Skip to main content
رامي عورتاني مع أطفاله (صورة قدّمتها العائلة مشكورة). وقد احتجزت إسرائيل جثمانه منذ ثلاث سنوات.
Menu
المواضيع

"لقد اختطفوا روحه. فليُعيدوا لي جثمانه على الأقلّ!"

وفقًا لمعطيات بتسيلم تحتجز إسرائيل اليوم على الأقلّ 50 جثمانًا لفلسطينيّين نفّذوا عمليّات أو زعمت سلطات الجيش أنّهم همّوا بتنفيذ عمليّات وترفض إعادتها لذويهم.

إنّ احتجاز جثامين فلسطينيّين لأجل استخدامهم كورقة مساومة في مفاوضات مستقبلية جزءٌ من سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنوات طويلة ولكنّها رسختها رسميًّا في كانون الثاني 2007 عبر قرار اتّخذه "الكابينت" (المجلس الوزاريّ المصغّر) تحت عنوان "سياسة موحّدة في شأن التعامل مع جثامين المخرّبين". تمّ تقديم التماس ضدّ القرار وقبلت المحكمة الالتماس بأغلبيّة آراء القضاة غير أنّها عادت وقلبت حكمها رأسًا على عقب في مناقشة إضافيّة حيث أصدرت هيئة قضاة موسّعة حكمًا يقول إنّ أنظمة الدّفاع في أوقات الطوارئ تخوّل الدّولة احتجاز جثامين وأسندت حكمها إلى تأويل غير معقول لأنظمة الطوارئ وتطرّق جزئيّ إلى أحكام القانون الدوليّ.

سياسة احتجاز الجثامين وكأنّها سلع للمقايضة وابتزاز حكومة حماس بواسطتها حقيرة ودنيئة ومصادقة محكمة العدل العليا على هذه السّياسة تشهد على حقيقة المحكمة أكثر ممّا تشهد على قانونيّة السياسة. تنديدًا بهذه السياسة الباطلة قال بروفسور مردخاي كريمنيتسر إنّه "يجب منع الاستخدام الإرهابيّ للأشخاص أو الجثامين بهدف الإرغام أو الابتزاز وفرض عقوبات على المتورّطين في ذلك".

إنّها سياسة تسبّب معاناة لا توصف لأسر المتوفّين المحتجزة جثامينهم. امتناع إمكانيّة دفن أحبّائهم المتوفّين تصعّب على هذه الأسر تقبّل وفاتهم والتعامُل مع فقدانهم كما أنّها تحرمهم من إقامة المراسيم اللّازمة بما يقتضيه الدّين والعادات.

أدناه تفصيل هذه المعاناة كما جاء في إفادات أفراد من ثلاث أسر تحتجز إسرائيل جثامين أبنائها:

تهاني صالح (34 عامًا) أرملة وأمّ لأربعة أطفال من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين في قطاع غزة، أدلت بإفادتها لباحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 26.10.19: :

قُتل زوجي عطّاف صالح في 9.9.18 شرق مخيّم جباليا ومنذ ذلك الحين يحتجز الجيش الإسرائيليّ جثمانه ويرفض إعادته إلينا. كان عطّاف زوجي الثاني. زوجي الأوّل استُشهد في عام 2008 وكان لدينا حينها ابنة تُدعى شروق وتبلغ اليوم الـ14 من عمرها وابن يُدعى عليّ ويبلغ اليوم الـ12 من عمره. بعد مضيّ خمسة أشهر على وفاته تزوّجت من سلفي عطّاف. لم يكن لديّ خيار آخر لأنّني لو رفضت لأخذت العائلة الأولاد منّي. لكنّ العلاقة مع عطّاف تحسّنت بالتدريج. لقد كان زوجًا طيّبًا وأبًا محبًّا لأولاده. في البداية رفضت شروق أن تخاطبه بالقول "أبي" لكنّها تقبّلته رويدًا رويدًا. أمّا عليّ فقد كان صغيرًا ولا يتذكّر والده لذلك كان تقبّل عطّاف أسهل عليه. كان عطّاف ذا قلب طيّب وكان دائمًا يحاول أن يفرحني. عندما كان يراني أبكي أو حزينة كان يحاول مساعدتي على نسيان ما حدث.

