Skip to main content
منظر عامّ للحيّ الشرقي في قرية عوريف. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم.
Menu
المواضيع

ليس عنف المستوطنين وحدهم: داهمت قوّات الجيش قرية عوريف على مدار ثلاث ليال

قرية عوريف الواقعة جنوب غرب نابلس تعاني منذ سنوات من هجمات المستوطنين المتكرّرة برعاية الجيش وغالبا بمشاركة نشطة من الجنود. هذه الهجمات تنغّص عيش السكّان وتحكم عليهم بالحياة في خوف ورعب دائمين كما وتمنعهم من إدارة حياتهم على نحو عاديّ ومعقول.

وكأنّ هذا لم يكن كافيًا - قبل نحو شهر قام حوالي 25 جنديًّا بمداهمة القرية على مدار ثلاث ليالٍ متتالية. دخلوا 14 منزلًا وحبسوا السكّان في إحدى الغرف وفتشوا بقيّة الغرف. قام الجنود بترويع السكّان خاصّة الأطفال. في إحدى الحالات أجبرت إحدى المجندات ثلاث نساء على خلع ملابسهن تحت تهديد السلاح ومع وجود كلب مفترس بجانبها.

غادر الجنود وبقينا نحن مع تساؤلاتنا. لم نفهم ماذا يريدون منّا. في البداية اعتقدنا أنهم أتوا لاعتقال زوجي إذ قاموا بتقييد يديه. لكن في النهاية لم يأخذوه معهم انما كانوا يحتجزونه خارج المنزل. لذلك أتساءل لماذا اقتحموا منزلنا بهذه الطريقة؟

من شهادة نور كعبي

مداهمة الجنود منازلَ الفلسطينيين في منتصف اللّيل وإيقاظ سكّان المنزل بما في ذلك الأطفال والرضع قد أصبح منذ فترة طويلة جزءاً من الروتين الذي ينتجه نظام الاحتلال في الضفة الغربية. هذه المداهمات التي غالباً ما تتضمن عمليات تفتيش عنيفة داخل المنزل والاعتقالات، تتمّ دون أن يُظهر الجنود أوامر تفتيش أو يقدّموا أيّ تفسير لعمليّات التفتيش - التي يقومون بها متى شاءوا وأينما شاءوا. هذه الأعمال التي من الواضح أنها تهدف إلى ترهيب السكّان وتخويفهم لا مبرّر لها وتشكل مثالاً آخر - واحدًا من أمثلة عديدة - على استخدام الجيش قوّته بشكل تعسّفيّ.

فيما يلي وصف لحالات وأجزاء من شهادات أدلى بها السكّان أمام سلمى الدّبعي الباحثة الميدانيّة لبتسيلم:

Thumbnail
الفوضى العارمة التي خلّفها الجنود وراءهم في منزل عائلة العامر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة، 20.10.18

اقتحام منازل عائلة العامر يوم الجمعة 19.10.18:

وقعت المداهمة الأولى يوم الجمعة، 19.10.18، حيث داهمت القرية قوّة من حوالي 25 جنديًّا داهموا ستّة منازل. اقتحم حوالي سبعة من الجنود مبنى مؤلّفًا من طابقين يقع في وسط القرية وكان ذلك عند السّاعة 1:20 بعد منتصف اللّيل. يشمل المبنى منزلين: منزل في الطابق الأرضي، يسكنه عادل العامر (37 عامًا) وزوجته فاطمة (30 عامًا) مع أولادهما الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و 11 سنة. ومنزل في الطابق الأول يسكنه والدا عادل، عزيزة العامر (45 عامًا) وعبد الحافظ العامر (65 عامًا). استجوب الجنود عادل العامر وقاموا بحبس بقيّة أفراد الأسرة في غرفة المعيشة في منزل الوالدين كما أجروا تفتيشًا في المنزلين. بعد نحو السّاعة غادر الجنود المنزل مخلّفين وراءهم الفوضى والخراب.

