Skip to main content
منظر عامّ لقرية المغيّر، قضاء رام الله. تصوير موفّق نعسان.
Menu
المواضيع

روتين الاحتلال في قرية المغيّر، قضاء رام الله: جنود اقتحموا منازل واحتجزوا السكّان في الغرف طيلة ساعات

خلال شهرَي آذار ونيسان اقتحم الجنود مرّتين ليلًا أربعة منازل في قرية المغيّر قضاء رام الله. أيقظ الجنود السكّان بينهم أطفال صغار وجمّعوهم في غرف. مكث الجنود ساعات طويلة في كلّ منزل وطيلة هذا الوقت أمروا السكّان بالصّمت ومنعوهم من التجوّل في منزلهم حتّى لإعداد الطعام أو للشرب أو للذهاب إلى المرحاض إلّا بإذن وبرفقة جنديّ. الأقارب أو الجيران الذي جاءوا لزيارة المنزل الذي سيطر عليه الجنود - أيضًا طُلب منهم الدخول إلى المنزل واحتُجزوا فيه طيلة ساعات. أجرى الجنود تفتيشًا على أجساد جميع الحاضرين، وصادروا منهم هواتفهم وبطاقات هويّاتهم.

رفض الجنود أن يقدّموا للسكّان أيّ تفسير لاستباحة خصوصيّتهم في دُجى الليل. في بعض الحالات أمضى بعض الجنود الليلة في المنزل المقتحَم واستلقوا للنّوم على الكنبات خلال مكوثهم الطويل. في ساعات الصباح غادر الجنود المنازل كما أتوا.

في الاقتحام الاوّل اعتقل الجنود خمسة فلسطينيّين من سكّان القرية - أربعة منهم قاصرون وأصغرهم ولد في العاشرة من عمره. أفاد المعتقلون عن استخدام العُنف الشديد ضدّهم أثناء الاعتقال والتحقيق. جميع القاصرين أخلي سبيلهم في الليلة نفسها بعد التحقيق معهم. إضافة إلى ذلك، في حالتين على الأقلّ أفاد السكّان أنّ الجنود طالبوهم تحت تهديد السلاح أن يطرقوا باب أحد المنازل التي دخلوها. هذا السلوك هو تنفيذ حرفيّ تمامًا لما يسمّى "إجراء الجار" وهو مخالف للقانون وتحظره أوامر الجيش أيضًا.

فيما يلي إفادات جمعها الباحث الميداني من بتسيلم إياد حدّاد من بعض السكّان في المغيّر، يتّضح منها المسّ الخطير بخصوصيّة السكّان وحقوقهم. هذه الممارسات الباطلة التي يرد وصفها في الإفادات والتي أوقعت الرّعب في قلوب السكّان وبضمنهم الأطفال هي مثال يُظهر كم من السّهل استباحة حياة السكّان وتشويش نظام حياتهم وكم يفتقد هؤلاء الأمان حتّى داخل منازلهم وحتّى في ساعات اللّيل.

اقتحام منزل عائلة نعسان مرّتين - في 21.3.18 وفي 10.4.18: احتجاز أفراد الأسرة وأناس آخرين لعدة ساعات واعتقال قاصر باستخدام العُنف

عائشة نعسان (70 عامًا) من سكّان المغيّر متزوّجة وأمّ لـ15، أدلت بإفادتها يوم 12.4.18 قائلة:

Thumbnail
عائشة نعسان. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم

في يوم الأربعاء، الموافق 21.3.18، في الساعة 4:00 فجرًا، أنهينا أنا وزوجي أديب صلاة الفجر وخلدنا للنّوم. كلانا في صحّة غير جيّدة. زوجي في الـ78 من عمره أصيب في الآونة الأخيرة بعدّة وعكات دماغيّة؛ وأنا أعاني من ضعف في الرّجلين وأتصعّب في المشي. غطّيت زوجي وإذ بطرقات على الباب. في حوشنا يسكن أيضًا أربعة من أولادنا مع أسَرهم ولذلك كنت متأكّدة أنّ الطارق واحد منهم. لكن عندما فتحت الباب وجدت أمامي مجموعة جنود مسلّحين. خفت لأنها المرّة الأولى التي يقتحم فيها الجيش منزلي وخاصّة أنّ الوقت كان متأخّرًا. سألتهم "ماذا هناك؟"، فأجاب أحدهم "لا شيء يا حاجّة اجلسي في الدّاخل". سألت مرّة أخرى فلم يجبني سوى بقوله "سكوت، سكوت".

