Skip to main content
أطفال في الطريق الى المدرسة في مخيم الجلزّون. تصوير: بتسيلم. 21.2.18.
Menu
المواضيع

الحياة في ظلّ مستوطنة "بيت إيل": التعليم في جوّ من التّهديد الدّائم

يقع مخيّم الجلزّون شماليّ رام الله، ويسكنه نحو 14,000 شخص، بينهم 5,000 قاصر. في عام 1977 أقيمت في جواره مستوطنة "بيت إيل" ممّا استدعى حضور الجنود هناك بشكل دائم - داخل أبراج المراقبة وفي دوريّات عسكريّة - على امتداد الشارع المحاذي كما في المساحة الممتدّة بينه وبين المستوطنة.

في جوار المدخل الجنوبي - الشرقي للمخيّم توجد مدرستان تابعتان لوكالة غوث اللّاجئين (UNRWA) - واحدة للبنات وأخرى للبنين، يرتادهما 2,000 طالب وطالبة، تلاميذ الصفّ الأوّل حتّى السّادس. فرض الجيش عددًا من القيود التعسّفيّة على المدرستين: أجبر وكالة الغوث أن تعلّي النوافذ الشرقيّة، المطلّة على مستوطنة "بيت إيل"، لتكون أقرب إلى السقف. فوق ذلك، فرض الجيش أن يكون عرض النوافذ قليلاً بحيث لا يسمح بدخول ما يكفي من الهواء والضوء إلى الصّفوف؛ وأمر بأن يبقى الضوء مشتعلاً في جميع الصّفوف طيلة ساعات اللّيل.

Thumbnail
أطفال في الطريق الى المدرسة في مخيم الجلزّون. تصوير: بتسيلم. 21.2.18.

القرب بين المستوطنين وسكّان مخيّم اللّاجئين يستدعي حضورًا دائمًا للجنود في المنطقة - داخل أبراج المراقبة؛ في دوريّات عسكرية تجوب شارع 466 والمساحة الممتدّة بينه وبين المستوطنة؛ كما يستدعي إغلاق الشارع وتعطيل حركة المرور. هذا الحضور العسكريّ يؤدّي إلى مواجهات كثيرة بين سكّان المخيّم وقوّات الأمن، الذين بات وجودهم جزءًا لا يتجزّأ من روتين الحياة هناك. يطلق الجيش خلال هذه المواجهات قنابل الغاز المسيل للدّموع والعيارات المعدنيّة المغلّفة بالمطّاط، وأحيانًا حتّى الرّصاص الحيّ؛ مسبّبًا مقتل وجرح عديدين من سكّان المخيّم - بينهم قاصرون، إضافة إلى تعطيل الدراسة في المدرستين: ينتشر الغاز المسيل للدموع من موقع المواجهات إلى داخل الصفوف، ويحدث أن تسقط قنابل الغاز في محيط المدرستين أو حتّى داخل ساحتيهما، وفي الحالتين يعاني التلاميذ والمعلّمون الاختناق، فتضطرّ الإدارة أحيانًا إلى إنهاء الدّوام كلّيًّا. إطلاق قنابل الغاز والرّصاص "المطّاطي" والرّصاص الحيّ يبعث الخوف في قلوب التلاميذ ويسبّب لهم توتّرًا شديدًا. وجود الجنود وعناصر الشرطة في محيط المدرستين، وكذا المواجهات التي تقع حولهما، يثيران قلق الأهل على سلامة أولادهم فيُجبَرون على مرافقتهم في طريقهم من وإلى المدرسة.

Thumbnail
خارطة القيود على الحركة والتنقّل في منطقة مخيّم الجلزّون

اضغطوا هنا لمشاهدة الخارطة بحجم أكبر.

بين الأشهر تشرين الثاني 2017 وكانون الثاني 2018 بنى الجيش إضافة إلى الجدار الإسمنتيّ الذي أقيم عام 2015 شرقيّ مستوطنة "بيت إيل"، على امتداد شارع 466. بُني المقطع الجديد على تخوم منازل فلسطينية تقع شرقيّ الشارع وتسكنها عشر أسَر من عائلة حامد. خلال أعمال إنشاء الجدار كان الجيش يغلق الشارع كلّ يوم أمام السيّارات الفلسطينية بواسطة سدّة ينصبها على بُعد نحو خمسين مترًا من منازل عائلة حامد، ويوقف عندها جنودًا. كان التلاميذ أبناء هذه الأسَر يضطرّون في طريقهم إلى المدرسة مشيًا على الأقدام أن يجتازوا تلك السدّة، فيُجبرهم الجنود على التوقّف لأجل تفتيش أجسادهم وحقائبهم ويضايقهم بطرق أخرى شتّى.

