Skip to main content
محمد ومصطفى عميرة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 19.9.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جنود يعتقلون لمدّة 24 ساعة قاصرين كانا يلعبان داخل كرم زيتون وسط سلسلة من أعمال التنكيل

نحو السّاعة 17:00 من يوم الاثنين الموافق 13.9.21 كان مصطفى (13 عامًا) ومحمد عميرة (15 عاماً) - كلاهُما من قرية نعلين في محافظة رام الله - يلعبان في أراضٍ تملكها عائلتهما. ضمن ذلك فجّر الاثنان زجاجات بلاستيكيّة بواسطة موادّ تنظيف وورق ألومنيوم، وفي أثناء ذلك كان يراقبهما أكثر من عشرة جنود كانوا قرب إحدى بوّابات جدار الفصل على بُعد نحو كيلومتر واحد من الفتيين. بعد نحو السّاعة أُطلق نحوهُما عياران معدنيّان مغلّفان بالمطّاط، وتقريباً بعد نصف ساعة أخرى تقدّم الجنود نحوهُما واعتقلوهُما.

هكذا بدأت سلسلة تنكيل استمرّت حتى الإفراج عن الفتيين بعد أكثر من 24 ساعة. كبّل الجنود يدي كلّ منهما بشدّة وضربوهُما - لكماً وركلاً - في كلّ أنحاء جسميهما وشتموهُما. أصرّ الجنود على أنّ شخصاً ثالثاً كان معهما وسألوهُما عنه، ولكن رغم إنكارهما وُجود مثل هذا الشخص ظلّ الجنود يسألونهما عنه مراراً وتكراراً حتى أدلى مصطفى باسم مستعار حيث لم يكن يملك خيارًا آخر.

بعد ذلك اقتيد الفتيان إلى منشأة عسكريّة قريبة من حاجز نعلين وبعد انتظار طويل حقّقوا معهُما كلّاً على انفراد - في غياب شخص بالغ من طرفهما. هاتف المحقّقون محامياً لا يعرفانه وأتاحوا لهُما التحدّث معه عبر الهاتف لبُرهة قصيرة. لدى انتهاء التحقيق طُلب منهُما أن يوقعا على مستندات مكتوبة باللّغة العبريّة ثمّ أخذوهما لنقل بصَمات وأخذ عيّنات من حمضهما النوويّ (DNA). بعد ذلك طلبوا منهُما أن ينتظرا في الخارج معصوبي العينين.

عند السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل كبّلوا الفتيين واقتادوهما إلى معسكر للجيش حيث أدخلوهُما إلى غرفة شديدة البُرودة وجلبوا لهُما فرشتين رطبتين ثمّ تركوهُما. في الصّباح جلبوا لهُما قليلاً من الماءً للشرب وبعض البسكويت الجافّ وتركوهُما مرّة أخرى. فقط في ساعات العصر ونحو السّاعة 17:00 أخذوهُما إلى المستشفى- مكبّلين ومعصوبَي العينين. بعد إخضاعهما لفحوصات طبيّة أخذوهُما إلى غرفة في المستشفى حيث شاركا عبر محادثة فيديو وباستخدام هاتف أحد عناصر الشرطة في جلسة للنظر في قضيّتهما في المحكمة العسكريّة في "عوفر". آنذاك رأى الفتيان محاميهما لأوّل مرّة وكان يُترجم لهُما أثناء سير الجلسة. بعد نقاش استمرّ لمدّة أقلّ من عشر دقائق أبلغت القاضية أنّه سيتمّ الإفراج عنهُما لقاء كفالة ماليّة قدرها 3,000 شيكل عن كلّ واحد منهُما. بعد ذلك أجريت لهُما فحوصات طبيّة مرّة أخرى ثمّ دون تنسيق مع أسرتيهما أقلّوهُما في سيّارة وتركوهُما عند مدخل قريتهما في ظُلمة اللّيل حيث كانت السّاعة 21:30 - إلى أن مرّت سيّارة يقودها شخص يعرفهُما فأوصل كلّاً منهُما إلى منزله.