دخل الجنود إلى المنزل وجلبوا معهم قريبًا لنا اسمه ياسر محمود 57 عامًا، أدخلوه وأجلسوه في الصالون. أمروا زوجي أن يذهب هو أيضًا إلى الصالون؛ وجلبوا أيضًا حفيدي عبد الغني مروح 18 عامًا، حيث كان يبيت عندنا. أخذوا منّا الهواتف النقّالة وبعض الجنود وقف إلى جانبنا للحراسة. جلسنا دون أن نفهم ما الذي يجري.

بعد مضيّ ساعة أو ساعة ونصف طرق أحدهم الباب - كانت هذه كنّتي (حنان، 38 عامًا). جاءت مع طفلتها سادين عشرة أشهر لكي تتفقّد أوضاعنا بعد أن رأت الجنود يدخلون. أمرها الجنود بالدخول وحبسوها عندنا في المنزل.

بعد ذلك جاء أناس آخرون. في البداية جاء ابني حمدالله زوج حنان مع أولاده الثلاثة الآخرين، لأنّهم قلقوا عليها حين لم تعد إلى المنزل. ثمّ جاء جيران وأقارب، وأولاد كانوا يريدون مرافقة أحفادي إلى المدرسة. أدخل الجنود كلّ من طرق بابنا إلى داخل منزلنا واحتجزوا الجميع. أجروا تفتيشًا على أجساد الرجال والأولاد وصادروا الهواتف من الجميع.

أمر الجنود الرجال بالدخول إلى غرفة واحدة والنساء إلى غرفة أخرى. في نهاية الأمر تجمّع في منزلي 25 شخصًا - ستّة رجال وخمس نساء و-14 ولدًا. كلّهم كانوا خائفين. الأمر الوحيد الذي كان يهمّني هو وضع زوجي فقد كنت طيلة الوقت أقول للجنود: "الحاجّ مريض، حرام، ماذا تريدون، لماذا تحتجزوننا؟". لكنّهم لم يعيروني أيّ اهتمام، سوى أنّ أحدهم قال لي "سكوت، سكوت". لقد سمحوا لزوجي بتناول الدواء وبالذهاب إلى المرحاض فقط بمرافقة جنديّ.

عند الساعة 7:30 جاء إياد ابن سلفي فتى في الـ14 من عمره. كان يريد الذهاب مع حفيدي فضل إلى المدرسة وفوجئ بكمين الجيش داخل منزلنا. فتّش الجنود حقيبته ووجدوا فيها مقلاعًا. نقّلوا المقلاع بينهم وكانوا ينظرون إليه وكأنّهم عثروا على كنز. بعد ذلك أجلسوا إياد جانبًا وعند الساعة 8:00 تقريبًا - عندما غادروا المنزل أخذوه معهم. حاولنا إقناع الجنود بإخلاء سبيله لكنّهم لم يسمحوا لنا حتى بالاقتراب منهم.

عندما خرجوا وقعت مواجهات بينهم وبين فتية كانوا يرشقونهم بالحجارة وردّ الجنود بإطلاق قنابل الصوت والغاز. لم نتجرّأ على الخروج من المنزل إلّا بعد أن تأكّدنا أن الجنود غادروا المنطقة. لم أر إياد حتى ساعات المساء - في اليوم نفسه بعد أن أخلوا سبيله. لقد ضربوه ضربًا مبرحًا كانت عينه منتفخة وجسده كلّه مغطّى بالكدمات وبدا منهكًا تمامًا. هذه الحكاية بكلّ تفاصيلها تكرّرت أوّل أمس، في يوم الثلاثاء، الموافق 10.4.18. مرّة أخرى طرق الباب وعندما فتحت الباب رأيت الجنود أنفسهم وكان عددهم نحو ثمانية. تعرّفت عليهم لأنّ ضابطهم كان قصيرًا و"مدحبرًا" أشقر وعيناه خضراوان. يبدو في الثلاثينات من عمره وكان لديه ثلاث درجات. عندما رأيتهم قلت له "لم تمض سوى بضعة أيّام على مجيئكم إلينا"، لكنّه لم يجبني. دخل مع الجنود إلى المنزل دون أن يطلب إذنًا. في المنزل كان زوجي واحفادنا عبد الغني وسهاد ابنة الخمسة حيث أيقظوهم الجنود وامروهم بالذهاب لغرفتنا. جندي وقف عند باب الغرفة. خاف احفادي وانا حاوت تهدئتهم. باقي الجنود مكثوا في الصالون، استعملوا الشراشف واستلقوا للنوم على الكنبات كأنه بيتهم.

