Skip to main content
فلسطينيون يتظاهرون في بيت لحم للمطالبة باسترداد الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل. تصوير: فاير أبو رميلة، آكتيفستيلز، 22.3.17
Menu
المواضيع

حتى هذا يحدث بموافقة المحكمة العليا: إسرائيل تحتجز جثامين فلسطينيّين لغرض التفاوض

وفقًا للمعطيات التي في حوزة بتسيلم تحتجز إسرائيل حاليًّا ما لا يقلّ من 52 جثمانًا لفلسطينيين نفّذوا عمليّات أو زعم الجيش أنّهم حاولوا تنفيذ عمليّات منذ أيلول 2015 وترفض إعادتهم إلى أسرهم، التي تعاني جرّاء ذلك آلامًا كبيرة إذ لا تستطيع دفن موتاها وإقامة الحداد عليهم كما تقتضي العادات.

إنّ استخدام احتجاز جثامين فلسطينيّين كورقة مساومة في أيّة مفاوضات مستقبلية جزءٌ من سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنوات طويلة غير أنّها سياسة ظلّت دائمًا غامضة. في فترات معيّنة بدا أنّ القرار في هذا الشأن يُتخذ بشكل فوريّ وبالنظر إلى كلّ حالة وحالة تبعًا للضّغط الذي يُمارس على الجهاز وكذا اعتبارات سياسيّة. في فترات أخرى كان رفض إعادة جثامين فلسطينيّين قاعدة بالنسبة لإسرائيل وأحيانًا أخرى اتّبعت الدولة إعادة الجثامين. منذ أن بدأت موجة العمليّات في تشرين الأوّل 2015 عادت إسرائيل إلى احتجاز جثامين فلسطينيّين نفّذوا عمليّات أو اشتُبه بأنّهم نفّذوها - بعضُها أعادته إلى الأسر بعد مضيّ أشهر عديدة.

الغموض يكتنف ليس السّياسة وحدها بل أيضًا العدد الدّقيق للجثامين التي احتجزتها إسرائيل منذ عام 1967 علمًا أنّها أعادت قسمًا منها. إنّها مئات وفقًا لتقديرات مختلفة. وهناك معلومات قُدّمت للمحكمة العليا في سياق التماسات ذات صلة تفيد أنّ إسرائيل أجرت بين الأعوام 1991 و 2008 صفقات سلّمت بموجبها 405 جثامين لقاء إعادة جثامين جنود.

في 1.1.17 صادق الكابينيت (المجلس الوزاريّ المصغّر) للمرّة الأولى على قرار عنوانه "سياسة موحّدة في شأن التعامل مع جثامين المخرّبين". جاء في القرار أنّه من حيث المبدأ "يتمّ إعادة جثامين المخرّبين بشروط تقييديّة تضعها الجهات الأمنيّة". وجاء أيضًا أنّ إسرائيل لا تعيد جثامين "مخرّبين يُنسبون إلى حماس" ولا "جثامين مخرّبين نفّذوا عمليات إرهابيّة استثنائيّة على نحوٍ خاصّ".

قُدّم إلى محكمة العدل العليا التماس رفعته ستّ أسّر نفّذ أبناؤها عمليّات أو اشتبه في أنّهم نفّذوها وترفض إسرائيل إعادة جثامينهم. ادّعت الدولة أنها تستمدّ سلطتها من البند 133 (3) لأنظمة الدّفاع في أوقات الطوارئ والتي تنصّ على ما يلي:

رغم كلّ ما هو وارد في أيّ قانون يُسمح للمسؤول العسكري أن يصدر أمرًا بدفن جثمان أيّ شخص في أيّ مكان يرتئيه. يجوز للمسؤول العسكري. كما يُسمح له بموجب الأمر نفسه أن يقرّر من يدفن ذلك الجثمان وفي أيّة ساعة يتمّ دفنه. الأمر المذكور بمثابة إجازة تامّة وكافية لدفن ذلك الجثمان وكلّ من يخالف الأمر أو يعيق تنفيذه يواجه تهمة مخالفة هذه التعليمات.

تمّ قبول الالتماس بأغلبية آراء القضاة - يورام دانتسيجر وجورج قرا - فيما خالفهما الرأي القاضي نيل هاندل. قرّر القاضي دانتسيجر أنّ البند 133(3) لأنظمة حماية الطوارئ لا يخوّل الدولة صلاحيّة احتجاز الجثامين لغرض التفاوض لكنّه مع ذلك لم يحكُم بأنّ على الدولة إعادة الجثامين إلى الأسر بل أمهلها ستّة أشهر لتسنّ خلالها قانونًا يخوّلها صلاحيّة احتجاز الجثامين وإذا لم يتمّ سنّ مثل هذا القانون حتى نهاية هذه الفترة يتعيّن على الدولة إعادة الجثامين إلى الأسَر.