ملخّص الأمر أنّ جنوداً اقتادوا فتيين كانا يلعبان في أرض عائلتهما وأبرحوهُما ضرباً - وكانت هذه فقط بداية سلسلة تنكيل استمرّت أكثر من 24 ساعة تعرّضا خلالها للضرب والتجويع والحرمان من النوم. عشرات الأشخاص كانوا متورّطين في هذا التنكيل: جنود وعناصر شرطة وأطبّاء ومحقّقون وممرّضات وعناصر من "الشاباك" وموظّفون وقاضية. لم يتريّث أيّ منهُم ويتحدّث معهُما - طفل في الـ 13 وطفل في الـ15؛ لم يكلّف أحد نفسه عناء السّؤال: لماذا أصلاً جرى اعتقالهُما وإبعادُهما عن أسرتيهما ومنزليهما. لا أحد أوضح لوالديهما ماذا سيفعلون بهما. لم يسأل أحد أيّاً منهُما هل هو جائع أو عطشان أو متعب أو خائف. ولا حتّى شخص واحد.

صرّح الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ لصحيفة "هآرتس" أنّه "تمّ رصْد فلسطينيّين مشتبه بهما يقومان بتفجيرات بواسطة عُبوة يدويّة الصّنع عند جدار الفصل" - هذا رغم أنّ الفتيين لعبا مدّة ساعة في تفجير زجاجات على بُعد نحو كيلومتر واحد من الجدار وأمام أنظار الجنود ولم يفعل هؤلاء شيئاً ولم يعتبروهُما "مشتبهُا بهما". كذلك زعم الناطق أنّ"المشتبه بهما قد فرّا" - هذا رغم أنّ أحدهما نحو الجنود والثاني فرّ وسلّم نفسه فوراً بعد ذلك. كما زعم الناطق أنّ الجنود قطّ لم يضربوهُما ولكن ليبرّر علامات الضرب قال: "وقع أحد المشتبهين على الأرض فتأذى وجهه قليلاً وقدّمت له القوّة إسعافاً فوريّاً". كما وزعم أنّه قد "تمّ تقديم طعام وشراب للمشتبه بهما".

تُظهر التصريحات أعلاه كم أنّ هذه الحادثة في نظر الجيش ليست إلّا أمراً عاديّاً، روتين - والحال فعلاً كذلك: منذ زمن طويل يتم اعتقال قاصرين فلسطينيّين يوميّاً في الضفة الغربيّة وعليه تتعامل معه السّلطات والمسؤولون فيها بعدم اكتراث تامّ - كما في الحالة التي أمامنا؛ إذ يختار هؤلاء تجاهُل حقوق أولئك القاصرين وحقيقة أنّهم يستحقّون بموجب القانون حماية خاصّة وكذلك من عواقب وآثار طويلة المدى تخلّفها مثل هذه الأحداث في نفوس القاصرين.

في إفادته أدلى الطفل مصطفى عميرة (13 عاماً) أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد بما يلي:

مصطفى عميرة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 19.9.21
مصطفى عميرة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 19.9.21

نحو السّاعة 17:00 من يوم الإثنين الموافق 13.9.21 كنت مع محمد ابن عمّي نلعب سويّة في منطقة جبل أبو صيدم (الكرك) وهي ليست بعيدة عن منازلنا. توجد لنا هناك كروم زيتون. كنّا نلعب "عرب ويهود" - نمثّل مواجهة بين فلسطينيّين وجنود. أعددنا مفرقعات لا تُحدث ضجّة عالية، صنعناها من زجاجات بلاستيكيّة وورق ألومنيوم وموادّ تنظيف - هي تُحدث انفجاراً عندما ترجّ محتويات الزجاجة وتقذفها. وكنّا أيضاً نقلّد أصوات صافرة دوريّة الشرطة وأصوات إطلاق النار.

كان جنود جالسين تحت عريشة في إحدى فتحات جدار الفصل وينظرون إلينا وعلى بُعد نحو 150 متراً منهم كان ما يقارب عشرة جنود آخرين يستلقون تحت الأشجار التي على التلّة. بعد أن لعبنا لمدّة ساعة تقريباً أطلق الجنود الذين تحت العريشة الرّصاص "المطّاطيّ" نحونا ولكنّ الرّصاص لم يُصبنا. خفنا كثيراً فابتعدنا قرابة 25 متراً في اتّجاه القرية ولكن بقينا داخل كرم الزيتون خاصّتنا. صرخت على الجنود فشتمنا أحدهم ونحن بدورنا شتمناه بالمثل.

