Skip to main content
قرية بدرس. تصوير: محمد عليان
Menu
المواضيع

بُدرُس، حياة مكشوفة: اقتحام ليليّ لمنازل خمس أسَر فلسطينية

في 5.12.2017، اقتحم جنود خمسة مبانٍ في قرية كفر بُدرُس الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله. دخلت القوّات منازل 9 أسَر، وفي بعضها جمّعوا كلّ أفراد الأسرة في غرفة واحدة، دون اكتراث لسنّهم أو وضعهم الصحّي، ثمّ أجروا تفتيشات وألحقوا أضرارًا بالممتلكات وخلّفوا وراءهم فوضى عارمة. كلّ ذلك، دون أن يعيروا اهتمامًا لأيّ معيار قضائي، ودون إبراز أوامر تفتيش بإذن من قاضٍ؛ عوضًا عن ذلك استندوا إلى أمر عسكريّ يخوّلهم صلاحيّات كاسحة. الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد، زار بعض هذه الأسَر واستمع إلى إفادات.

منزل نبيل ورسميّة عوض

نحو الساعة 1:00 بعد منتصف الليل، حاصر جنود منزل عائلة عوض المؤلّف من طابقين. في ذلك الوقت، كان الأب، نبيل عوض (54 عامًا) الذي يعاني مشاكل في عموده الفقريّ ويستعين بعكّازتين، وابنه البالغ من العمر 17 عامًا ويعاني الكساح (مرض ليونة العظام)، كانا في الطابق الثاني. في الطابق الأوّل كانت الأمّ، رسميّة عوض (50 عامًا) وأولادها الأربعة، جميعهم في العشرينات - ابنان وابنتان. وتعاني إحدى الابنتين من شلل كلّي.

في تجاهُل تامّ لحقيقة أنّ عددًا من أفراد العائلة عاجزون أو قدرتهم محدودة، أمر الجنود الجميع بالتجمّع في غرفتين في الطابق الأوّل - واحدة للنساء والأخرى للرجال.

في إفادة أدلى بها في 6.12.2017، وصف محمد عوض (21 عامًا) ما جرى:

محمد عوض. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 6.12.17.جمّعنا الجنود في غرفتين في الطابق الأوّل - في واحدة منهما وضعوا الرجال، وفي الثانية وضعوا أمّي وأخواتي. لم يعيروا اهتمامًا حتّى بأختي هدى، المشلولة. أجبرونا على إخراجها من سريرها وحملها إلى غرفة أخرى. خلقوا جوًّا من التّرهيب، وكنّا جميعًا خائفين. أخذت أمّي ترتعد ودخلت في نوبة هلع، رغم أنّها - من قبل - كانت قد تناولت حبوبًا مهدّئة؛ وشقيقتي هدى لم تفهم بتاتًا ما يجري حولها.

كان كلّ همّي أن أنفّذ بشكل دقيق جميع تعليماتهم، لئلّا يعاني أبناء أسرتي -المرضى والمشلولون، ولا يلحقهم ضرر. الأصحّاء في أسرتنا هم فقط أنا، وشقيقتي هنادي (26 عامًا) وشقيقي مصطفى (25 عامًا). لو أنّنا جادلنا الجنود لاعتقلونا ربّما، وعندها لن يبقى أحد ليعتني ببقيّة أفراد الأسرة، ونحن مسؤولون عنهم أوّلاً وقبل كلّ شيء.

في إفادة أدلى بها يوم 6.12.2017، وصف نبيل عوض، الأب، ما جرى لأبناء أسرته في تلك اللّيلة:

محمد عوض. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 6.12.17.

أنا لا أعلم لماذا اقتحموا منزلنا، ولماذا أجروا تفتيشًا. سألت أحدهم، ضابط على ما يبدو، ولكنّه لم يجبني. ونحن في الغرفة التي احتجزونا فيها، سمعتهم يحرّكون أشياء ويعيثون فسادًا في البيت.

من حين لآخر كان ابني مصطفى يطلب من الجنود الذي أوقفوهم عند باب الغرفة أن يسمحوا لنا بالانتقال إلى الغرفة التي احتجزوا فيها والدته وأخواته. لقد شرح لهم أنّ والدته وشقيقته مريضتان. وفي كلّ مرّة كان الجندي يردّ عليه قائلاً "هشــ… اسكتْ".

بقينا هكذا، دقيقة بدقيقة، يتآكلنا الخوف والقلق على زوجتي وبناتي. كنّا متوتّرين جدًّا، ولكنّ الجنود لم يهتمّوا أبدًا. ليس في قلوبهم ذرّة من الإنسانيّة، ولم يشفقوا على المرضى.