وبدلًا من أن تسنّ الدولة قانونًا تقدمت بطلب مناقشة إضافية أمام فريق قضاة موسّع ادّعت خلالها أنّ القانون الحاليّ يمكّنها من احتجاز الجثامين. قُبلت حجج الدولة على هذا الادّعاء وتمّ بالتالي قلب الحُكم السّابق بأغلبية آراء القضاة حيث أقرّوا بأنّ القانون الحالي يخوّل الدولة صلاحيّة احتجاز الجثامين لغرض التفاوض.

القرار الأساسيّ في المناقشة الإضافية أعلاه كتبته رئيسة المحكمة العليا القاضية إستير حيوت وانضمّ إليها في كتابة التوصيات القضاة نيل هاندل ويتسحاق عميت ونوعام سولبرغ. أمّا آراء الأقليّة فقد كتبها القضاة عوزي فوجلمان وجورج قرا ودفنا باراك-إيرز.

قرار رئيسة المحكمة العليا القاضية إستير حيوت

منذ افتتاحية سرد قرار الحكم توضح الرئيسة حيوت أنّ احتجاز الجثامين "يتضمّن انتهاكًا معيّنًا لكرامة الميت وأسرته" ومن هنا فهو يقتضي وجود نصّ واضح في القانون يجيز ذلك: "لا ينبغي تأويل أيّ قانون بطريقة تجيز انتهاك حقوق أساسيّة إلّا إذا وردت إجازة ذلك في نصّ واضح وقطعيّ وصريح". هل يتضمّن البند 133 (3) نصًّا كهذا يجيز للمسؤول العسكري أن يأمر بدفن جثامين مخرّبين مؤقتًا ليُحتفظ بها لأغراض التفاوض؟ هذا هو السّؤال الذي تصدّت الرّئيسة للإجابة عليه. توافق الرئيسة على أنّ "نصّ البند لا يذكر الدفن المؤقت لغرض التفاوض" وأنّ "النصّ ليس قطعيًّا" ولذلك فإنّ التأويل الأوّل الذي خرج به القاضي دانتسيجر "ممكن من الناحية اللّغويّة". ولكنّها تضيف: "طالما أنّ لغة البند ليست قطعيّة بل تتيح تأويلات مختلفة يجب إذن فحص جوهر البند أي: القيم والغايات والسّياسة التي جاء ليحقّقها".

من هنا تنتقل الرّئيسة لإجراء فحص الجوهر الذّاتي للبند - أي مقاصد من صاغوه. تقرّر القاضية أنّ تعليمات الدّفاع التي سنّتها السّلطات البريطانيّة هي "تشريعات طوارئ أمنيّة - عسكريّة تشمل صلاحيّات تطبيق واسعة وأدوات متنوّعة، إداريّة وعقابيّة لأجل مكافحة الإرهاب بشتّى أنواعه". البند 133(3) نفسه قد طرأت عليه على مرّ السّنين عدّة تغييرات: في البداية تناول البند فقط "دفن الأسرى الذين جرى إعدامهم ولم يطالب أحد بجثامينهم" غير أنّه في الصّيغة الأخيرة للبند "تمّ توسيع الصلاحيّة المخوّلة للحاكم العسكريّ من ’’جثامين أسرى‘‘ إلى ’’جثمان أيّ إنسان‘‘. شُطب منه الإيعاز بدفن الميت في مقبرة جماعته ونُقلت صلاحيّة منع إعادة الجثمان من قادة المناطق إلى الحاكم العسكريّ". ترى الرّئيسة حيوت أنّ هذه التغييرات تدلّ على "توسيع الصلاحيّة المتعلّقة بالدّفن في التعليمات التي وُضعت بوضوح لغاية أمنيّة كما ذُكر" وعليه فالغاية من البند "توفير أداة مرنة في يد الحاكم العسكريّ في كلّ ما يخصّ معالجة مسائل دفن جثامين على خلفيّة أمنيّة".