عند السّاعة 18:30 كنّا نتحدّث حديثاً عاديّا وفجأة قال محمد إنّ الجنود آتون وانطلق فارّاً من المكان. أنا لم أرَ الجنود ولكنّني لُذت بالفرار غير أنّ الجنود تمكّنوا من الإمساك بي. كانوا خمسة جنود وقد صوّبوا أسلحتهم نحوي. أمرني أحد الجنود أن أجلس على الأرض وبعد ذلك كبّلوا يديّ إلى الخلف وشدّوا الأصفاد فتألمت كثيراً. بعد ذلك جاء جنديّ آخر. الأوّل أمسك برأسي وصار يفركه بالأرض، بالحجارة والتراب. كنت أصرخ من الألم وأحسست بدمي يسيل من الخدوش. ثمّ وضع أحد الجنود رجله على ظهري وأخذ يوجّه اللّكمات إلى وجهي. في هذه الأثناء رأيت أنّه قد أمسكوا بمحمد. جلبوه قريباً من المكان الذي كنت فيه. كان أربعة جنود يلازمونه.

ناولوني هاتفاً وقالوا لي تحدّث. كان على خط الهاتف شخص قال إنّه من "الشاباك". سألني باللّغة العربيّة ما اسمي وما اسم صديقي وكم عمرُنا وما الملابس التي نرتديها. سألني أيضاً عن ولد آخر فقلت له إنّه لا يوجد آخر. أصرّ على أنّه يوجد آخر ولمّا كرّرت أنّه لا يوجد قال لي "إنّك تكذب". أخذ أحد الجنود الهاتف من يدي ثمّ أخذ يلكمني ويركلني ويأمرني أن أعترف أنّه كان معنا شخص آخر. فقط لكي يتوقّف عن التنكيل بي اخترعت اسماً وقلتُه لهُ إنّه كان معنا شخص اسمُه يوسف. لكنّه واصل ضربي وهو يوجّه إليّ أسئلة عن يوسف. كنت أجيبه بأنّني لا أعرف وهُو يصرّ على أن أقول اسم يوسف الكامل فاخترعت مرّة أخرى اسماً رباعيّاً - فقط لكي يتوقّف عن ضربي. عندئذٍ ناولني الجنديّ الهاتف مرّة ثانية لكي أتحدّث مع رجُل "الشاباك" وأمرني أن أقول له الاسم الذي ذكرته ففعلت.

اقتادني الجنود قريباً من المكان الذي كان محمد مستلقياً فيه على الأرض. سألني أحدهم عن الزجاجات خاصّتنا. كانت قد بقيت لدينا ثلاث زجاجات وقد أريْتُه مكانها. شرحت له كيف نقوم بإعداد المفرقعات وكيف نلعب بها. جلب الجنود محمد وأجلسوه بقربي لمدّة عدّة دقائق ثمّ اقتادونا عبر الكروم مسافة بضع مئات من الأمتار. في أثناء ذلك كانوا يشتمونني، والجنديّ الذي اقتادني كان يحاول طوال الوقت أن يأخذني إلى حوافّ السّناسل لكي أقع، وفعلاً وقعت مرّتين ولكن لم أصَب بأذىً. أخذوني إلى جيب عسكريّ وحينئذٍ قال لي أحد الجنود "أهلاً وسهلاً بكُم في إسرائيل" ثمّ خبط رأسي بباب الجيب فتألمت كثيراً. بعد ذلك أدخلني الجنديّ إلى الجيب ثمّ سار بي إلى مكان لا أعرفه. كنت مرعوباً وجسمي يرتجف من الخوف.