في هذه الليلة، كما في المرّة السابقة احتجز الجنود كلّ من جاء إلينا. جاء ابني حمدالله وزوجته وأولاده ومن بعدهم جاءت حفيدتي سندس، 18 عامًا؛ ثمّ جاءت ابنتي زينب. كنّا 12 شخصًا محبوسين داخل المنزل على يد الجيش. وكلّما أراد أحدنا الذهاب إلى المرحاض كان يلازمه جنديّ. ارتفع ضغط الدم لدى زوجي وناولته كنّتي دواء ولم يكترث الجنود للأمر. من حين لآخر كنّا نتوسّل إليهم أن يتركونا نظرًا لحالة زوجي الصحية ولوجود نساء وأطفال لكنّهم كانوا بلا رحمة ولا شفقة. لم يكترثوا لتوسّلاتنا.

عند الساعة 7:30 سمعنا أصواتًا في الخارج كان يبدو أنّهم شبّان من القرية علموا بوجود الجنود في منزلنا وأخذوا يرشقون الحجارة نحو المنزل. استدعى الجنود قوّات إضافيّة للتّعزيز وعندما وصل الجنود الإضافيّون ألقوا قنابل الصوت والغاز لأجل تفريق الشبّان والفتيان ولكي يتيحوا الخروج للجنود الذين كانوا في منزلنا. غادروا القرية في الساعة 9:00 ولم يعتقلوا أحدًا.

اقتحام منزل عائلة أبو عليا في 21.3.18: احتجاز أفراد الأسرة وأناسٍ آخرين طيلة أربع ساعات، واستخدام شابّ كدرع بشريّ

في 21.3.18 عند الساعة 4:00 فجرًا، قبيل صلاة الفجر بقليل، اعتقل جنود اثنين من سكّان القرية كانوا قد التقوهما في الشارع وأجبروهما على مرافقتهم. اقتاد الجنود الشخصين إلى منزل عائلة أبو عليا وأمروا أحدهما أن يطرق الباب. عندما رفض هدّدوه بالسلاح وعندما أصرّ على الرّفض رغم ذلك أمر الجنود الشخص الآخر بأن يطرق الباب فانصاع لهم. دخل الجنود مع الشخصين إلى المنزل وأمروا الوالدة بإيقاظ أولادها.
احتجز الجنود أفراد الأسرة الستّة والشخصين اللّذين اقتادوهما من الخارج في إحدى الغرف ومنعوهم من الخروج، بعد أن أوقفوا حراسة عليهم. بعض الجنود اتّجهوا للنّوم على كنبات صالون المنزل. الوالدة المُرضع اضطرّت أن تُرضع صغيرها أمام الجنود. بعد أربع ساعات غادر الجنود المنزل. 
 

غسّان محمد (25 عامًا، أعزب) الذي احتُجز في منزل حسام أبو عليا واعتُقل لاحقًا أدلى بإفادته يوم 15.4.18 قائلاً: 

Thumbnail
عائشة نعسان. الصورة بلطف من الشاهد

في يوم الأربعاء الموافق 21.3.18 عند الساعة 4:00 فجرًا، عندما كنت في طريقي إلى المسجد لأداء صلاة الفجر التقيت أحمد محمد (38 عامًا)، الذي كان أيضًا في طريقه لأداء الصّلاة. عندما اقتربنا من المسجد فوجئنا بجنود ملثّمين ويرتدون السترات الواقية. وجّه الجنود سلاحهم إلينا واقتادونا معهم دون أن يقولوا شيئًا. كلّ واحد منّا اقتاده جنديّان وكلّما سألنا كان الجواب الوحيد "سكوت، سكوت". بعد أن اقتادونا نحو مائة متر وكنّا في جوار منزل حسام أبو عليا أمرني الجنود بطرق باب المنزل. رفضت، حتّى بعد أن هدّدني أحد الجنود بسلاحه، لأنّه ليس مقبولًا طرق أبواب منازل القرية في ساعة كهذه وخشيت أن يساء فهم الأمر إذا طرقت الباب. وافق أحمد أن يطرق الباب. من الداخل جاء صوت حسام يسأل: "من هناك؟"، فأجابه "أنا أحمد، ومعنا جيش". اغتاظ الجنود لأنّ أحمد كشف وجودهم. ادخلونا إلى منزل حسام وجمّعوا أفراد الأسرة ونحن معهم في غرفة الأولاد ولاحقًا نقلونا إلى غرفة الضيوف. 