عادل العامر سكرتير المجلس المحلّي ومتطوع في مشروع بتسيلم "الردّ بالتصوير"، استيقظ عندما سمع أصواتًا عالية وصراخًا من المنزل المجاور حيث يسكن ابن عمّه مراد الصفدي. عندما سمع الجنود ينادون باسمه أيقظ عادل زوجته واتّصل بوالديه ليحذّرهما بأنّ الجنود على وشك اقتحام المنزل.

Thumbnail
الفوضى العارمة التي خلّفها الجنود وراءهم في منزل عائلة العامر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة، 20.10.18

في افادته التي أدلى بها في تاريخ 21.10.18، وصف عادل اقتحام مبنى العائلة:

Thumbnail
عادل العامر. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم، 21.10.18

بعد خمس دقائق رأيت الجنود يقتربون من منزلنا. ركضت لكي أفتح لهم الباب لأنني لم أكن أريدهم أن يطرقوا الباب ويخيفوا الأطفال. في الوقت نفسه جاء إلينا أخي عاطف (31 سنة) وهو طبيب ويسكن في جواري. كان قد سمع الجنود يصرخون وأتى لأنه قلق على أبي.

أشار الجنديّ إليّ وأخي عاطف، الذي كان قد جاء عندما سمع الصّيحات أن ندخل إلى منزل والدينا في الطابق العلوي. سأل عن اسمي وعندما قلت له "عادل" طلب بطاقة هويّتي وقال: "أريد الجميع هنا". نزلت إلى منزلي وأخبرت زوجتي وأطفالي أن يأتوا معي إلى بيت والدي. حاولت أن أكون هادئًا لكي لا يصاب الأطفال بالهلع أو الخوف.

بعد أن ذهبنا إلى منزل والديّ، أمر أحد الجنود والدي وأخي عاطف وزوجتي وأولادي بالبقاء في غرفة المعيشة. أخذني جنديّان إلى الخارج وأجلساني على الدرج. بعد نحو 15 دقيقة أدخلني أحد الجنود إلى منزلي. عندما دخلت رأيت الجنود في غرفة نومنا وكانوا قد قاموا بإفراغ الخزائن من محتوياتها وقلبوا المنزل كلّه رأسًا على عقب.

نظر الجنود في ألبوم صور وأزعجتهم صورة من عام 1994، أظهر فيها حاملًا سلاحًا يعود لأحد أقاربي من أحد مخيمات اللّاجئين في أريحا. سألني الجندي بعصبيّة عن السّلاح فأخبرته أنّه ملك أحد أقاربي، وهو شرطيّ.

بعد ذلك اقتادني الجنود مجدّدًا إلى الدّرج الذي أجلسوني عليه سابقًا، وبعد عشر دقائق أخذني جنديّان إلى منزلي مرّة أخرى. وضع الجنديّان كاميرتي على الطاولة وكاميرا الفيديو التي تلقّيتها من بتسيلم. نظر أحد الجنديّين إلى الصور الموجودة في الكاميرا وبدأ يسألني عن صور كنت قد التقطتها في زيارة عائليّة. سألني "من هذا الرجل الذي في الصورة؟" قلت له أنّه جهاد الصفدي، زوج شقيقتي. عند ذلك أمرني الجنديّ أن أهاتفه. أجبته: "لقد أخذت هاتفي، أرجِعْه إليّ كي أتمكن من الاتصال به". أحضر الجندي الهاتف وفتح تطبيق خرائط جوجل وأمرني أن أشير إلى منزل زوج شقيقتي على الخريطة. ثم أعادني إلى الدرج.

بعد نصف ساعة تقريبًا غادر الجنود المبنى. عدت مع زوجتي وأولادي إلى المنزل فوجدنا أنهم قلبوه رأسًا على عقب. لم يترك الجنود شيئًا في مكانه. لقد ألقوا كلّ شيء على الأرض حتى ملابس الأطفال وألعابهم. وقد قاموا بتحطيم الألعاب التي على شكل أسلحة ودبّابات.