بعد وقت قصير توقّف الجيب وعصب الجنديّ عينيّ. بعد ذلك علمت أنّني موجود في حاجز نعلين. كانت السّعة 19:30 تقريباً. بعد مضيّ لحظات معدودة جلبوا محمد أيضاً. أجلسونا على مقعد خشبيّ وأوقفوا جنديّاً عندنا لحراستنا. كانت مسافة مترين تفصل بيني وبين محمد ولكنّهم منعونا من التحدّث مع بعضنا البعض. طلبت ماءً لأشرب فجلب جنديّ كأس ماء وأسقاني لأنّ يديّ كانتا مكبّلتين. طلبت أيضاً أن يمسحوا التراب والدّم عن وجهي لأنّه قد جفّ وكان يضايقني. جلب الجنديّ منديل ورق وقصّ الأصفاد عن يديّ لكي أمسح وجهي بنفسي - لكنّه لم يسمح لي أن أزيل العصبة عن عينيّ وإنّما وافق أن أزيحها. بعد أن مسحت وجهي أبقى العصبة على عينيّ ولكنّه لم يُعد تكبيل يديّ.

نحو السّاعة 20:00 سمعت جنديّاً يأخذ محمد. بعد مضيّ نصف السّاعة أخذوني أنا أيضاً. أجلسوني على كرسيّ داخل غرفة والمحقّق طلب منّني أن أزيل العصبة عن عينيّ. كان هناك شرطيّ وشرطيّة. شرح لي المحقّق أنّ لي حقوقاً. قال إنّه يمكنني أن لا أجيب على الأسئلة ولكن المحكمة سترى ذلك. ثمّ اتّصل من هاتفه بمحامٍ وناولني الهاتف لكي أتحدّث مع المحامي. وقف المحقّق والشرطيّة قرب الباب فيما كنت أتحدّث مع رجُل عرّف نفسه بأنّه المحامي ناصر نوباني. قال لي أنْ لا أخاف وإنّ لا أحد سيضربني. قلت له إنّهم قد ضربوني وانقضى الأمر. ثمّ أوصاني أن لا أقول شيئاً وطلب أن أناول الهاتف للمحقّق.

طلب منّي المحقّق رقم هاتف والدي ولكنّني من شدّة الخوف لقّنته الرّقم خطأ. ثمّ أعطيته رقم والدتي فتحدّث معها قائلاً إنّني رهن الاعتقال عندهم وإنّه قد تحدّث مع محامٍ. قال لها أيضاً "ابنك يعمل مشاكل" فقالت له والدتي "ابني لا يزال طفلاً صغيراً ولا يُعقل أن يجري اعتقاله". عندئذٍ أنهى المحقّق المحادثة وقال لي إنّني قد تورّطت وسوف يعرضوني على المحكمة. خفت أن يعتقلوني لفترة طويلة فتتعطّل دراستي. سألني المحقّق ماذا كنّا نفعل داخل الكرم وسألني عن الزجاجات، وبعد ذلك سأل هل نرشق حجارة ثمّ قال لي: "عليك أن تشكر الجنديّ لأنّه اكتفى بضربك ولم يقتلك".

أخرجني المحقّق من الغرفة ومن بعدي دخل محمد. بعد مضيّ أربعين دقيقة تقريباً أدخلوني مرّة أخرى إلى الغرفة. أرادوا أن أوقّع على مختلف الأوراق وكلّها باللّغة العبريّة. قالوا إنّ هذا إثبات بأنّهم أتاحوا لي التحدّث مع محامٍ. وقّعت على كلّ الأوراق رغم أنّني لم أفهم على ماذا أوقّع. بعد ذلك أخذوا بصمات أصابعي وعيّنات من جسمي لإثبات حمضي النووي (DNA).

نحو السّاعة 1:00 عصبوا أعيننا وكبّلوا رجليّ ورجليّ محمد معاً ثمّ أقلّونا إلى معسكر للجيش وهناك أدخلونا إلى غرفة باردة جدّاً وأزالوا العصبتين عن أعيننا وأعادوا عصبها بقماش أبيض. كذلك فكّوا الجنزير عن أرجلنا ثمّ ربطوا أيدينا. بعد ذلك جلبوا لنا فرشتين رطبتين وباردتين وقالوا لنا ناموا ولكنّني لم أتمكّن من النوم من شدّة البرد. وكنّا أيضاً جائعين لكنّهم لم يجلبوا لنا طعاماً ونحن بدورنا لم نطلب منهم. كنّا متعبين جدّاً وأردنا فقط أن ننام.

