعرفها. قلت للجنديّ مرّتين إنّ يدي تؤلمني كثيرًا فضربني على يدي. كنت أظنّ أنّه سيفكّ القيد عن يدي فيخفّ الألم قليلًا. أمرني بالسّكوت فسكتّ تجنّبًا لمزيد من الضرب على يدي. تحرّك الجيب لا أعرف إلى أين ولا كم من الوقت سافر. كان تفكيري كلّه منصبًّا على الألم في يدي. 

المكان