وتروي فاطمة العامر في افادتها في تاريخ 07.11.18 ما يلي:

فتح زوجي الباب للجنود لئلّا يفجّروه كعادتهم. في هذه الأثناء كنت مع الأطفال وكانوا خائفين حيث قمنا بإيقاظهم في منتصف اللّيل واعتقدوا أن الجنود أتوا من أجل اعتقال والدهم. حاولت أن أهدّئ من روعهم قدر استطاعتي. أقنعتهم أنّ الجنود جاءوا ليقوموا بعملية روتينيّة، وأن لا شيء سيحدث لهم أو لوالدهم.

أمر الجنود عادل بالذهاب إلى منزل والديه ثم العودة إلى منزلنا والعودة إلى منزل والديه برفقتنا، أنا والأطفال. عندما دخلنا المنزل، أمرنا الجنود بالجلوس في غرفة المعيشة مع الأطفال، وأمروا عادل بالعودة إلى منزلنا والبقاء هناك. جلسنا في غرفة المعيشة مع والديْ عادل وأخيه عاطف. وقف جنديّ واحد في المدخل وتفرّق بقيّة الجنود في الغرف وبدأوا بالتفتيش. كنت خائفة طوال الوقت من أنهم سيعتقلون عادل الذي ظلّ تحت مع الجنود.

كانت حماتي، عزيزة، تعاني من صعوبة في التنفس حيث أنها تعاني السكّري وارتفاع ضغط الدم. طلبتُ من أحد الجنود أن يفتح باب الشرفة لكنّه رفض. فقط في وقت لاحق سمح لنا بفتح نافذة. بعد فترة قصيرة، احتاج ابني سيف الدين البالغ من العمر 4 سنوات الدّخول إلى المرحاض. نهضتُ لكي أرافقه لكن الجنديّ بدأ بالصّراخ علينا. أخبرته أن الصبيّ يحتاج الذهاب إلى المرحاض. في نهاية الأمر وافق، شرط أن يرافقنا، وبقي معنا حتى خرجنا من المرحاض وعدنا إلى غرفة المعيشة.

لم نكن نعرف ما الذي كان يفعله الجنود كلّ هذا الوقت. وقد غادروا المنزل عند السّاعة الثانية والنصف بعد منتصف اللّيل ثم وصل عادل. شكرت الله على أنّه لم يتمّ اعتقاله. ثم ذهبنا إلى الغرف الأخرى في منزل والديه ووجدنا أنّ الجنود قد قلبوا كلّ شيء رأسًا على عقب مخلّفين حالة فوضى مريعة. عندما نزلت إلى منزلنا اكتشفت أنّ الجنود فعلوا الشيء نفسه معنا. لم يتركوا شيئًا في مكانه. محتويات الخزائن وألعاب الأطفال وكتبهم وكلّ شيء كان مبعثرًا. حتى أنّهم حطّموا بعض ألعاب الأطفال ومزّقوا الكتب المدرسية الخاصة بابنتي جميلة. انهمكت في ترتيب كلّ شيء في المنزل، وقد استغرقني ذلك كلّ ذلك اليوم واليوم الذي تلاه.

اقتحام منازل عائلة شحادة - يوم الجمعة 19.10.18:

في تلك اللّيلة وفي حوالي السّاعة 1:45 بعد منتصف اللّيل، اقتحم ثلاثة جنود وجندية يرافقهم كلب كبير بيت عائلة شحادة. المبنى عبارة عن طابقين ويقع في الجانب الشرقي من القرية. في الطابق الأوّل يسكن كمال شحادة (32 عامًا) وزوجته إيمان (25 عامًا) وبناتهما الأربعة، اللّواتي تتراوح أعمارهنّ بين عامين وثمانية أعوام. في الطابق الثاني، يسكن والدا كمال - فرحان شحادة (57 عامًا) وزوجته خولة (51 عامًا) وابنهما محمود (23 عامًا) وزوجته بلسم (21 عامًا). أولادهما الأربعة الآخرون انتقلوا للسّكن في منازل أخرى بعد زواجهم.

