Skip to main content
منذر مزهر بعد عدّة أيّام على الهجوم. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 25.2.19
Menu
المواضيع

جنديّ ينهال باللّكمات على وجه شخص كفيف ويعاني مرض السكّري ومرضًا في الكلى ولم يتوقّف حتى عندما ضرّج وجهه بالدّماء

أحد الجنود انقضّ على والدي وظلّ يضربه على وجهه حتّى أسال دمه. كنت في صدمة شديدة وتملّكني غضب شديد. لم أستطع أن أفهم لماذا يفعل ذلك. ألا يعرف أنّ والدي كفيف ومريض؟ ماذا فعل والدي ليستحقّ كلّ هذا؟ تراودني كثير من الأسئلة التي لم أجد لها جوابًا بعد. إنّه كابوس لن أنساه أبدًا رغم أنّ تذكّر ما حدث يؤلمني كثيرًا.

مقطع من إفادة الابن مازن مزهر (15 عامًا)

في 20.2.19 قرب الساعة 4:30 فجرًا اقتحم نحو خمسة جنود منزل عائلة حلاوة في مدينة الدوحة الواقعة غربيّ بيت لحم بغرض البحث عن فادي حلاوة (21 عامًا) الذي كان غائبًا لوجوده في مكان عمله. عندما لم يعثر عليه الجنود أمروا والده أن يتّصل به لكي يسلّم نفسه. في هذه الأثناء قرّر عدد من الجنود الدّخول إلى منزل عائلة مزهر أيضًا وهم أصحاب البناية ويقيمون في الطّابق الأرضيّ. فعل الجنود ذلك رغم أنّ نزار حلاوة أوضح لهم أنّ والد الأسرة مريض جدًّا. في هذه الأثناء جاء فادي حلاوة وسلّم نفسه للجنود فاقتاده قسم منهم وغادروا المكان.

اقتحم الجنود منزل منذر مزهر (46 عامًا) وزوجته إيمان (44 عامًا) وأبنائهما الأربعة: كبيرهم في الـ17 من عمره، والثلاثة الآخرون توائم في الـ15 من عمرهم. كان الجميع نائمين في ذلك الوقت. الزوجة إيمان تعاني من مرض السرطان والزوج منذر مزهر وهو فنّي مختبر متقاعد ويعاني من مرض السكّري تفاقم حتى بتر أصابع قدميه، ومرض في الكلى يُلزمه بإجراء غسيل للكلى "دياليزا" ثلاث مرّات في الأسبوع كما أنّه فقد بصره قبل 15 عامًا ويحتاج إلى مساعدة دائمة في قضاء أموره داخل المنزل. دخل الجنود إلى غرفة نومهما حيث انقضّ أحدهم على منذر مزهر وظلّ يلكُم وجهه طيلة دقائق والدّماء تسيل من وجهه متجاهلًا إيمان وهي تصرخ أنّ زوجها مريض وكفيف البصر. كذلك دخل الجنود إلى غرفة الأبناء الأربعة وأمروهم بالخروج إلى صالون المنزل.

ساعدت إيمان زوجها في الانتقال إلى الصّالون حيث أُحضر أبنائهما الأربعة تقريبًا في نفس الوقت. أمر الجنود الأبناء أن يرفعوا أيديهم خلف رؤوسهم ووجّه أحد الجنود سلاحه نحوهم. مكث الجنود عدّة دقائق ورفضوا خلال ذلك أن يوضّحوا للأسرة سبب اقتحام المنزل، ثمّ غادروا.

بعد مغادرة الجنود أقلّ أحد الجيران منذر مزهر إلى مستشفى الحسين في بيت جالا حيث تبيّن أنّه يعاني من كسور في الفكّ وفي يده اليسرى إضافة إلى رضوض وكدمات وجروح في وجهه وانتفاخ في رجله اليمنى.

هكذا وبكلّ بساطة يقتحم جنود مسلّحون منزل شخص مريض يُشبعونه ضربًا ويهدّدون جميع أفراد الأسرة دون تقديم أي تفسير لأفعالهم ثمّ يغادرون مثلما جاءوا. كلّ هذا رغم معرفتهم المسبقة أنّ "المطلوب" الذي يبحثون عنه ليس هناك بل يعلمون أنّه في طريقه إليهم لتسليم نفسه.