بعد ذلك تنتقل الرّئيسة لإجراء فحص الغاية الموضوعيّة من التعليمات بما في ذلك التطرّق إلى الغايات والمبادئ الأساسيّة للنظام القضائي الإسرائيلي انطلاقًا من فرضيّة أنّ القانون "غايته إحقاق حقوق الإنسان وإقامة سلطة القانون وفصل السّلطات وتأمين العدل والأخلاق والدّفاع عن وجود الدولة وأمنها". تقول الرّئيسة إنّ الغاية الأساسيّة من هذا البند هي فقط "الحفاظ على أمن الدولة مع التركيز على مكافحة الإرهاب". ولكنّها توضّح - استنادًا إلى حُكم قضائيّ سابق كانت قد أصدرته - أنّ الإرهاب "لا يحترم عمليًّا أيًّا من قواعد اللّعب التي وضعها العالم القديم ضمن قوانين الحرب وهذا واقع يُلزم أيضًا رجال القانون وليس فقط قوّات الأمن بإعادة النظر بهدف التوصّل إلى صياغة محتلنة لهذه القوانين وملاءمتها للواقع الجديد". لذلك "حتى إذا كان المشرّع الانتدابيّ لم يتصوّر وضعًا يُحتجز فيه جثمان لغرض التفاوض مع منظمات الإرهاب يجب أن تُفحص الغاية الموضوعيّة من البند على ضوء واقع حياتنا الحاليّ والتحدّيات التي يطرحها هذا الواقع".

 

ثمّ تلخّص الرّئيسة الغاية من البند 133(3) على النحو التالي:

الغاية الموضوعيّة من تعليمات الدفاع هي تزويد قادة الدولة بأدوات فعّالة لمكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن الدّولة ومواطنيها. وحيث أنّ التزامنا بالسّعي الدّائم لاستعادة مواطني إسرائيل وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيليّ المحتجزين لدى منظّمات الإرهاب هو في صُلب الحفاظ على أمن الدّولة، فهي بالتالي في صُلب الغاية الموضوعيّة من البند 133(3). في اعتقادي أنّ البند 133(3) في بعض من غايته يخوّل الحاكم العسكريّ صلاحيّة التحفّظ على جثامين المخرّبين بما في ذلك دفنها مؤقتًا بغية الحفاظ على أمن الدولة أو الحفاظ على كرامة شهداء العدوّ الذين لا يمكن إعادتهم.

لأجل تعضيد استنتاجها هذا تنوّه الرّئيسة حيوت أنّه إلى حين صدور الحُكم القضائيّ تصرّفت الدولة من منطلق أنّ البند 133(3) يخوّلها صلاحيّة احتجاز الجثمان. صحيح أنّ المحكمة هي من يحسم ما التأويل الصّحيح للقانون إلّا أنّه "حدث غير مرّة أن صدر حكم قضائيّ ينوّه أنّ على القضاة حين يشتبه عليهم تأويلان لنصّ قانونيّ معيّن أن يحتسبوا في اجتهادهم ما ارتأته السّلطة العموميّة تأويلًا صحيحًا والأداء الذي اعتمدته في هذا السّياق". تستند الرّئيسة أيضًا إلى حقيقة أنّه لدى صياغة قانون مكافحة الإرهاب شُطب جزء من تعليمات الدّفاع بعد أن صيغت الصّلاحيّة في شأنها في القانون. ولكنّ البند 133(3) لم يُشطب وفي النقاش الذي جرى في الكنيست داخل لجنة الدستور والقانون والقضاء في 23.5.16 علّلت وزارة القضاء ذلك بالادّعاء أنّ هذا البند هو "أصل الصلاحيّات المتعلّقة بمسألة دفن جثامين المخرّبين وما إلى ذلك من ترتيبات".

تشير الرّئيسة حيوت إلى أنّ احتجاز الجثامين ينطوي حقًّا على انتهاك حقوق الإنسان لكنّه - في رأيها - انتهاك يكاد يكون هامشيًّا:

احتجاز جثامين المخرّبين على يد إسرائيل ينطوي على انتهاك لكرامة الميت وكرامة أسرته. ولكن في المسألة المطروحة أمامنا أعتقد أنّه لا يوجد انتهاك لصُلب حقّ الكرامة للموتى أو صُلب حق الكرامة للأسرة. يجب أن نذكر أن احتجاز الجثمان مؤقت. يتمّ دفنها [الجثامين] على نحوٍ محترم في تابوت معدنيّ وفي مقبرة ضمن اتّباع وسائل تعريف وراثيّة لأجل التعرّف على الموتى مستقبلًا. مثل هذه الظروف تخفّف من شدّة الانتهاك وحجمه.