في الشهرين الماضيين استمع إياد حدّاد، الباحث الميداني من بتسيلم، إلى إفادات بعض سكّان المخيّم، المديرين السابقين للمدرستين، وبعض التلاميذ وأهاليهم. تصف الإفادات تعطّل الدراسة، المخاوف التي تلازم التلاميذ في طريقهم من وإلى المدرسة، وتأثير كلّ ذلك على حياة السكّان.

في 31.12.2017، قرب الساعة 8:00 صباحًا، أغلق الجيش الجزء الشماليّ من الشارع المؤدّي من المخيّم إلى رام الله، أثناء إنشاء مقطع الجدار المذكور. أدّى الإغلاق إلى مواجهات بين شباب من المخيّم والجنود المنتشرين لحراسة المُنشأة: الشباب يرشقون الحجارة والجنود يطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطي". في هذه الأجواء المتوتّرة كانت تجري امتحانات نهاية الفصل في مدرسة البنات، وتمّ إدخال الطالبات مباشرة إلى الصفوف وبدء الامتحانات - لأجل إنهائها سريعًا، خشية من تصعيد قد يستدعي إنهاء الدّوام.

Thumbnail
مدرسة وكالة الغوث للبنات على مدخل مخيم الجلزّون. تصوير: بتسيلم. 21.2.18.

مرام أبو مسلّم، 13 عامًا، طالبة الصفّ الثامن، وصفت في إفادة أدلت بها يوم 3.1.2018 ما جرى:

Thumbnail
مرام أبو مسلّم. تصوير: بتسيلم. 21.2.18.

في ذلك اليوم كان لديّ امتحان في مادّة العلوم، وقد تشوّشت أفكاري بسبب تقديم موعد الامتحان. نسيت كثيرًا من الموادّ، رغم أنّني درست جيّدًا. نحو الساعة 8:00 سمعت صوت إطلاق نار في الخارج، ممّا زادني تشويشًا. غرفة صفّنا في الطابق الثاني وتطلّ على المكان الذي فيه الجنود. كنت أسترق النظر من حين لآخر، رغم أنّ المعلّمة منعتنا من ذلك. اتّضح لاحقًا أنّ الجنود يطاردون مجموعة صغيرة من الفتيان الذين رشقوا نحوهم حجارة.

بعد ذلك، سقطت بعض قنابل الغاز في ساحة المدرسة وانتشر الغاز حتّى وصل إلى صفّنا. بدأنا نشعر بالاختناق. في الساعة 8:30، قبل أن أنهي الامتحان، دخل الكثير من الغاز إلى غرفة صفّنا فأخذتنا المعلّمات إلى غرفة المكتبة في الطابق الأوّل، حيث لم يصلها الغاز لأنّها تقع في الجهة الأخرى من المدرسة. جمعت المعلّمات أكثر من خمسين طالبة هناك، وأرسلن البقيّة إلى بيوتهنّ أفواجًا أفواجًا.

تملّكنا الهلع، وكثيرات منّا شعرن بالاختناق. حالتي أنا كانت سيّئة جدًّا. أحسست بحرقة شديدة في الحلق والعينين والوجه، ذرفت دموعي بكثرة، آلمني رأسي جدًّا، وتقريبًا لم أتمكّن من الرّؤية. أخذت أصرخ طلبًا للنّجدة، أحسست وكأنّني على وشك أن أموت. حاولت المعلّمات مساعدتي على التنفّس بواسطة العطور وتحريك الهواء بواسطة الكتب، لأنّه لم يكن هواء كافٍ في غرفة المكتبة، ولا كان يمكن الخروج لأنّ الغاز لا يزال يملأ الجوّ، والجيش لا يزال يطلق قنابل الغاز من حين لحين. شعرت أنّني أختنق. استدعت المعلمات سيّارة إسعاف، جاءت - بعد 20 أو 30 دقيقة - فوصلتُ بمساعدة المعلّمات إلى حيث توقّفتْ خارج المدرسة، على بُعد نحو أربعين مترًا. ناولني المسعف قطع شاش مبلّلة بالكحول لأضعها على أنفي، وانتظر عشر دقائق. كان قد قال لي: "إذا لم يتحسّن وضعك خلال عشر دقائق ننقلك إلى المستشفى". بعد عشر دقائق صرت أفضل. تحسّن التنفّس تدريجيًّا، وبدأت تخفّ الحرقة في العينين. بعد ذلك أقلّوني إلى داخل المخيّم، وتابعت طريقي إلى المنزل. كان ألم الرأس لا يزال شديدًا فاضطررت لتناوُل مسكّنات. في المدرسة، لم أحلّ جميع أسئلة الامتحان، أجبت فقط على نصفها، لأنّ المعلّمات جمعن الأوراق عندما بدأ الغاز يؤثّر علينا.