بقينا هكذا حتى السّاعة 8:00 صباحاً. جلبوا لنا ماءً للشرب وعندما أردنا قضاء حاجتنا أخرجونا إلى خلف إحدى الغرف ثمّ أعادونا إلى الغرفة. جلبوا لنا بعض البسكويت الجافّ وبعض "البيجلَه". بعد ذلك غفوت قليلاً. عند السّاعة 17:00 جاء عناصر شرطة وأيقظونا ثمّ عصبوا أعيننا وأدخلونا إلى سيّارة. عندما توقّفت السيّارة وضعوا لنا كمّمات ثمّ تبيّن لنا أنّنا داخل منشأة صحيّة أشبه بمستشفى. هناك أجريت لنا فحوصات وسألني أحدهم إذا ما كنت أحسّ بألم في مكان الضربات التي تلقّيتها.

قبل أن نخرج من المستشفى عقدت المحكمة جلسة عبر هاتف الشرطة. كانت القاضية تتكلّم ومُحامينا يُترجم. قالت لنا: "لا أريد لكم أن تعودوا إلى المحكمة ثانية والأفعال التي فعلتموها لا تكرّروها. استمرّت الجلسة أقلّ من عشر دقائق ثمّ أغلق الشرطيّ الهاتف. بعد ذلك أخذونا إلى الطابق الخامس وأجروا لنا فحوصات مرّة أخرى ثمّ أعادونا إلى السيّارة. بعد أن عصبوا أعيننا سارت بنا السيّارة ولم أعرف إلى أين. غفوت في السيّارة وعندما استيقظت كنّا عند مدخل قريتنا. كانت السّاعة 21:30 وكان هناك شخص نعرفه أخذنا إلى منازلنا.

استمرّت الآلام بعد أن عُدت وكانت في وجهي كدمات وتورّم حول العين اليُمنى وفي يدي علامات وخدوش بسبب الأصفاد. لكنّني لم أتوجّه إلى المستشفى. استرحت في المنزل وتناولت مسكّنات. تعطّلت يومين عن المدرسة.

أدناه يحدّث الفتى محمد عميرة (15 عاماً) عن ما مرّ به بعد أن جاء الجنود إلى الكرْم - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

تمكّنت من الفرار لكنّني لم أبتعد كثيراً، ثمّ قرّرت العودة لكي لا أترك ابن عمّي وحده. عدت رافعاً يديّ لكي أسلّم نفسي. تقدّم نحوي ضابط وجنديّ. كان الضابط غاضباً يشتم ويصرخ بالعبريّة. لم أفهم ماذا كان يقول. ثبّت يديّ على جانبيّ وأخذ يصفعني مرّات ومرّات على وجهي ويشدّ أذنيّ وينطحني بخوذته، ثمّ ألقاني على الأرض.

جاء جنود ووقفوا حولي. لم أر مصطفى ولكنّني سمعته يصرخ ويستغيث. سألني الضابط من الشخص الثالث الذي كان معنا فقلت له إنّنا كنّا هناك نحن الاثنان فقط. استمرّ في طرح الأسئلة ولكنّني لم أعرف ماذا أجيبه. ذهب في اتّجاه مصطفى ثمّ عاد وأمرني أن أتحدّث في الهاتف مع شخص كان يدعوه "كابتن حمزة". هذا الشخص أيضاً سألني أين الشخص الثالث فقلت له إنّنا كنّا وحدنا هناك. بعد بعض الوقت جاء ضابط آخر، أظنّ أنّه عينه الذي تحدّث معي عبر الهاتف، وأخذ يستجوبني ويسأل ماذا كنّا نفعل وأين نُقيم ثمّ سأل عن الزجاجات فشرحت له ماذا فعلنا. كنت خائفاً جدّاً ومضطرباً.

ركعت على ركبتيّ وكان تحتي حجارة وحصىً تنغرز في ركبتيّ وتؤلمني. طلبت أن يسمحوا لي بالجلوس بشكل عاديّ لكنّ الجنود منعوني من ذلك. بعد لحظات معدودة رأيتهم يقتادون مصطفى. كانت يداه مكبّلتين إلى الخلف وبدت عليه علامات ضرب. رأيت خدوشاً في وجهه وبقعة حمراء وزرقاء حول عينه اليمنى. كان يبدو غير مهندم ومغبرًا وخائفًا. كان يرتجف خوفًا.