أخيرًا تتّجه الرّئيسة لتفحص أحكام القانون الدوليّ وتستنتج أنّها تُجيز احتجاز الجثامين لغرض التفاوض مستندة في ذلك إلى أنّ هذه الأحكام لا تشمل حظرًا صريحًا. وحين تفحص البنود المتعلّقة بمعالجة مسألة الجثامين خلال النزاعات المسلّحة تقرّر أنّ أيًّا منها لا يشمل واجب إعادتها أو حظر احتجازها حيث أنّ البنود المذكورة تتناول فقط واجب التعامُل مع الجثامين بشكل لائق وواجب التأكّد من إمكانيّة التعرّف عليها بعد الحرب. وتوافق الرئيسة أنّه فيما يتعلّق باتّفاقيّة جنيف الأولى "حقًّا يفضّل وفقًا لتأويل الصّليب الأحمر أن تُعاد الجثامين إلى الأسَر ولكن الاستنتاج الذي يصل من المؤوّل الأعلى هو أنّه لا يوجد واجب كهذا في اتّفاقيّة جنيف الأولى". كذلك تلغي الرئيسة أيّة مقارنة بين السؤال المطروح أمامها وبين قرارات اتّخذتها لجنة حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة وفي المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان وتقرّر من ثمّ أنّ ملابسات هذه الحالات مختلفة تمامًا عن تلك المعروضة أمامها ولذلك فإنّها غير ذات صلة.

تعود الرّئيسة حيوت وتكرّر أقوالها بخصوص أنّ "الإرهاب لا يحترم عمليًّا أيًّا من قواعد اللّعبة التي وضعها العالم القديم ضمن قوانين الحرب" وعليه فإنّ رجال القانون أيضًا وليس فقط قوّات الأمن ملزَمون بـ "بإعادة النظر بهدف التوصّل إلى صياغة محدّثة لهذه القوانين وملاءمتها للواقع الجديد". بناءً على ذلك تلخّص: "طالم لم تلائم القوانين الدوليّة نفسها لهذا الواقع الجديد أعتقد أنّه ينبغي أن نؤوّل الأحكام القائمة بشكل ’ديناميكيّ يصغي لتحوّلات الزمن‘ كما أوصى صديقي القاضي ن. هندل".

بعض الإشكاليّات في قرار الرّئيسة حيوت

1. تأويل غير معقول للبند 133(3):

تسلك الرّئيسة حيوت طريق التأويل غير المعقول لكي تصل إلى استنتاج يجعل البند 133(3) لتعليمات الدّفاع في أوقات الطوارئ يسمح للدّولة باحتجاز جثامين كورقة مساومة، مخالفة في ذلك المبدأ الأساسيّ الواجب اتّباعه في أيّ تأويل ألا وهو اختيار التأويل الأقلّ مسًّا بحقوق الإنسان ومبادئ سلطة القانون.

وهكذا تستعرض الرّئيسة حيوت تاريخ تشريع البند وتدّعي أنّها تستند إليه في بحثها عن الغاية الذاتيّة للبند ولكنّها تتجاهل عمليًّا هذا التاريخ وتتشبّث بظاهر النصّ النهائيّ للبند لكي تستنبط أنّه يوفّر للحاكم العسكريّ "أداة مرنة" يعالج من خلالها مسألة الجثامين. هذا رغم أنّ تاريخ تشريع البند يدلّ بالذّات على أنّه تناول كيفيّة التعامُل مع جثامين الأسرى الذين جرى إعدامهم في الحالات التي نشأت فيها صعوبة تقنيّة أي موضوعيّة تعيق إعادة الجثمان إلى الأسرة - والمقصود صعوبة واجهتها السلطات وجاء البند ليحلّها.

كذلك جاء منقوصًا تعاطيها مع الغاية الموضوعيّة للبند. توضح الرّئيسة في بداية أقوالها أنّ الغاية الموضوعيّة تشمل "المبادئ الأساسيّة للنظام القضائيّ" بما فيها احترام حقوق الإنسان وإقامة سلطة القانون. لكنّها تنسى هذه المبادئ فورًا بعد ذلك وتذكر فقط أنّ غاية تعليمات الدّفاع والقيم التي في صُلبها "تخصّ أوّلًا وقبل كلّ شيء اعتبارات أمن الدولة والنظام العامّ". وإذ جعلت من هذه غاية شاملة للتعليمات كلّها أخذت تُسقط منها على البند 133(3) لكي تستنبط: "أنّ التزامنا بالسّعي الدّائم لاستعادة مواطني إسرائيل وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيليّ المحتجزين لدى منظّمات الإرهاب هو في صُلب الحفاظ على أمن الدّولة". هنا أصبحت الطريق قصيرة نحو القول أنّ الغاية الموضوعيّة من البند 133(3) هي "أن يخوّل الحاكم العسكريّ صلاحيّة احتجاز جثامين المخرّبين - بما يشمل دفنها مؤقّتًا - لأجل الحفاظ على أمن الدولة أو الحفاظ على كرامة شهداء العدوّ الذين تعذّرت إعادتهم".