رُزقنا أنا وعطّاف بابن أسميناه قصيّ وابنة أسميناها نعيمة ولكنّه كان يحبّ أولادي أسوة بأولاده ويعامل الجميع معاملة متساوية. تحسّن الوضع كثيرًا وأخذت أحسّ أنّني أعيش معه حياة جديدة وأنّ الله عوّضني به ليملأ الفراغ الذي تركه مصلح.

لكنّ سعادتنا لم تدُم إذ استُشهد عطّاف أيضًا. حدث ذلك في يوم الأحد الموافق 9.9.18 حين كان في طريقه إلى منطقة مظاهرات العودة. تلك كانت المرّة الأولى والأخيرة التي يذهب فيها إلى هناك. قيل لنا إنّه أصيب قرب الشريط وإنّ الجيش أخذه ثمّ بعد ساعة واحدة أبلغونا بأنّه قُتل. حين سمعت ذلك أغمي عليّ وحين أفقت قلت للجميع إنّهم يكذبون وإنّه سيعود بعد قليل. كنت أبكي وأصرخ. في اليوم التالي تواصلت عائلة زوجي مع الصّليب الأحمر فأكّد لهم نبأ استشهاده.

منذ أن استُشهد عطّاف حالتي النفسيّة صعبة جدًّا خاصّة بعد أن أبلغونا أنّ الجيش الإسرائيلي يحتجز جثمانه وأنّه لا يعتزم إعادتها حاليًّا. أريد أن أحتضن جثمان زوجي وأن أودّعه أنا والأولاد نريد أن ندفنه في غزّة مثل كلّ الشهداء. إنّني أحترق من الدّاخل ما دام الحال مستمرًا هكذا. منذ أن قال لنا الصّليب الأحمر إنّ جثمانه موجود في ثلّاجة الموتى أفكّر فيه طيلة الوقت ويصعب عليّ النوم. ليتني أصل إلى تلك الثلّاجة وأفتحها وأعانق زوجي وألمس وجهه.

قصي يقول لي كلّ يوم إنّه يريد أن ندفن والده لكي يستطيع معانقته ومن ثمّ زيارة قبره. نعيمة ما زالت لا تدرك ما يحصل. هي تعتقد أنّ والدها لا يزال حيًّا وأنّه سوف يعود إلينا. عندما تغضب منّي تتوعّدني بأنّها سوف تشتكيني لوالدها.

أتلقّى الدّعم من جمعيّات تساعد الأرامل والأيتام وأتدبّر أموري نوعًا ما. أقيم في منزل أهل زوجي وهذا صعب جدًّا عليّ. حاولت العودة إلى أهلي ولكنّ أهل زوجي قالوا إنّني أستطيع أن آخذ معي فقط نعيمة الصغيرة ويظلّ بقيّة الأولاد عندهم. فعلت ذلك ولكنّني لم أتحمّل بقيت عند أهلي خمسة أشهر ثمّ عدت إلى منزلهم لكي أكون مع أولادي.

أتمنّى أن يعيدوا جثمان زوجي لكي أتمكّن من وداعه ودفنه ليهدأ قلبي قليلًا. حياتي بدون عطّاف مظلمة وحزينة. لقد كان البيت منوّرًا بوجوده والآن أفتقد ابتسامته وطيبة قلبه. الآن لا حبّ ولا حنان ولكنّني أصبّر نفسي وأتحمّل.

ريم أبو جزر (41 عامًا) متزوّجة وأمّ لسبعة أبناء من سكّان حيّ تل السّلطان في رفح في قطاع غزة، أدلت بإفادتها لباحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 8.10.19: 

استُشهد ابني يوسف في منطقة المظاهرات والخيام في 29.4.18 وكان في الـ16 من عمره. في ذلك اليوم أرسلته نحو السّاعة 11:00 صباحًا لكي يشتري حاجيّات للمنزل. انتظرت عودته ولكن غربت الشمس ويوسف لم يعد. أخذنا نبحث عنه. قال صديق له إنّه رآه يتوجّه نحو منطقة الحدود شرق رفح. هذه المرّة الأولى التي يذهب فيها إلى هناك. لقد كان ما يزال طفلًا وحين كان يخرج من المنزل لم يكن يبتعد كثيرًا. تحدّثنا أيضًا مع والدة صديقه أنيس الشاعر فقالت إنّهما ذهبا معًا إلى منطقة الحدود. قضيت تلك الليلة أصلّي وأبتهل أن يعود يوسف سالمًا.