نزلت الأمّ خولة إلى الطابق الأول لتكون مع إيمان زوجة ابنها التي كانت بمفردها مع بناتها الأربع. سأل الجنود خولة وإيمان عن كمال الذي كان في ذلك الوقت في مكان عمله. ثم صعد اثنان من الجنود إلى الطابق الثاني وأمرا بقيّة أفراد الأسرة بالنزول إلى الطابق الأوّل حيث ظلّوا جميعا محتجّزين في غرفة المعيشة. قام أحد الجنود بتفتيش جسد فرحان ومحمود وأخذت الجندية النساء كلًّا على انفراد إلى إحدى الغرف وبرفقتها كلب هجوميّ خاص بالجيش حيث أمرت النساء بخلع ملابسهنّ تحت تهديد السّلاح. قام الجنديّان الآخران بتفتيش المنزلين باستثناء الغرفة التي كانت فيها ابنتا إيمان وكمال نائمتين بعد ساعتين غادر الجنود المنزل.

في إفادة أدلت بها يوم 21.10.18، وصفت خولة شحادة اقتحام منزلها:

أمرتني الجنديّة وبرفقتها الكلب أن أنهض وأرافقها. أخذتني إلى غرفة نوم ابني كمال وزوجته وأغلقت الباب. سألتها "ماذا تريدين؟" أجابت: "اخلعي ملابسك". رفضت وخلعت غطاء الرأس فقط. سألتني الجندية: "ماذا لديك في صدرك؟"، قلت لها أموال ومصاغ ذهبيّ" وأخرجتهم من صدري لكي ترى بنفسها. لكنّها ظلّت تصرّ أن خلع ملابسي.

قمت برفع الثوب فأمرتني الجندية بخلعه تمامًا، وهي توجّه سلاحها نحوي. لقد أهانني كثيرًا أنّ جنديّة عمرها أقلّ من عشرين عامًا تنكّل بي وتذلّني بهذه الطريقة. أخذت أشعر بدُوار - لأنّني أعاني من مرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم. رفعت ثوبي إلى أكثر حدّ ممكن. كنت البس بنطالًا تحت الثوب فأشارت لي الجندية أن أخلعه أيضًا. عندها غضبت وسألتها بعصبيّة: "ما الذي يمكنني إخفاءه هنا!"

بعد أن غادرتُ الغرفة أشارت الجندية إلى كنّتي إيمان أن تدخل. طلبتُ مرافقتها لكنّ الجندية رفضت. ثم نادت على بلسم كنّتي الأخرى.

استمر اقتحام الجنود لمنزلنا حتى السّاعة 3:45 فجرًا. لقد عاثوا في المنزل فسادًا وقلبوا كلّ شيء. في وقت لاحق علمنا أنّ الجيش اقتحم في تلك اللّيلة منازل أخرى في القرية.

إيمان شحادة أدلت بإفادتها في 26.10.18، متحدّثة هي أيضًا عن اقتحام منزلها:

دخلت حماتي خولة منزلنا من خلال الدّرج الداخلي. سأل أحد الجنود: "لمن هذا المنزل؟" أجابته حماتي: "كمال شحادة". سأل الجندي عن زوجي كمال، فردّت حماتي أنه غير موجود في المنزل لأنه يبيت في مكان عمله. سأل "من الموجودون في المبنى؟" أجابت حماتي: "زوجي وابني وزوجته في الطابق العلوي". طلب الجندي أن ينزلوا وأرسل جنديين لإحضارهم من الطابق الثاني. أنا تجمّدت في مكاني ولم أتحرّك. عندما سمعت الجنود يسألون عن مكان زوجي قلقت عليه.