لا شكّ في أنّ على الدولة السّعي بلا كلل لاستعادة المواطنين وجثامين الجنود وأنّ هذا هدف ضروريّ. كذلك لا شكّ في أنّ المعاناة المستمرّة التي تمر بها أسر المواطنين والجنود من الصّعب تحمّلها وأنّ من واجب الدولة العمل الفوريّ على إنهائها بمنتهى الالتزام والحساسيّة للظرف الإنسانيّ الدّقيق والمركّب في مثل هذه الأوضاع الموجعة، وأيضًا من منطلق التزام الدولة تجاه مواطنيها وجنودها عمومًا. ولكنّ المسافة من هنا إلى القول بأنّ هذه مسألة أمنيّة بل مسألة "في صُلب الحفاظ على أمن الدولة" مسافة بعيدة.

لقد امتنعت الدولة بشكل خاص في طلبها إجراء مناقشة إضافيّة عن وضع الحجّة الأمنيّة في المركز واكتفت بالادّعاء أنّ احتجاز الجثامين من شأنه أن يساعد في "ترسيم تفاصيل التسوية التي ستتمّ أي تحسين شروط صفقة عينيّة في نهاية المفاوضات وتقليل ما تنطوي عليه من مخاطر أمنية".

كذلك يجب رفض ادّعاء الرّئيسة حيوت حيث قالت إنّ اعتماد الدولة إلى يومنا هذا على البند 133(3) لدى احتجاز الجثامين وعدم إلغاء البند في إطار التغييرات التي أدخلت أثناء صياغة قانون مكافحة الإرهاب يدلّان على أنّ الصّلاحيّة ممنوحة بحُكم القانون. هذا الادّعاء يُفرغ وظيفة المحكمة من مضمونها ويتيح للدولة التصرّف خلافًا للقانون دون أن يعيقها عائق ذلك أنّ المعنى الذي يُفهم من ادّعائها هو التالي: يكفي أن تدّعي الدولة أنّها تتصرّف وفقًا للقانون وأنّها هكذا تصرّفت منذ الأزل لكي نضفي الشرعيّة على أيّ من ممارساتها. قبول المحكمة لهذا الادّعاء يُلغي الحاجة إلى قرارها ذاته من حيث أنّ السؤال المركزيّ فيه كان: هل البند 133(3) يخوّل الدولة حقًّا صلاحيّة احتجاز الجثامين كورقة مساومة.

تقرّر الرئيسة في الحكم القضائيّ أنّ من صاغوا التعليمات ربّما لم يفكّروا في حينه بإمكانيّة احتجاز الجثامين لأجل التفاوض "ولكن يجب أن تُفحص الغاية الموضوعيّة من البند على ضوء واقع حياتنا الحاليّ والتحدّيات التي يطرحها هذا الواقع". إذن يمكن في رأي الرئيسة اختيار تأويل "خلّاق" يخوّل الدولة الصّلاحيات التي تريدها ولكنّها بذلك تتجاهل قولها نفسها في البداية: أنّ أيّ مسّ بحقوق الإنسان يقتضي موافقة صريحة في نصّ القانون.

2. تجاهُل أحكام القانون الدوليّ

خلافًا لمرونتها - لئلّا نقُل اجتهادها النشط - في تأويل تعليمات الدّفاع اتّبعت الرّئيسة مع القانون الدوليّ نهجًا محافظًا بكلّ وضوح واكتفت بالنصّ الحرفيّ دون أيّ التفات إلى "تاريخ التشريع" و"الغاية الموضوعيّة" و"مقصد المشرّع". تقول الرّئيسة هنا إنّ السّؤال المطروح ليس هل القانون الدوليّ يخوّل المسؤول العسكريّ صلاحيّة احتجاز الجثامين لأجل التفاوض - وهو السّؤال الذي طرحته بنفسها عندما تناولت تعليمات الدّفاع - وإنّما هل يحظر القانون الدوليّ ذلك صراحة. في غياب حظر صريح كهذا ورغم قولها إنّ في القانون الدولي تفضيل واضح لإعادة الجثامين لا ترى الرّئيسة حيوت أيّ مانع من احتجازها. إنّها لا تكلّف نفسها عناء التّوضيح لماذا اتّبعت في التأويل نهجين معاكسين تقريبًا واحد لتأويل تعليمات الدّفاع وآخر لتأويل القانون الدوليّ.