بعد ذلك كبّل جنديّ يديّ بقطعة قماش ثمّ اقتادوني أمامهم والجنود يدفعونني ويشتمونني طوال الطريق. مشينا على الأشواك وقطعنا سناسل ولكنّني لم أقع. مشينا قليلاً، وفي الطريق أمروني أن أتحدّث في الهاتف مع شخص عرّف نفسه باسم "كابتن وسام" وقد سألني هذا أيضاً عن شخص ثالث يُدعى يوسف، قال إنّه كان معنا.

مشينا مسافة أخرى قصيرة ثمّ أدخلوني إلى جيب وأمروني أن أخفض رأسي لكي لا أرى إلى أين يأخذونني. بعد سفر قصير توقّف الجيب فرأيت أنّنا داخل محطّة شرطة أو معسكر جيش في منطقة حاجز نعلين. فكّوا الرّباط عن يديّ وعصبوا عينيّ ثمّ أجلسوني على كرسي. بعد وقت قصير سمعت مصطفى يسعل فأدركت أنّه يجلس إلى جانبي. حين ناديته أمرني أحد الجنود أن أصمت. بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة طلبت ماءً لأشرب فجلبوا لي ماء. وحين طلبت أن أذهب إلى المرحاض أزالوا العصبة عن عينيّ وسمحوا لي بالذهاب.

نحو السّعة 20:00 أخذني أحد الجنود إلى غرفة التحقيق. جلست هناك مدّة تقارب عشر دقائق دون أن يتحدّث معي أحد ثمّ جاء جنديّ وأزال العصبة عن عينيّ. رأيت محقّقين اثنين رجُلًا وامرأة، وكان لكل منهما حاسوب. رفضت أن أجيب على أسئلتهما بدون وجود محامٍ. أنا أعلم أنّ من حقّي الامتناع عن الكلام إذا لم يكن هناك محامٍ يمثّلني أو أحد الوالدين. وافق المحقّق على الاتصال بأخي صافي (25 عاماً) لكي يذكر له اسم محامٍ، وحين تحدّث معه أبلغه أنّني معتقل، ويبدو أنّ صافي أبلغه عن اسم محامٍ. أردت أن أتحدّث مع أخي ولكنّ المحقّق رفض. بعد ذلك اتّصل المحقّق بالمحامي وناولني الهاتف لأكلّمه. قال لي المحامي أن لا أتحدّث عن أيّ شيء لم أفعله وأن لا أخاف وأن أجيب على أسئلة المحقّق. قال لي أيضاً إنّهم لن يضربوني في هذه المرحلة. سألته إذا كان يعتزم حضور جلسة المحكمة فقال إنّه سيأتي وإنّ الجلسة ستنعقد في يوم الغد.

استمرّ التحقيق نحو نصف السّاعة. سألني المحقّق ماذا كنّا نفعل هناك ومن كان معنا. بعد التحقيق أجلسوني على مقعد في الخارج وأدخلوا مصطفى وحقّقوا معه لمدّة قاربت نصف السّاعة أيضاً. بعد أن خرج مصطفى أدخلوني مرّة ثانية وطلبوا أن أوقّع على مستندات باللّغة العبريّة فرفضت لأنّني لا أفهم ما المكتوب هناك. بعد ذلك أخذوا بصمات أصابعي وعيّنات حمض نووي (DNA) ثمّ أعادوني إلى السّاحة إلى جانب مصطفى. لم أكن مكبلًا ولكن كانت عيناي معصوبتين. كان اللّيل قد حلّ ولم تكن في الخارج حركة سوى حركة الجيش والشرطة. وكان الطقس بارداً جدّاً وكنا مرهَقين وجائعين.

نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل أدخلونا إلى جيب وكبّلوا رجلينا وأخذونا إلى معسكر للجيش. لا أعرف أين يقع. هناك أدخلونا إلى غرفة مكيّفة وكانت باردة جدّاً جدّاً، كأنّنا داخل ثلّاجة. بعد ذلك جلبوا لنا فرشتين رطبتين، حتى أنّ ملابسنا تبلّلت لكثرة رطوبتها وصرنا نرتجف من البرد. لم نستطع أن نغفُ رغم التعب. في اللّيل دخل إلى الغرفة جنديّ وسألني أين يوسف وخرج بعد أن أجبته أنّني لا أعلم.

محمد عميرة حاملًا العصبة التي عصب بها الجنود عينيه. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 11.10.21
محمد عميرة حاملًا العصبة التي عصب بها الجنود عينيه. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 11.10.21

بقينا هكذا حتى السّاعة 8:00 صباحاً. حينذاك جاء جنديّ لكي يوقظنا. جلبوا لكلّ واحد منّا كأس ماء وأخذونا إلى المرحاض ثمّ أعادونا إلى الغرفة. بعد ذلك جلبوا لكلّ منّا بعض البسكويت الجافّ وبضع عيدان موالح. لم نرغب بها بتاتاً ولكنّنا أكلنا مضطرّين لكثرة ما كنّا جائعين. سألني أحد الجنود ما إذا كنت أحسّ بألم وهل أعاني من أمراض. قلت له إنّني أعاني من استسقاء الكليتين فناولني أوراقاً طلب أن أوّقع عليها وخرج بعد أن وقّعت. مرّ بعض الوقت ثمّ جاء جنديّ آخر ووجّه إليّ الأسئلة عينها وأيضاً جعلني أوقّع على شيء ما.

عند السّاعة 17:00 جاء شرطيّان وقالا لنا إنّهما سيأخذاننا إلى المستشفى ومن ثمّ إلى السّجن. أخذونا في مركبة شرطة وأعيننا معصوبة. في الطريق غفونا من شدّة التعب لذلك لم نعرف كم من الوقت مرّ وإلى أين أخذونا. حين توقّفت المركبة عصبوا أعيننا ووضعوا لنا كمّامات ففهمنا أنّنا قد وصلنا إلى مستشفىً - لا أعرف أيّ مستشفىً. هناك أجروا لنا فحوصات وحدّثتهم عن سيرتي الصحيّة.

بعد ذلك أخذونا إلى أحد الطوابق العُلويّة وهناك أجلسَنا عناصر الشرطة مع هاتف نقّال وقالوا إنّ علينا المشاركة في محادثة فيديو. عبر الشاشة رأينا محامينا ففهمنا أنّ هذه جلسة محكمة للنظر في ملفّنا في سجن "عوفر". كان محامينا يُترجم أقوال القاضية وكان حديث يجري بينه وبين القاضية حيث طلب أن يُخلوا سبيلنا لأنّنا قاصرين ولا يوجد لديهم ما يُديننا. قالت القاضية إنّها سوف تُخلي سبيلنا شرط أن نتعهّد بعدم القيام بأيّ فعلة تُعيدنا إلى السّجن.

بعد ذلك أجريت لنا فُحوصات مرّة أخرى وعند السّاعة 20:00 أخذونا إلى سجن "عوفر" وعيوننا معصوبة وهناك قالوا لنا إنّه قد تمّ الإفراج عنّا. لاحقاً علمت من أخي صافي أنّه أودع كفالة ماليّة بمبلغ 3,000 شيكل عن كلّ واحد منّا وانتظرنا هناك لأنّه ظنّ أنّه سيأخذنا إلى المنزل من السّجن نفسه. لكنّهم أخذونا من السّجن في سيّارة إلى مدخل قريتنا دون أن يُبلغوا أحداً بذلك. عندما نزلنا من السيّارة كان مصطفى لا يزال مكبّلاً. لم يرتّبوا أو ينسّقوا أيّ شيء مع أسرتي وأسرته. رآنا أحد سكّان القرية وأوصل كلّاً منّا إلى منزله.

عانيت من تعب شديد وأوجاع قويّة في الرأس والأذنين بسبب الضربات التي تلقّيتها والبرد والجوع والحرمان من النوم. لقد عشنا حالة توتّر نفسيّ فظيع طوال أكثر من 24 ساعة. في اليوم التالي تغيّبت عن المدرسة.

كلمات مفتاحية