جلسنا جميعًا في غرفة المعيشة وقام بعض الجنود بتفتيش بقيّة الغرف. نظرت إلى بلسم سلفتي، وكان من الواضح أنّها بحالة من الرّعب. كان وجهها شاحبًا جدًّا. هي حامل في الأشهر الاخيرة وهذا زاد من قلقي عليها. رأيتها تنهض وتمشي نحو الحمّام مع زوجها الذي كان يمسك بيدها، لكنّ أحد الجنود صاح وأمرهما بالجلوس. أوضح زوجها للجندي أنّها حامل وأنّ سوف تتقيّأ. واصلت بلسم طريقها إلى الحمّام لكنّ الجندي منع زوجها من مرافقتها. عندما عادت بلسم من الحمّام جلست في مكانها. لكنّها شعرت مرّة ثانية بالحاجة إلى التقيّؤ فمنعها الجندي من الذهاب إلى الحمّام. ذهب إلى الحمّام وأحضر بنفسه دلوًا لكي تتقيّأ فيه.

ثم أرادت بلسم ليمونة بسبب ألم في معدتها ولكن الجندي منعها من الذهاب إلى المطبخ لجلبه. بحث هو بنفسه في المطبخ ويبدو أنّه لم يعثر على مكان الليمون - لأنّه جاء وطلب منّي النهوض وإحضاره. أخذت ليمونة فسألني الجندي بالاشارة إذا كنت بحاجة إلى سكّين لتقشير اللّيمونة. فأشرت له برأسي أنّي لا أحتاج سكّينًا. خشيت أنّ الجنديّ سيطلق عليّ النّار بمجرّد أن أمسك بسكّين في يدي ثمّ سيدّعي أنّني حاولت طعنه. هرعتُ خارجة من المطبخ وقمت بتقشير اللّيمونة بيديّ رغم الصعوبة لأنّها كانت قاسية.

أشارت لي الجندية أن آتي معها. عندما دخلنا الغرفة أمرتني بخلع ملابسي. خلعتُ ملابس الصّلاة وبقيت بقميص نوم رقيق. أمرتني الجندية بخلع قميص النوم أيضًا. ألصقته بجسدي وقلت للجندية: "لا يوجد شيء! ماذا أخلع؟ انظري كم هو رقيق!" فرفعت الجندية سلاحها وصوّبته نحوي وأخذ الكلب يدور حولها كما لو أنّه على استعداد لافتراسي. لم يكن لديّ أيّ خيار آخر سوى أن أرفع قميص النوم. رفعته فأمرتني الجنديّة أن أرفعه أكثر إلى ما فوق صدري. فعلت ما أمرتني به. شعرت بإحراج كبير. لقد كان الموقف مهينًا جدًا بالنسبة لي فأجهشت بالبكاء. جنديّة غريبة تقتحم منزلي في منتصف اللّيل وتبعثر كلّ محتوياته وتجبرني على خلع ملابسي والوقوف عارية أمامها. إنّه أمرٌ صعبٌ جدًّا! ما زالت مشاعر الإهانة تجتاحني كلّما تذكّرت الموقف.

عندما غادروا لم نصدّق أنّ هذا الكابوس قد انتهى. تنفّسنا الصعداء على الرّغم من أنّهم قلبوا المنزل وبعثروا كلّ شيء، بالإضافة إلى منزل أهل زوجي. جاء الجيران والأقارب للإطمئنان علينا وظلّوا حتى ساعات الفجر الأولى. ثمّ ساعدت حماتي في ترتيب منزلها وفي الصباح توجّهت إلى منزلي لمساعدة بناتي في الاستعداد للمدرسة. فقط بعد أن ذهبت البنات إلى المدرسة تفرّغت لترتيب منزلنا.