علاوة على ذلك تركّز الرّئيسة على بعض البنود المفردة التي تعالج موضوع الجثامين نفسها لكنّها تتجاهل البنود العينيّة التي تحظر احتجاز الجثامين كأوراق تفاوُض أو مساومة - وهي بنود أشار إليها مقدّمو الالتماس في التماسهم الأوّل وفي ردّهم على طلب الدولة إجراء مناقشة إضافيّة وهي أيضًا بنود فصّلتها الرّئيسة بنفسها في بداية نصّ القرار عندما عرضت ادّعاءات الطرفين.

البند 34 من اتّفاقيّة جنيف الرّابعة يحظر احتجاز الرّهائن ومن هذا ينتج أنّه يحظر أيضًا استخدام الجثامين لغرض المساومة. إضافة إلى ذلك يحظر البند 33 من اتّفاقيّة جنيف الرّابعة والبند 50 من اتّفاقيّة لاهاي العقاب الجماعيّ. يستند الحظر في الحالات المذكورة إلى مبادئ أخلاقيّة عميقة ولهذا فهي من المحظورات النادرة في القانون الدوليّ التي لا تقبل الاستثناء.

وأيضًا تتجاهل الرّئيسة حيوت أحكامًا في القانون الدوليّ تقيّد اجتهاد وتقديرات الحاكم العسكريّ في المنطقة المحتلّة وتُلزمه بالعمل من أجل السكّان المحليّين ورعاية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم إلّا إذا اقتضت ذلك احتياجات عسكريّة مباشرة للدولة المحتلّة داخل المنطقة المحتلّة نفسها. بذلك تتجاهل الرّئيسة المبادئ التي أقرّتها المحكمة العليا نفسها - في أحد القرارات الأكثر اقتباسًا وضع رئيس المحكمة العليا سابقًا القاضي أهرون براك حدود اجتهاد وتقديرات الحاكم العسكريّ كما يلي:

اجتهاد الحاكم العسكريّ هو في تأمين المصالح الأمنيّة في المنطقة من جهة وتأمين مصالح السكّان المدنيّين في المنطقة من جهة ثانية. هذا كذاك كلاهما موضوعُه المنطقة. لا يُسمح للمسؤول العسكريّ أن يجتهد في شأن المصالح القوميّة أو الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة لدولته ما لم تكن لها تداعيات على مصلحته الأمنيّة في المنطقة أو على مصالح السكّان المحليّين. حتى احتياجات الجيش هي احتياجاته هو العسكريّة لا احتياجات الأمن القوميّ بمعناه الواسع.

لجوء الرّئيسة حيوت إلى تطبيق مناهج مختلفة في التأويل وتجاهُلها لبعض من الأحكام ذات الصّلة أمران قد يفسّرهما توجّهها العامّ نحو القانون الدوليّ إذ ترى أنّ أحكامه لا تعكس الواقع الذي تضطرّ إسرائيل لمواجهته ممّا يُنشئ الحاجة إلى "إعادة النظر" والتأويل "الديناميكيّ". إنّه توجّه يعفي الدولة من التزام أحكام القانون الدوليّ ويفتح الباب أمام انتهاكات جدّية وجارفة لحقوق الإنسان من ضمنها احتجاز الجثامين كورقة مساومة.

3. احتجاز الجثامين يتأتّى منه انتهاك جدّي لحقوق الميت وأسرته

للأسر الحقّ في دفن أعزّائها الذين فارقوا الحياة وإقامة الحداد عليهم وفق ما تتطلّبه عاداتهم ودينهم وزيارة قبورهم. سلب هذا الحقّ يذيقهم ألمًا لا يمكن تحمّله. الرّئيسة حيوت تتفهّم صعوبة هذا الألم بكثير من الحساسيّة عندما يتعلّق الأمر بأسر الجنود الذين تحتجز حماس جثامينهم - وهو تفهّم إنسانيّ وفي محلّه - لكنّها تبذل جهدًا تعسّفيًّا لتقزيمه عندما يتعلّق الأمر بالأسر الفلسطينيّة. هذا رغم أنّه في الأغلبية السّاحقة من الحالات لم يحدث أن ادّعى أحد أنّ هذه الأسر كانت متورّطة في الأحداث أو أنّها مسؤولة عنها بأيّ شكل من الأشكال.