في صباح اليوم التالي عاد أنيس إلى المنزل وقال إنّ الجيش احتجزه مع يوسف طوال اليوم وإنّه عائد الآن من حاجز إيرز. سألته أين يوسف فقال إنّ الجنود أبلغوه بأنّ يوسف مصاب وأنّهم سوف يهتمّون بعلاجه ثمّ يعود إلى غزة.

لاحقًا في اليوم نفسه اتّصلوا بنا من مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وأبلغونا أنّ يوسف قد استُشهد. عندما سمعت الخبر أخذت أصرخ وأبكي. كذلك زوجي بكى وأخذ يعزّيني ويهدّئ من روعي. قال لي "إنّا لله وإنّا إليه راجعون". أقمنا خيمة عزاء. كانت حالتي صعبة جدًّا وكنت أبكي طوال الوقت. منذ ذلك الحين مرّت سنة ونصف السّنة ولكنّ الجيش لم يُعد لنا جثمانه. لقد كان طفلًا فماذا يمكن أن يفعل لكي يستحقّ هذا العقاب.

أحسّ أحيانًا بأنّه حيّ يُرزَق رغم أنّ الصّليب الأحمر أبلغنا بأنّه استُشهد. أنا أدعو الله أن يعيد لي جثمان ابني لكي أستطيع أن أحتضنه وأقبّله. إنّني مشتاقة إليه كثيرًا وخاصّة لضحكته وابتسامته. لم تكن الابتسامة تفارق محيّاه وكان قلبه مليئًا بالحنان. لقد كان ابنًا بارًّا ينفّذ كلّ ما أطلبه منه. ما زلت أتخيّله يمشي هنا وهناك في المنزل وحتى ملابسه ما زلت أحتفظ بها. أقول لنفسي "هذه رائحة يوسف". فراق يوسف صعب للعائلة كلّها فالمنزل معتم بدونه. أخواته وإخوته يسألون طوال الوقت أين هو. أشعر بالوحدة في غيابه خاصّة وأنّه ابني البكر. 

لأجل ماذا يحتجزون جثمانه في ثلّاجة الموتى؟ كلّما سمعت أنّ إسرائيل تعيد جثامين شهداء لذويهم يفرح قلبي لأنّ هذا يبعث فيّ الأمل بأنّهم قريبًا سوف يسلّمون جثمان يوسف. كثيرًا ما أتساءل هل يشعر بالبرد داخل الثلّاجة. أتمنّى أن أفتح الثلّاجة على الأقلّ فألمس وجهه وأحتضنه وألقى عليه نظرة وداع أخيرة -هكذا مثلما كلّ أمّ شهيد تتمنّى أن تودّع ابنها. ليته كان له قبر أزوره وأضع عليه أكاليل الزّهور.

أنا الآن حامل في شهري الثالث. أريد أن يعيدوا جثمان يوسف إلينا قبل الولادة لكي أتمكّن من إطلاق اسم يوسف على المولود الجديد ويدوم اسم يوسف في بيتنا.

محمد عورتاني (69 عامًا) متزوّج وأب لستّة أبناء من سكّان نابلس، أدلى بإفادته لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 8.10.19: 

في 31.7.16 استُشهد ابني رامي. كان في الـ31 من عمره وكان متزوّجًا وأبًا لثلاثة أطفال. في ذلك اليوم كنت في رام الله مع ابني رداد. اتّصل رامي وأخبرني أنّ صديقي توفّي وأنّ جنازته ستكون في اليوم نفسه. عندما قلت له إنّني لن أتمكّن من الوصول في الوقت المناسب قال إنّه سيذهب بدلًا عنّي.

وصلت إلى المنزل نحو السّاعة الثالثة وفي اللحظة نفسها اتّصل قريب لي وطلب أن آتي إلى صالون الحلاقة خاصّة رامي. لم يقل ما السّبب كما أنّه طلب ذلك بطريقة بدت لي غريبة. في طريقي إلى هناك اتّصل بي ضابط من مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة وأخذ يسألني أسئلة كثيرة عن رامي وانتمائه السّياسي. تحدّث معي نصف ساعة تقريبًا وقد وصلت إلى صالون الحلاقة وهو لا يزال يتحدّث. أمام صالون الحلاقة شاهدت عددًا كبيرًا من الشبّانمن الأقارب والجيران وأصدقاء رامي. بدا لي الأمر مريبًا. سمعت أحدهم يقول إنّ رامي استُشهد فسألت الضابط - الذي كان لا يزال على الخطّ - "ماذا به رامي؟ ماذا حدث له؟" لم أسمع ما الذي قاله تمامًا لكنني فهمت بأن رامي قد مات.