اقتحامات الجنود الليليّة لمنازل الفلسطينيّين وإفزاعهم من نومهم أصبحت منذ زمن طويل جزءًا من الأداء الرّوتينيّ لنظام الاحتلال في الضفة الغربيّة. يقوم الجنود بهذه الاقتحامات - بما تشمله أحيانًا من تفتيش للمنزل أو اعتقالات وأحيانًا لا غاية منها سوى ترهيب أفراد الأسرة - دون أن يستدعي ذلك إبراز أمر تفتيش أو حتّى توضيح الأسباب أيًّا كانت. من الواضح أنّ الغاية من هذه الممارسات ترهيب السكّان وعليه لا يمكن تبريرها بتاتًا. إنّها مثال آخر يضاف إلى أمثلة كثيرة تُظهر كيف يستخدم الجيش قوّته على نحوٍ تعسّفي.

أدناه إفادات أدلى بها أفراد من الأسرة أمام الباحث الميدانيّ لبتسيلم موسى أبو هشهش:

منذر مزهر أدلى بإفادته في 25.2.19 محدّثًا عن لحظات الحدث الأولى:

كنت نائمًا بجانب زوجتي في غرفة نومنا واستيقظت مرعوبًا عندما أحسست أحدهم يقبض على وجهي بقوّة ثمّ ينهال عليه بلكمات قويّة على الوجه. اعتقدت في البداية أنّني لا زلت نائمًا وأنّني أرى كابوسًا في نومي ولكنّني من شدّة الألم أدركت أنّ الأمر ليس كذلك. اعتقدت أنّ من يهاجمونني لصوص. أخذت أصرخ "لصوص، لصوص" لكي أوقظ زوجتي وأبنائي. سمعت زوجتي تصرخ وتبكي. كانت تقول لهم: دعوه إنّه مريض إنّه كفيف ولا يقدر على التحرّك. الشخص الذي هاجمني واصل يوجّه إليّ الضربات. حاولت رفع يديّ لكي أحمي وجهي ولكنّني لم أستطع ذلك.

فقط بعد لكمي طيلة دقائق طويلة سمعت الشخص الذي ضربني يقول باللّغة العربيّة "نحن جيش الدّفاع الإسرائيلي". توقّف عن الضرب قليلًا ثمّ عاد ولكمني في وجهي طيلة نصف دقيقة تقريبًا وعندها توقّف. كنت أحسّ بالدّم يسيل على وجهي.

Thumbnail
منذر وإيمان مزهر في منزلهما. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 25.2.19

إيمان مزهر أدلت بإفادتها في 25.2.19 واصفة ما جرى لها ولأفراد أسرتها في ذلك الصّباح:

أنا أعاني من مرض السّرطان. أنا وزوجي نقضي أوقات طويلة في المستشفيات وخاصّة زوجي. وحتّى في المنزل يقضي معظم وقته في الفراش ولكي يتحرّك داخل المنزل أو خارجه يحتاج مساعدتي ومساعدة أبنائنا الأربعة. ورغم مرضي وحالة زوجي نحن قادرون على التعايش مع الوضع ومتفائلون. الأبناء يتعلّمون في المرحلة الثانويّة وهم أقوياء ويساعدوننا كثيرًا.

في يوم الأربعاء، 20.2.19 نحو الساعة 5:00 صباحًا استيقظت من نومي على صراخ زوجي وهو يقول "لصوص، لصوص!". قفزت من فراشي وكنت بالبيجاما ورأسي مكشوف. كانت الغرفة معتمة ولم أر سوى أشعّة ليزر ملوّنة تتحرّك داخل الغرفة. بعد أن اعتادت عيناي الظلمة تمكّنت من رؤية خمسة أو ستّة جنود أحدهم يمسك بزوجي ويضربه في وجهه. لم أصدّق عينيّ.

كان زوجي يصرخ ويسأل: "من أنتم؟ ماذا تريدون منّي؟"، وكان يقول لهم أنّه لا يستطيع رؤيتهم. صرخت أنا أيضًا على الجنديّ الذي كان يضربه وطلبت منه أن يتوقّف. قلت له إنّ زوجي كفيف ولا يستطيع التحرّك. اقتربت من الجندي وحاولت إبعاده عن زوجي لكنّه دفعني وواصل ضربه فيما الجنود الأربعة الآخرين يقفون جانبًا. لم يفعلوا شيئًا. كنت أبكي وأصرخ ولم أعرف ماذا أفعل. طوال الوقت كنت أسألهم "ماذا تريدون منّا ومن شخص كفيف ومريض؟". بعد مرور بضعة دقائق من الضرب المتواصل قال الجندي "نحن من جيش الدّفاع الإسرائيلي". توقّف عن ضرب زوجي لبضعة ثوانٍ ثمّ عاد إلى ضرب زوجي الذي كان وجهه ينزف وعندها توقّف. طلب منّي زوجي أن أخرجه من الغرفة وسألني ماذا حدث للأولاد.