كان الأولاد نائمين فأجبر الجنود الوالدة أن توقظهم. إنّهم أطفال صغار كانوا يغالبون النّعاس ولا يفهمون ما يجري من حولهم. بعد أن أدخلنا الجنود إلى غرفة الأولاد كبّلوا يديّ إلى الأمام بأصفاد بلاستيكيّة وشدّوها كثيرًا إلى درجة أنّي شعرت بآلام في الرّسغ. طلبت منهم عدّة مرّات أن يُرخوا القيد ولكن دون فائدة. في البداية أوقفوا علينا حراسة فيما تجوّل بقيّة الجنود في أرجاء المنزل وبعضهم نام. كانوا يتصرّفون في المنزل كأنّه "دار أبوهم" دون أيّ خجل. وحين كان أحدنا يطلب الذهاب لشرب الماء كان الجنود يرفضون السماح له بالخروج ويجلبون الماء بأنفسهم. 

كان الطفل الرّضيع يبكي من الجوع ووالدته خجلى من إرضاعه في الغرفة بسبب وجود الجنود ووجودي أنا وأحمد. طلبنا من الجنود أن يديروا وجوههم لكي تتمكّن الوالدة من إرضاع طفلها، فرفضوا في البداية، ولكنّهم وافقوا بعد إصرارنا. كذلك أنا وأحمد أدرنا وجوهنا. انتقلت الوالدة إلى زاوية الغرفة وأرضعت صغيرها وبالنتيجة توقّف عن البكاء وغفا. لقد كانت هذه من أسوأ اللحظات التي مررت بها في حياتي، كان الوضع مُحرجًا جدًّا. لم أتخيّل أبدًا أن يرغمني جنود على اقتحام خصوصيّات الآخرين بهذا الشكل ويحتجزوني في غرفة مع امرأة وزوجها وأولادها الصغار. عندما طلبت الأمّ الخروج من الغرفة لإحضار طعام لأولادها رفض الجنود السماح لها بذلك وقالوا لها "لاحقًا". لم نفهم لماذا أدخلونا إلى هذا المنزل ولا ماذا كانوا هم أنفسهم يفعلون هناك - هل كان غايتهم أخذ قسط من الرّاحة أم نصب كمين للتلاميذ في ساعات الصباح؟
عند الساعة 8:00 تقريبًا غادر الجنود المنزل فجأة. ألقى أحدهم قنبلة صوت لكي يخيفنا فلا نخرج خلفهم. بعد ذلك جلب حسام سكّينًا وقطع الأصفاد عن يديّ وكانت مشدودة جدًّا بحيث سبّبت انتفاخًا في يديّ وتركت علامات. 

لدى خروجه من منزل عائلة أبو عليا التقى غسّان محمد في الشارع والده ياسر محمد، الذي سبق أن احتُجز في منزل أسرة أديب وعائشة نعسان. وفيما كان غسان ووالده يسيران ويتحدّثان عمّا جرى لهما التقيا مجموعة جنود، فما كان من الجنود إلّا أن اعتقلوه. في إفادته التي أدلى بها لبتسيلم قال غسّان محمد أنّ الجنود اتّهموه برشق الحجارة فأنكر ذلك، ومن ثمّ اعتدى عليه الجنود بالضرب. اعتُقل غسّان طيلة أسبوعين، وأفرج عنه - بكفالة مالية قدرها 2500 شاقل إلى حين محاكمته التي يُفترض أن تبدأ في شهر تمّوز.  

اقتحام منزل عائلة محمد في 10.4.18: احتجاز أفراد الأسرة وبضمنهم أطفال صغار وأناسٍ آخرين في غرفة واحدة طيلة سبع ساعات

في 10.4.2018 نحو الساعة 2:00 بعد منتصف الليل، اقتحم جنود منزل عائلة محمّد، وتعدّ تسعة أنفار بينهم سبعة أولاد تتراوح أعمارهم بين عشرة أشهر و-16 عامًا. جمّع الجنود الجميع في غرفة نوم الوالدين وأصرّوا أن ينقلوا بأنفسهم اثنين من الأولاد كانا نائمين. أراد الوالدان حمل طفليهما لكنّ الجنود رفضوا السماح لهما بذلك. احتجز الجنود جميع أفراد الأسرة في تلك الغرفة طيلة أربع ساعات، لم يسمحوا خلالها للأمّ بإرضاع طفلها على انفراد ولا بإعداد الطعام لبقّية أولادها ثمّ غادروا المنزل دون أن يفعلوا شيئًا. 