إضافة إلى تجاهُل ألم أسر دون غيرها فإنّ ادّعاء الرّئيسة أنّ الدولة تحافظ على الجثامين وعلى حُرمة الميت وكرامته من حيث أنّها تهتمّ بتسهيل التعرّف على الجثامين مستقبلًا هو ادّعاء يتناقض مع أداء الدولة في الواقع. هذا أمرٌ تعلمه هي جيّدًا حيث تنظر محكمة العدل العليا نفسها منذ سنوات في التماسات قدّمتها أطراف عدّة من بينها مركز القدس للمساعدة القانونية "JALC" ومركز الدّفاع عن الفرد "هموكيد" باسم عشرات الأسر بعد أن رفضت إسرائيل إعادة جثامين أعزائها. في إحدى المداولات عرّف القاضي دانتسيجر طريقة تعامل الدولة في مسألة الجثامين بأنّها "في أحسن الأحوال ليست جيّدة".

ثمّ أنّ الدولة اعترفت في إطار هذه المداولات أمام المحكمة بأنّها لم تتمكّن من العثور على الجثامين أو أنّها لم تتمكّن من التعرّف إلى الجثامين التي عثرت عليها. ادّعت الدّولة في هذا السّياق أنّ الأمر يتطلّب توظيف موارد كثيرة وأبلغت عن لقاء عُقد في نيابة الدولة "لبحث طريقة لائقة لتركيز وإدارة عمليّة العثور على الجثامين والتعرّف عليها وأيّ الهيئات الحكوميّة ينبغي أن تتولّى ذلك". لقد تعهّدت الدولة أن تُطلع المحكمة على ما يستجدّ في هذا الموضوع ولكنّها منذ ذلك الحين قدّمت طلبات تأجيل متكرّرة وقُبلت طلباتها. في الردّ على طلب التأجيل الأخير أمهلت المحكمة الدولة حتى كانون الأوّل 2019.

4. الأهمّ: ليس غياب الصلاحيّة وإنّما اللّامعقوليّة المتطرّفة

في بداية أقوالها توضح الرّئيسة حيوت أنّ السؤال الأهمّ الذي عليها معالجته هو: هل البند 133(3) يخوّل الدولة صلاحيّة احتجاز الجثامين كورقة مساومة. ثمّ تستنتج أنّه كذلك حقًّا ولذلك تحكُم أنّ القرار الذي اتّخذه الكابينيت (المجلس الوزاري المصغّر) قانونيّ. في المناقشة الإضافيّة ركّز قضاة الأقليّة هم أيضًا على سؤال الصلاحيّة وهذا أيضًا ما فعله القاضي دانتسيجر في المناقشة الأولى لكنّه استنتج أنّ القانون القائم لا يمنح هذه الصلاحيّة وعليه فقد أمهل الدولة نصف سنة لكي تسنّ قانونًا يمنحها هذه الصّلاحيّة.

القاضي عميت الذي انضمّ إلى موقف الرئيسة في المناقشة الإضافيّة أوضح موقفه عندما حدّد أنّ "المسألة هي مسألة صلاحيّة فقط لا مسألة اجتهاد وتقدير وهذا الإطار لا يستدعينا لفحص معقوليّة السّياسة المتّبعة في موضوع إعادة جثامين المخرّبين". صحيح أنّه ليس من وظيفة المحكمة فحص ما إذا كانت سياسة معيّنة لائقة أو مرغوبة وإنّما فقط ما إذا كانت قانونيّة. غير أنّ مسألة قانونيّة السياسة لا تقتصر على وجود صلاحيّة صريحة في ظاهر نصّ القانون وإلّا لأمكن للكنيست أن تسنّ قانونًا ينصّ مثلًا على أنّ الفلسطينيّين ذوي الشعر الأحمر لا يحقّ لهم الحصول على تصاريح دخول إلى إسرائيل أو أنّ المواطنين الإسرائيليّين الذين وُلدوا في دول الاتّحاد الأوروبيّ لا يحقّ لهم فتح حساب بنكيّ.