أكثر ما استفزّني أنّهم حتّى لم يقولوا لنا لماذا اقتحموا منزلنا. كان لديّ شعور بأنّهم جاءوا فقط استفزازًا وإزعاجًا، لكي يذيقونا الأمرّين. لا يهمّهم شيء. هكذا بلا سبب، ودون إنسانيّة في التعامل.

جرى احتجاز أفراد العائلة في الغرفتين طيلة أكثر من ساعة، إلى أن أتمّ الجنود التفتيش وقلبوا البيت رأسًا على عقب.

منزل خليل وشريفة عوض

جنود يحيطون خليل عوض في منزله. الصورة بلطف من العائلة
ח'ליל עווד מוקף חיילים בביתו.

بعد ساعة تقريبًا، نحو الثانية فجرًا، وصل الجنود إلى بناية من طابقين تسكن فيها أسرة شريفة وخليل عوض وأسرة أحمد خليل، شقيق شريفة. في الطابق الأوّل، يسكن أحمد خليل وزوجته وأولادهما العشرة، وفي الطابق الثاني يسكن خليل عوض وزوجته وأولادهما السبعة. استيقظت الأسرتان على صوت طرقات على مدخل البناية. فتح أحمد خليل الباب الرئيسي فدخل الجنود إلى منزل أسرته، أجروا فيها تفتيشًا سريعًا، وخرجوا. بعد دقائق عدّة دخل جنديّان، بدون إذن، إلى منزل خليل وشريفة عوض، وكان الباب غير مقفل. بعد جدال جرى بين خليل عوض والجنديّين دخل إلى المنزل جنود آخرون وأمروا جميع أفراد الأسرة التجمّع في غرفة نوم الوالدين. الجنود، وكان عددهم عشرة تقريبًا، أجروا تفتيشًا في بقيّة غرف البيت. بعد نصف ساعة أمر الجنود أفراد الأسرة بالانتقال إلى غرفة البنات، لكي يجروا تفتيشًا في غرفة نوم الوالدين.

لدى انتقال أفراد الأسرة إلى غرفة البنات، تبيّن لهم أنّ مبلغًا من المال كانوا يخبّئونه في الخزانة قد اختفى. توجّه أفراد الأسرة فورًا إلى الجنود. ادّعى الجنود أنّهم لم يروا أيّة أموال حين فتّشوا، وقالوا لهم أن يتوجّهوا غدًا إلى المسؤول عن المنطقة في جهاز الأمن العامّ (الشاباك)، "الكابتن وسام" - الذي لا يعرفونه.

في إفادتها من يوم 6.12.2017، حدّثت شريفة عوض بما يلي:

فجأة تذكّرت مبلغ 1500 شيكل لابني محمّد (25 عامًا)، سلفة على حساب راتبه، كنت قد خبّأته في جارور داخل الخزانة التي في غرفة البنات. طلبت من زوجي أن يطلب من الجنود إذنًا لدخول الغرفة وأخذ المبلغ، ولكنّه طمأنني قائلاً إنّ الجنود لن يسرقوه، خاصّة وأنّه ليس مبلغًا كبيرًا إلى هذا الحدّ.

بعد أن أتمّ الجنود تفتيش البيت نقلونا إلى غرفة البنات. كانت الغرفة مقلوبة رأسًا على عقب. تقدّمت من الخزانة لأفتّش عن المبلغ، لكنّي وجدت فقط مائة شيكل كنت قد وضعتها جانبًا بمفردها، داخل الجارور نفسه. لاحقًا أخبرني محمد أنّه كان قد أخذ 400 شيكل من الأموال التي في الخزانة، وعليه فالمبلغ الذي اختفى عمليًّا هو 1100 شيكل.

لم يكن أيّ مبرّر لاقتحام منزلنا. لم نفهم لأجل ماذا جاءوا. فقط لأجل استفزازنا وقهرنا وتسويد عيشنا. كان الأمر يبدو كأنّه تدريب في اقتحام المنازل. لا يكترثون لمشاعر الأطفال والنساء ولا الناس الذين ينامون آمنين في بيوتهم. هذا الذي يفعلونه بنا ظلم - يقتحمون منازلنا في عتم الليالي، يقضّون مضاجعنا، ويوقظون الأطفال من أحلامهم، دون أيّ سبب.