 

لينا محمد (34 عامًا، أمّ لسبعة أولاد) أدلت بإفادتها يوم 12.4.18 قائلة: 

عند الساعة 2:00 فجر يوم الثلاثاء الموافق 10.4.2018، أيقظنا صوت طرقات الجنود على باب المنزل. قام زوجي كاظم وفتح لهم الباب فدخلوا مداهمين دون أيّ استئذان. أغلق الجنود النوافذ وأرخوا عليها الستائر، صادروا هواتفنا النقّالة وأمرونا أن نبقى في غرفة النوم. بعض أولادنا استيقظوا بسبب الضجيج وجاءوا إلينا بأنفسهم، لكن الصّغيرَين - ساجي 4 سنوات ونور 5 سنوات -  ظلّا نائمين وأردنا الخروج من الغرفة لإحضارهما لكنّ الجنود رفضوا السماح لنا بذلك. ذهبوا بأنفسهم وحملوهما إلى سريرنا. ساجي ظلّ غافيًا لكنّ نور استيقظ والجنود يحملونه وبال في ملابسه من شدّة الرّعب. 

حاولت تهدئة بقيّة أولادي لكي يتمكّنوا من النوم - في سريرنا. لم يستطع الأولاد الكبار أن يناموا لأنّ الجنود كانوا مخيفين جدًّا. كانوا يصوّبون أسلحتهم إلينا ومعظمهم كان يرتدي أقنعة على وجهه - حتّى أنّنا لم نتمكّن من رؤية وجوههم أو التمييز بينهم سوى الضابط، إذ كانت على زيّه خطوط ثلاث رُتب على الكتف. لم يتحدّثوا سوى بكلمات قليلة بالعربية وتقريبًا لم يقولوا سوى "سكوت"، "اسكت"، و"ششششـ".

كانوا يقفون ويصغون لكلّ حركة في الخارج. لم نعرف ماذا يريدون، لكنّنا خمّنّا بأنّهم ينصبون كمينًا للتلاميذ في طريقهم إلى المدرسة صباحًا. عندما كان الجنود في منزلنا منعونا من التجوّل بحرّية داخل المنزل، وكلّما أردنا الذهاب إلى المرحاض أو إلى مكان آخر كان علينا أن نطلب إذنًا منهم وكانوا يسمحون لنا بالذهاب فقط برفقة أحد الجنود. 

بعد مضيّ بضعة ساعات جاء إلينا عدد من الأقارب فاحتجزهم الجنود معنا داخل المنزل: عند الساعة 6:30 جاءت صفيّة محمد، 42 عامًا، لكي تطلب من زوجي أن يجلب لوالدتها دواء من رام الله؛ وعند الساعة 7:00 جاءت ولاء محمد، 30 عامًا، ابنة شقيق زوجي. هي تعمل مدرّسة فقد عرّجت علينا لكي تأخذ معها أولادنا إلى المدرسة. وجاء أناس آخرون، بحيث بلغ عدد الأشخاص المحتجزين في غرفة نومنا 15 نفرًا، والغرفة مساحتها 4x3 متر. كان الاكتظاظ شديدًا إلى درجة الاختناق لكنّ الجنود منعونا من فتح النافذة. كلّما تذمّر أو اشتكى أحد منّا، أو سأل سؤالًا كانوا يأمرونه أن يصمت. لم نعرف أصلًا ما الذي يجري. 

كنت منشغلة طيلة الوقت بأولادي الصغار. لكي أرضع، كان عليّ أن أتوارى خلف شرشف حمله أولادي، ولم يحوّل الجنود أنظارهم عنّي طيلة وقت الترضيع. من حين لآخر كان يبكي أحد أولادي فيأخذ الجنود في تأنيبه والصراخ عليه لكي يصمت. في الصباح، كان الأولاد جائعين، ولم يسمح الجنود لنا بالتوجّه إلى المطبخ لإعداد الطعام لهم. تقيّأ ابني نور، ويبلغ من العمر 5 سنوات، ولا أعلم هل حدث له ذلك لأنّه استيقظ في منتصف الليل، أم بسبب البرد، أم لشدّة الخوف. 

عند الساعة 8:30 غادر الجنود المنزل فتنفّسنا الصّعداء. كلّ واحد فينا أحسّ وكأنّ صخرة أزيحت عن صدره. لقد كانت هذه تجربة قاسية جدًّا. في ذلك اليوم لم يذهب أولادي إلى الحضانة أو إلى المدرسة، إذ بمجرّد خروج الجنود اتّجه كلّ منهم إلى فراشه وخلد للنوم. عندما استيقظوا قضوا النهار خائفين. لم يجرؤ أحد منهم على الخروج للّعب أو الذهاب إلى دكّان البقالة لشراء حاجيّات أو حلويات. لقد خافوا أن يكون الجيش لا يزال في الحيّ. منذ يومين هم لا يتحدّثون سوى عن الجنود. 

كلمات مفتاحية