رهف زيد، 15 عامًا، طالبة في الصفّ التاسع، قالت في إفادة أدلت بها يوم 18.1.2018:

Thumbnail
رهف زيد. تصوير: بتسيلم. 21.2.18.

أحيانًا تضطرّ المديرة إلى إلغاء التعليم وإرسالنا إلى بيوتنا باكرًا، بسبب المواجهات في الخارج وإطلاق النار على يد الجيش. في فترة ما قبل الامتحانات أرسلونا مرّتين أو ثلاث مرّات قبل انتهاء الدّوام، وأحيانًا حتّى في بدايته. وأحيانًا كان يحدث العكس، كنّا نضطرّ إلى البقاء في المدرسة بعد انتهاء الدّوام، لأنّ الجنود يوقفون الحركة. في هذه الحالة يغضب الناس ويتعكّر الجوّ فيتشجّع الشبّان على بدء جولة أخرى من رشق الحجارة. عندئذٍ نحن نخاف الخروج من المدرسة، ونضطرّ إلى الانتظار حتّى تهدأ الأوضاع، أو حتّى يغادر الجيش. قد يحدث أن نصل إلى بيوتنا بتأخير ساعة أو ساعتين، وأحيانًا أكثر. يقع منزلنا في آخر المخيّم، ولذلك أصل متأخّرة أكثر من الآخرين، فأجد أهلي "مضغوطين" وقلقين في انتظار عودتي. في المقابل، تجد أبناء المستوطنين، الذين يسكنون قبالتنا تمامًا ولا يفصل بيننا سوى الشارع، يعيشون بكلّ راحة وهدوء. هم يحصلون على كلّ ما يحتاجونه لكي تكون حياتهم جيّدة ولكي يدرسوا بهدوء، ونحن لا يُسمح لنا حتّى بالتمتّع بطفولتنا.

حكمت حامد، 14 عامًا، من سكّان منطقة منازل عائلة حامد، طالب في مدرسة البنين، أدلى بإفادته يوم 20.1.2018 قائلاً:

Thumbnail
حكمت حامد. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 20.1.18.

مع بدء أعمال بناء الجدار عند مستوطنة "بيت إيل" بدأ إغلاق الشارع على يد الجنود ومطاردة راشقي الحجارة. يستخدم الجنود قنابل الصوت والغاز المسيل للدّموع، وأحيانًا الرّصاص "المطّاطي" والرّصاص الحيّ. كثيرًا ما سقطت قنابل الغاز قرب المدرسة، ممّا سبّب الاختناق وتعطيل الدراسة. في كلّ مرّة يعاني الطلّاب من حرقة شديدة في العينين والوجه، أوجاع في الرأس، سعال، وذرف دموع. عادةً، نحن نستخدم العطور أو البصل لمجابهة الغاز. طلّاب كثيرون يجلبون معهم العطور استعدادًا لحالات الطوارئ. أحيانًا، عندما يتواصل إطلاق قنابل الغاز، يضطرّ المعلّمون إلى وقف الدراسة وإرسالنا إلى منازلنا. لقد حدث ذلك عدّة مرّات في الأشهر الأخيرة، منذ تشرين الثاني 2017. يستمرّ تأثير الغاز أيّامًا عديدة، وحتّى بعد تهوئة الصفوف يظلّ الطلّاب يعطسون ويسعلون، بعد يوم أو يومين - خاصّة من لديهم حساسيّة. لا يفرّق الجيش وهو يطلق قنابل الغاز بين من يشاركون في المظاهرات ومن يجلسون في صفوفهم الدراسيّة. نحن لا نساوي شيئًا في نظرهم، ولا يهمّهم أنّنا أولاد أو طلّاب.