Thumbnail
منزل عائلة صفدي. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم، 8.11.18

اقتحام منازل عائلة الصفدي - يوم السبت 20.10.18:

في يوم السبت الموافق 20.10.18، دهمت قوّة مؤلّفة من حوالي 25 جنديًّا القرية واقتحمت أربعة منازل. تقريبًا عند السّاعة الثانية بعد منتصف اللّيل دخل أكثر من عشرة جنود منزل أسماء صفدي الواقع وسط القرية - وهي أرملة تبلغ من العمر 52 عامًا وأمّ لسبعة أولاد. أمسك الجنود ابنها بلال البالغ من العمر 19 عامًا والذي يسكن عندها، هزّوه بقوّة وطلبوا منه أن يخبرهم أين يوجد إخوته. ثمّ حطم الجنود باب المنزل المجاور حيث يسكن شقيقه أحمد الصفدي (25 عامًا) وزوجته وردة (23 عامًا) الذين كانوا غائبين عن المنزل في ذلك الوقت. قام الجنود بتفتيش المنزل بشكل همجيّ وغادروا بعد مضيّ ساعة تقريبًا.

أسماء صفدي أدلت بافادتها في 8.11.18 واصفة أحداث اقتحام منزلها:

Thumbnail
أسماء صفدي. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم، 8.11.18

استيقظت على صوت طرقات عنيفة على باب المنزل. نهضت بسرعة لأنني كنت قلقة على ابني بلال الذي يعيش معي. ذهب بلال لفتح الباب وبمجرد فتحه اندفع إلى داخل المنزل أكثر من عشرة جنود. أمسك أحدهم بلال من قميصه وقام مع الجنود الآخرين بهزّه بقوّة وهم يصرخون عليه ويسألونه عن إخوته. كان الجنود يتحدّثون العبرية ولكنني سمعت الأسماء وهكذا عرفت أنهم يسألون عن أولادي الآخرين.

أجاب بلال بأنّ إخوته لا يعيشون في هذا المنزل لأنّ جميعهم متزوّجين وانتقل كلّ منهم إلى منزل خاصّ به. كان بلال يتحدّث إليهم حينًا باللغة العبرية وحينًا باللغة العربية. قام الجنود بتفتيش جسد بلال دفعوه إلى الحائط وأمروه بفتح ساقيه. بعد ذلك طلبوا منه إحضار بطاقة هويّته. كما وأمرني أحد الجنود بإحضار بطاقة هويّتي. كنت متوتّرة ولذلك نسيت أين وضعتها. طلب منهم بلال التحلّي بالصبر والانتظار حتى أجدها. في نهاية الأمر وجدتُها وأعطيتها للجندي.

بعد ذلك أخذنا الجنود إلى غرفة المعيشة وأمرونا بالجلوس على الكنبات. بعضهم قام بتفتيش الغرف وبعثروا محتوياتها. قلت لهم: "ماذا تفعلون؟ أنا امرأة عجوز ومريضة ولا أستطيع ترتيب كلّ هذه الفوضى. أنتم تدمّرون المنزل، لماذا تفعلون هذا؟!" أمرني أحدهم باللغة العربية بالسّكوت وواصلوا هم تخريب محتويات المنزل وكنت أنا أشعر بالتوتّر أكثر وأكثر.

أنا امرأة مريضة، أعاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم. أحسست جسمي كلّه يرتجف. بدأ عرقي يتصبّب، ولم أستطع الوقوف من شدّة الإرهاق. يبدو أنّني توترت عندما اجتاحوا المنزل ونتيجة ذلك ارتفع مستوى السكّر في دمي. هذا ما يحدث لي عندما أتوتّر. لاحظ ابني صحّتي ليست على ما يُرام فقال للجنود: "أمّي امرأة مريضة، توقفوا عن بعثرة محتويات المنزل". سألني أحد الجنود وهو يتحدّث اللغة العربية، "ما بك؟" أخبرته أنّني أشعر بالإرهاق، فذهب وتحدّث مع الجنود الآخرين، ثم غادر معظمهم وظلّ فقط اثنان منهم ليحرساننا، وطوال هذا الوقت كان يوجّهون أسلحتهم نحونا.