أخرجته من الغرفة وكان خائفًا جدًّا من سوء قد حصل للأولاد. جلس على الكنبة بمساعدتي وكان من حولنا خمسة أو ستّة جنود جميعهم ملثّمون سوى واحد. سألتهم "ألستم نادمين على مهاجمة إنسان في مثل هذا الوضع؟". لم أفهم ما الذي جال في خاطرهم في تلك اللحظات. كان أبناؤنا الأربعة في الصّالون أمروهم أن يرفعوا أيديهم فوق رؤوسهم وأن يبقوا دون حراك بعد أن أمروا ثلاثة منهم أن يجلسوا وواحدًا أن يظلّ واقفًا وكان أحد الجنود يوجّه سلاحه نحوهم. بعد عدّة دقائق غادر الجنود وتركوا زوجي ينزف. أخذت أنا وأبنائي في تهدئة زوجي. مسحنا الدماء عن وجهه. كان وجهه متورّمًا وكذلك عيناه. تمالكت نفسي لكي لا أبكي أمامه. لماذا يهاجمونه وهم يرون أنّه عاجز؟ أنا أتساءل طوال الوقت لماذا حصل لنا ذلك. ألا يكفينا ما نعانيه من أمراض لكي يأتي الجنود ويعتدوا عليه بلا سبب؟ أنا لا أعرف حتى الآن لماذا هاجم الجندي زوجي المريض وهو نائم. حقًّا لا أفهم.

مازن مزهر البالغ من العمر 15 عامًا أدلى بإفادته في 27.2.19 محدّثًا عن الهجوم على والده:

استيقظت من نومي مذعورًا حين فتحوا باب غرفتي أنا وأشقّائي حيث ننام نحن الأربعة في أسرّة ذات طابقين. كانت الغرفة معتمة ولم أتبيّن من الذي فتح الباب ولكن كان في الغرفة عدد من الأشخاص وهذا زاد من خوفي. عندما حاولت النهوض اقترب منّي أحدهم ودفعني فسقطت من السرير العلويّ وارتطم رأسي بالسجّادة في أرضيّة الغرفة. خمّنت أنّهم جنود.

أمرنا الجنود بالذهاب إلى غرفة الصالون. قمت بصعوبة واتّجهت إلى هناك ومن خلفي أشقّائي الثلاثة. كانت غرفة الصّالون مضاءة وقد رأيت هناك خمسة جنود أو ستّة. كانت والدتي تقف إلى جانب والدي الذي جلس على كرسيّ وكان الدم ينزف من وجهه. أحسست بالخوف ولم أفهم ما الذي يحدث. أمر أحد الجنود أشقائي بالجلوس وأمرني أن أظلّ واقفًا وأن نرفع جميعنا أيدينا فوق رؤوسنا وألّا نتحرّك من مكاننا. وقفت لمدّة بضع دقائق ثمّ تهاويت ووقعت على الكنبة - يبدو أنّ ذلك حدث بسبب الضربة التي تلقّيتها عندما سقطت عن السرير. لاحقًا قال لي إخوتي أنّه قد أغمي عليّ لبضعة لحظات.

كانت والدتي تحاول مسح الدم عن وجه والدي. لا، لم يقدّم له الجنود أيّ علاج. أنا اعتقدت أنّ والدي وقع على وجهه ولم يخطر في ذهني أنّه الجنود هم الذين ضربوه.

لاحقًا فهمت أنّ أحد الجنود انقضّ على والدي وظلّ يضربه على وجهه حتّى أسال دمه. كنت في صدمة شديدة وتملّكني غضب شديد. لم أستطع أن أفهم لماذا يفعل ذلك. ألا يعرف أنّ والدي كفيف ومريض؟ ماذا فعل والدي ليستحقّ كلّ هذا؟ تراودني كثير من الأسئلة التي لم أجد لها جوابًا بعد. إنّه كابوس لن أنساه أبدًا رغم أنّ تذكّر ما حدث يؤلمني كثيرًا

كلمات مفتاحية