أنا أخاف العودة إلى البيت، لأنّ منزلنا يقع قرب مركز الأحداث، وفي أحيان كثيرة تتوقّف سيّارات الشرطة والجيش الإسرائيلي قريبًا منه وتغلق الشارع. كثيرًا ما أنتظر في المدرسة، أو أذهب إلى أصدقائي في المخيم، لأمضي الوقت إلى أن تنتهي المواجهات أو تخفّ، أو إلى أن يغادر الجنود المكان. قد يستغرق ذلك وقتًا طويلاً، وعندها يقلق أهلي كثيرًا. أحيانًا، لدى خروجنا من المنزل في طريقنا إلى المدرسة، أنا وأولاد عمّي - هم أكبر منّي، ويسكنون في جوارنا - يستوقفنا الجنود وعناصر الشرطة بحجّة أنّ عليهم تفتيشنا، ويأخذون في استفزازنا دون سبب. وهم يكرّرون الأمر نفسه لدى عودتنا إلى البيت. لهذا يضطرّ كبار العائلة إلى مرافقتنا في خروجنا وعودتنا، لكي يضمنوا ألّا نتعرّض لمضايقات الجنود وعناصر الشرطة - لكنّ هؤلاء لا توجد في قلبهم شفقة على الصغير ولا احترام للكبير.

من حقّنا أن نعيش حياة طبيعية، مثل بقيّة الأولاد في العالم. الجيش يقيّدنا ويضيّق مجالنا لكي يُفسح مجالًا لأولاد المستوطنة القريبة منّا.

محمود شيخة، 49 عامًا، متزوّج وأب لسبعة أولاد، يدرس أحدهم (13 عامًا) في مدرسة البنين في المخيّم. في إفادته يوم 7.3.2018 أدلى الوالد بما يلي:

Thumbnail
محمود شيخة. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 7.3.18.

أعمل بائعًا في بقالة عند مدخل المخيّم، على بُعد نحو مائتي متر من المدرسة. في السنتين الأخيرتين توجد في منطقة المدارس مشاكل كثيرة بسبب وجود الجيش وإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، وأيضًا الرّصاص الحيّ والرّصاص "المطّاطيّ". عندما يحدث ذلك ينتابني القلق على ابني. لست وحدي في ذلك. أنا أرى نساءً ورجالاً يمرّون قبالة بقالتي مهرولين إلى المدرسة لكي يتأكّدوا أنّ أولادهم بخير. عندما تسمع أنّ أحدهم أصيب، ينتابك الخوف على ابنك. ينشأ جوّ من الهلع، يأخذ الجميع في الاتّصال مع أبنائهم ليطمئنّوا عليهم أو مع إدارة المدرسة للاستفسار عمّا يحدث. نحن نعيش في توتّر وقلق. هذا وضع صعب ومرهق جسديًّا ونفسيًّا. يصعب عليّ أن أصف لك ذلك. إنّها أحداث تجري تقريبًا كلّ يوم.

نحن نسكن في ضاحية التعليم، خارج المخيّم نوعًا ما، ولذلك عندما تقع مواجهات قرب المدارس لا يستطيع ابني الوصول إلى المدرسة أو العودة من المدرسة إلى البيت، فالجنود والمواجهات في طريق منزلنا. يضطرّ ابني للانتظار في أيّ مكان داخل المخيّم أو عندي في البقالة هنا، حتّى تهدأ الأوضاع ويغادر الجيش.

عندما بنى الجيش المقطع الجديد في الجدار، قرب المستوطنة، كانت الأحداث تقع كلّ يوم تقريبًا. كثيرًا ما اختنق ابني من الغاز، وكان يعالج نفسه بالبصل أو بالعطر. حدث أن منعته مرّتين من الذهاب إلى المدرسة لأنّ الأحداث وقعت منذ الصباح الباكر. في أحيان كثيرة كان الجيش هو الذي يستفزّ التلاميذ في طريقهم إلى المدرسة أو لدى عودتهم إلى منازلهم، فيؤدّي الأمر إلى وقوع مواجهات بين الجيش والتلاميذ. فكّرت أكثر من مرّة في نقل ابني الصغير من مدرسة مخيّم الجلزّون إلى مدرسة أخرى، بسبب الخطر والتوتّر والقلق؛ غير أنّه لا توجد بدائل جيّدة. فمثلاً، لأجل الوصول إلى مدرسة في رام الله أو في قرى المنطقة، يجب عليه المرور من الطريق نفسها والمنطقة نفسها التي تقع فيها المواجهات ومعاناة المشاكل ذاتها، مضافًا فوق ذلك الأخطار في الشوارع والتكاليف الباهظة الملازمة للتعليم في رام الله والسفر إليها. لا نملك خيارًا سوى التسليم بالأمر الواقع، إلى أن يأتي الفرج من السّماء وتصبح الأوضاع أفضل.