قبل مغادرة الجنود بقليل، أمرني الجندي الذي تحدّث العربية أن آتي معه إلى المنزل المجاور لمنزلي وهو منزل ابني أحمد وزوجته وردة اللّذان كانا غائبين عن المنزل. فتّش الجنود منزلهما أيضًا. لديّ مفتاح المنزل ولكنّ الجنود لم يسألوا عن مفتاح. خلعوا الباب ودخلوا. لو سألوني عن مفتاح كنت سأفتح لهم. عندما دخلت رأيت أنّ الجنود قد بعثروا محتويات المنزل وقلبوه رأسًا على عقب. طلب منّي الجندي أن أتفقّد المنزل لكي أتأكّد أنّه لم ينقص شيء. أوّل شيء فعلته أنّني فحصت مجوهرات كنّتي فوجدتها كما هي في الصندوق لم ينقص منها شيء. أخبرت الجندي أنه لا يوجد شيء مفقود وأخذت الصندوق معي لأحتفظ به إلى حين عودة كنّتي من منزل والديها.

بعد حوالي ساعة غادر الجنود منزلنا وذهب بلال إلى غرفته. أمّا أنا فعدت إلى فراشي لأنني كنت منهكة. في الصباح اتصلت ببناتي الثلاث وطلبت منهنّ المجيء لمساعدتي في ترتيب المنزل. استغرق الأمر منهنّ وقتًا طويلاً لترتيب الفوضى. قام الجنود بكسر كرسيّ بلاستيكيّ في المطبخ وعدد من الصّحون. كذلك كسروا جارورين في خزانة المطبخ. اتصلت بشخص لكي يأتي ويصلح الأضرار. علمت فيما بعد أن الجنود اقتحموا المزيد من منازل القرية في تلك اللّيلة.

اقتحام منازل عائلة الكعبي - يوم الأحد 21.10.18:

في يوم الأحد الموافق 21.10.18 أيضًا داهمت قوّة بنفس العدد القرية ومرّة أخرى اقتحم الجنود أربعة منازل. قرب السّاعة الثالثة بعد منتصف اللّيل دخل حوالي عشرة جنود إلى مبنى مؤلّف من طابقين ومنزلين يقع في الجانب الشرقي من القرية واقتحموا المنزلين. في الطابق الأرضي يسكن مصطفى الكعبي (28 عامًا) وزوجته نور (26 عامًا) مع أطفالهما الثلاثة المتراوحة أعمارهم بين سنة ونصف وستّ سنوات. في الطابق العلويّ يسكن والدا مصطفى وهم حمدان الكعبي (65 عامًا) وزوجته ربيحة (54 عامًا) وابنهما معتزّ (27 عامًا) وزوجته آية (23 عامًا) وطفلاهما: أحدهما يبلغ السنة من عمره والثاني ثلاثة أعوام. قام الجنود بحبس العائلة في غرفة المعيشة في منزل الوالدين وقاموا بتفتيش المنزلين ونبش محتوياتهما. غادر الجنود بعد حوالي الساعة.

آية الكعبي أدلت بإفادتها في 13.11.18 حيث وصفت ما جرى حين اقتحام منزلها:

Thumbnail
صالون منزل عائلة الكعبي في أعقاب الاقتحام. صورة قدّمتها العائلة مشكورة، 20.10.18