لم أفهم كيف حدث ذلك. قال لي إنّه سيذهب إلى الجنازة. ما الذي حدث؟ لماذا قُتل؟ أين؟ أسئلة كثيرة كانت تتوارد في ذهني وأنا أحترق وكأنّ بركانًا يتفجّر في داخلي. ابني! فلذة كبدي! في تلك اللحظة انتهت حياتي. إنّه الابن الثاني الذي أفقده. لقد فقدت ابني البكر عليّ في عام 2000 عندما ذهب للسّباحة في الباذان وغرق هناك. في أعقاب ذلك مرضت زوجتي ومن ثمّ توفّيت في عام 2011. وفي عام 2016 رحل رامي فكانت هذه الضربة القاضية. الأمر الذي يُبقيني على قيد الحياة هم أولاد رامي فأنا مجبر على الوقوف بجانبهم إلى أن يكبروا. هذا أقلّ ما يمكن أن أفعله لأجله.

لاحقًا قيل لي إنّ رامي سافر في سيّارته الخاصّة إلى قرية حوّارة عن طريق حاجز حوّارة لكي يشتري قطع غيار للسيّارة وفي الحاجز أطلق الجنود النّار عليه. يزعم الجانب الإسرائيليّ أنّه حاول طعن جنديّ بسكّين ولكنّي أستبعد هذا جدًّا. لقد كان سعيدًا في حياته من جميع النواحي: كان له محلّ خاصّ به وكان يسكن في منزل مُلك وكانت له سيّارة. كانت له زوجة وأولاد من أجمل ما يكون يكرّس لهم حياته فلماذا يفعل شيئًا كهذا؟

عندما أكون لوحدي كثيرًا ما ينتابني شعور قويّ بأنّ رامي على قيد الحياة وإلّا فلماذا لم يشاهد أحد جثّته؟ حتّى اليوم هم يرفضون تسليم جثمانه لنا إذن قد يكون لا يزال على قيد الحياة. قيل لي إنّه شوهد جريحًا وملقًى على الأرض ولكنّ هذا لا يعني أنّه مات. ربّما هو لا يزال حيًّا ومحتجزًا في سجون إسرائيل؟ كلّ شيء ممكن.

ليتني أستطيع زيارة قبره والتحدّث إليه عن كلّ شيء. لو كان لرامي قبر لاستطعت أن آخذ أولاده إلى هناك فهم حتى اليوم لا يصدّقون أنّه ميت. ابنه الصّغير يقول "والدي ذهب ليشتري سيّارة جديدة وسوف يعود" وهذا أمر طبيعيّ لأنّهم لم يروه ميتًا. إنْ كنت وأنا الرّجل الكبير لا أستوعب هذا الأمر فكيف يستوعبه الأطفال الصّغار؟ عندما أقول لهم إنّ والدهم استُشهد يقولون لي: "هل رأيته؟" فأقول "لا" وعندها يقولون لي: "إذن كيف يمكنك أن تكون متأكّدًا إلى هذه الدّرجة؟". أردّ بأنّ الضابط الإسرائيليّ قال لي ذلك. وعندها يقولون: "إنّه يكذب. بابا لم يمت وهو سوف يعود إلينا".

يقولون إنّ من يتلو آيات من القرآن في المقبرة يوم الجمعة بعد صلاة العصر ثمّ يتحدّث إلى الميت فالميت يسمعه. ليت لرامي قبر فأتلو هناك آيات من القرآن لأجل روحه. هذا الأمر فيه راحة ليس لي فقط وإنّما أيضًا لنفس الميت.

لماذا يحتجزون جثمانه؟ إنّهم بذلك لا يعاقبون الشهيد وإنّما يعاقبون أسرته ومحبّيه الذين لا يريدون شيئًا سوى أن يلقوا عليه نظرة وداع. لقد مرّت ثلاث سنوات منذ أن استُشهد رامي. أتمنّى أن أراه وأشمّه. أريد أن أودّعه. أريد ملابسه وسيّارته التي لا تزال محتجزة لديهم وأريد كلّ ما يخصّه. أريده قريبًا منّي لكي أستطيع زيارته متى شئت. أنا لا أريد شيئًا سوى ابني رامي وهذا حقّي. كفى لهذا العذاب. لقد اختطفوا روحه فليُعيدوا لي جثمانه على الأقلّ.

كلمات مفتاحية