حقًّا من الممكن إيجاد نصّ قانونيّ يشرّع أيّ غبن يمكن أن يتصوّره العقل ولكنّ وجود هذه الصلاحيّة الشكليّة في القانون ليس سوى العتبة الأولى التي يجب تجاوزها في عمليّة فحص قانونيّة ممارسات السّلطات المختلفة. مسألة قانونيّة سياسة ما تستدعي أيضًا فحص امتثالها لقواعد القانون الإداريّ وضمن ذلك على المحكمة أن تفحص هل صدر القرار لأجل غاية لائقة وهل يقع في إطار المعقوليّة وهل يستوفي شروط التناسبيّة وغير ذلك. غير ذلك تصبح وظيفة المحكمة تقنيّة لا أكثر وخالية من أيّ مضمون أو جوهر.

تميّز هذه المبادئ بعضًا من الأحكام القضائيّة الصادرة عن المحكمة العليا. لذلك أصلًا ولأسباب أخرى تعلو في الكنيست أصوات تطالب بتحجيم المحكمة العليا. ولكن في الحالة التي نحن في صددها اختار القضاة أن يتجاهلوا هذه المبادئ وتشبّثوا بقواعد تقنيّة على نحوٍ يكاد يكون حرْفيًّا لكي يضفوا شرعيّة قانونيّة لسياسة مخالفة للقانون والأخلاق وحتّى أصول اللّياقة.

 

مرّة أخرى أكّدت محكمة العدل العليا أنّها ذراع للاحتلال لا أكثر

على مرّ السّنين شرعنت المحكمة العليا تقريبًا كلّ انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة مستندة في ذلك إلى تأويلات قضائيّة باطلة تفرغ مبادئ القانون الدوليّ من أيّ مضمون علمًا أنّه وُضع ليوفّر الحماية - ولو بالحدّ الأدنى - للسكّان الواقعين تحت الاحتلال.

ضمن ذلك أقرّت المحكمة العليا هدم المنازل كوسيلة عقابيّة والاعتقالات المديدة دون محاكمة وفرض الحصار المستديم على قطاع غزّة وحبس نحو مليوني شخص داخل القطاع وترحيل تجمّعات سكّانيّة بأكملها عن منازلها وأخيرًا وليس آخرًا أقرّت بناء جدار الفصل على أراضٍ فلسطينيّة.

ليس قرار المحكمة هذا سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة. مرّة أخرى أكّدت المحكمة استعدادها لإضفاء شرعيّة قانونيّة على أيّ غبن أو ظلم إذا كان يستهدف السكّان الفلسطينيّين وينتهك حقوق الإنسان. في هذه المرّة اختارت الرّئيسة حيوت تأويلًا ملتويًا لتعليمات الدّفاع وتعاملًا أقرب إلى السطحيّ مع أحكام القانون الدوليّ - حقًّا لقد نوّهت مشدّدة على الحاجة إلى تأويل ديناميكيّ وخلّاق في مواجهة الواقع الصّعب.

لا يسنّ قضاة المحكمة العليا القوانين ولا هُم يضعون السياسات ولا ينفّذونها ولكن من واجبهم أن يحكموا ما إذا كانت السياسة المطروحة أمامهم قانونيّة أم لا وكذلك من واجبهم منع تنفيذها إذا كانت تخالف أحكام القانون الدوليّ والإسرائيليّ وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطينيّ في المناطق المحتلّة.

عوضًا عن ذلك يختار القضاة مرّة تلو الأخرى أن يتجاهلوا السّياق الأوسع الذي تُرتكَب في إطاره هذه الانتهاكات ونعني بذلك نظام الحكم العسكريّ الصّارم الذي ينوء تحته الفلسطينيّون الواقعون تحت الاحتلال منذ أكثر من خمسين عامًا مجرّدين من أيّة حقوق سياسيّة أو مشاركة في القرارات التي تمسّ صُلب حياتهم. هذه الظروف بالذّات تستدعي التشدّد في حمايتهم ولكنّ المحكمة العليا تسخّر صلاحيّة الطعن والنقض القضائيّ الممنوحة لها لأجل تعزيز سلطة الدولة تحديدًا حتى عندما تُفرض هذه السّلطة بوسائل وحشيّة. بذلك فإنّ القضاة يخلّون ليس فقط بواجبات وظيفتهم بل يقومون بدور مركزيّ في شرعنة نظام الاحتلال بمجمله بحيث تُضفى على انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها بحُكم وجوده شرعيّة قانونيّة من الهيئة القضائيّة الأعلى في البلاد.

كلمات مفتاحية