قرب السّاعة الثالثة فجرًا أيقظني زوجي وقال لي أنّ هناك جنودًا بالقرب من المنزل. من شدّة الخوف قفزت من السرير ثمّ قمت بتغيير ملابسي وخرجت في اتجاه غرفة المعيشة مع ابنتي سديل (3 سنوات). رأيت والدي زوجي- حمدان وربيحة وكانا قد استيقظا أيضًا على أصوات الجنود. بعد أن فتح زوجي باب المنزل للجنود اندفعوا وهم يصوّبون أسلحتهم نحونا ثمّ أمرونا بالجلوس في غرفة المعيشة. حوالي ثمانية جنود تفرّقوا في الغرف وقاموا بتفتيشها. اقتاد جنديّان زوجي معتز إلى الخارج. ظننت أنّهم اعتقلوه، ولكن تبيّن لاحقًا - عندما غادر الجنود - أنّهم كانوا يحتجزونه عند مدخل المنزل. قال والد زوجي، حمدان: "زوجة ابني وأحفادي الصّغار موجودون وحدهم في الطابق الأسفل لأنّ ابني مصطفى في مكان عمله". فأمره الجنود بالذهاب وإحضارهم ورافقه جنديّان. بعد قليل عاد والد زوجي. كان يمسك اثنين من الأطفال في يديه وأختي نور، التي هي أيضا سلفتي، كانت تحمل الطفل الثالث. كان الأطفال خائفين وجميعهم يبكون.

سألتني نور، أين ابني الأصغر حمزة وعمره سنة وشهرين. أشرت لها أنّه نائم في الداخل. فاقترحت أن أذهب لأحضره. لم أحضره لدى وصول الجنود، لأنه كان من الصعب عليّ أن أحمل الطفلين معًا. عندما نهضتُ لكي أحضر حمزة صرخ الجندي في وجهي. أخبرته حماتي بالعربية: "إنّها تريد أن تجلب الرضيع لئلّا يستيقظ ويجهش بالبكاء". وافق الجندي فذهبت إلى غرفة نومي حيث ينام أولادي وتبعني أحد الجنود. شعرت بالرّعب حتّى أنّي سحبت طفلي حمزة من ذراعه وأسرعت عائدة إلى غرفة المعيشة.

بعد حوالي ساعة غادر الجنود المنزل بعد أن سبّبوا فيه فوضى مُريعة. كانوا قد بعثروا كلّ شيء. لم يتركوا شيئًا في مكانه سواء في منزلي أو في منزل أختي نور.

غادر الجنود وبقينا نحن مع تساؤلاتنا. لم نفهم ماذا يريدون منّا. في البداية اعتقدنا أنهم أتوا لاعتقال زوجي إذ قاموا بتقييد يديه. لكن في النهاية لم يأخذوه معهم حيث كانوا يحتجزونه خارج المنزل.

نور الكعبي أدلت بإفادتها في 25.10.18 محدّثة عن اقتحام منزلها:

Thumbnail
إحدى غرف منزل عائلة الكعبي، في أعقاب الاقتحام. صورة قدّمتها العائلة مشكورة، 20.10.18

أيقظتني من نومي طرقات عنيفة على باب المنزل. كنت وحدي مع الأطفال، لأنّ زوجي يعمل في مطعم في نابلس ويعود في وقت متأخّر. عندما فتحت الباب رأيت والد زوجي، حمدان، يرافقه جنديّان. أمرني أحد الجنديّين بإيقاظ الأطفال والتوجّه إلى الطابق العلويّ. أخبر والد زوجي أحد الجنديّين أنّهم أطفال صغار وبما أنّهم نائمون لا ينبغي إيقاظهم. رفض الجندي أن يستمع وأمرنا بأن نجلب الجميع ونتوجّه إلى الطابق العلوي. ساعدني والد زوجي في نقل الأطفال وصعدنا إلى منزله. عندما دخلنا، كانت الأسرة كلّها جالسة في غرفة المعيشة. كانت وجوه أطفالي شاحبة، ولخوفهم تشبّثوا بي وبجدهم. علمت فيما بعد أنّ الجنود احتجزوا معتزّ، زوج أختي، قرب مدخل المنزل حتى غادروا.

غادر الجنود بعد حوالي ساعة وبعد أن قلبوا المنزلين رأسًا على عقب. في وقت لاحق علمت أنهم اقتحموا منازل أخرى وبضمنها منزل جيراننا.

كلمات مفتاحية