في إفادته من يوم 6.12.2017، وصف خليل عوض محادثته مع الضابط الذي رافق الجنود:

خليل عوض. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 6.12.17.بعدما تأكّدنا أن المبلغ غير موجود، توجّهت إلى الضابط واشتكيت. تحدّثت إليه باللّغة العربيّة، وكان هو يجيبني باللّغة العبرية - أنا أفهمها قليلاً. قلت له إنّ الجنود سرقوا مبلغ 1500 شيكل، لأنّي في البداية لم أعرف بالضبط كم المبلغ الذي كان في الجارور. فقط لاحقًا حدّثتني زوجتي أنّ المبلغ الذي كان هناك 1100 شيكل فقط. طلبت منه أن يسأل جنوده عن المبلغ، فقال لي "استفسر لدى الكابتن وسام"، دون أن يشرح لي أين هو ومن هو. توقّعت أنّه يقصد رجل "الشاباك" المسؤول عن المنطقة. ومع ذلك طلبت منه عدّة مرّات أن يسأل جنوده عن المبلغ، لكنّه لم يوافق.

بعد أن غادر الجنود، تجوّلنا في البيت لنتفحّص الوضع. إضافة إلى الأموال التي سرقوها، وجدنا كلّ شيء مقلوب على بعضه؛ جميع الملابس والأثاث. وفي المطبخ وجدنا أنّهم كسروا بعض الأواني.

الفوضى التي خلفها الجنود في منزل خليل وشريفة عوض. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 6.12.17.
الفوضى التي خلفها الجنود في منزل خليل وشريفة عوض. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 6.12.17.

منزل يوسف وأميرة عوض

في الساعة نفسها تقريبًا دخل جنود أيضًا إلى منزل في الطابق الثاني من بناية مجاورة، دون أن يطرقوا الباب - منزل يوسف عوض (50 عامًا) وزوجته أميرة وأولادهما الثلاثة؛ كما دخلوا إلى منزل والدة يوسف - صفيّة عوض (100 سنة تقريبًا) -وشقيقته عائشة (58 عامًا). أكثر من عشرة جنود اقتحموا بأدواتهم مدخل البناية، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء طرق الباب. دخل الجنود أوّلاً إلى منزل يوسف، في الطابق الثاني، وطلبوا من أفراد الأسرة أن يحضروا بطاقات هويّاتهم، وكذا أمروهم بالتجمّع في غرفة نوم الوالدين - يوسف وأميرة عوض. بعد ذلك أجرى الجنود تفتيشًا في بقيّة غرف المنزل، طيلة نصف ساعة، ثمّ عندما انتهوا أمروا أفراد الأسرة بالانتقال إلى المطبخ، وأجروا تفتيشًا في غرفة النوم طيلة نصف ساعة أخرى.

 

في إفادته التي أدلى بها يوم 19.12.2017، وصف يوسف عوض تصرّفات الجنود:

يوسف عوض على مدخل منزل العائلة. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 19.12.17.ما بين 10 إلى 15 جنديًّا، بعضهم ملثّمون، اقتحموا منزلنا دون أيّ سابق إنذار. جميعهم كانوا مسلّحين بالبندقيّات، بعضها كانت ملصقة بها مصابيح. كان منظرهم مخيفًا. اقتحموا باب المنزل بواسطة جهاز هيدروليكي. نحن كنّا بالبيجامات، والأولاد كانوا يغطّون في نومهم.

أمرَنا أحد الجنود بجلب بطاقات هويّاتنا، ففعلنا ذلك. ثمّ أمرنا الجنديّ نفسه بالدخول جميعًا إلى غرفة نومنا. سألته لماذا أتوا وماذا يريدون؛ وكلّما سألته كان يقول لي "اسكت، اسكت". لم يريدوا أن أتكلّم بتاتًا. الجنود كانوا منتشرين في كلّ أنحاء البيت: غرفتا نوم، صالونان ومطبخ. بعد 20 دقيقة تقريبًا، أمروا ابني محمد (23 عامًا) أن يجلس في الصالون - في منتصف البيت - لكي يتمكّن من رؤية ما يفعلونه فلا نتّهمهم بالسرقة. ثمّ بعد مضيّ ثلاثين دقيقة نقلونا إلى المطبخ وفتّشوا غرفة نومنا طيلة ثلاثين دقيقة أخرى. عند الساعة 3:00، تقريبًا، خرجوا من البيت.

وهم في طريقهم إلى الخارج مرّوا على بيت والدتي، وهي عاجزة ومسنّة جدًّا، وتسكن مع شقيقتي التي تعاني من الشلل. حاولت الدخول معهم لأضمن ألّا يمسّوا بأمّي أو بأختي، ولكنّ أحد الجنود وجّه إليّ مصباح بندقيّته وأمرني بالرّجوع. خفت ورجعت.

 

Thumbnail
صفية وعائشة عوض في منزلهن. تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 19.12.17.

 

في إفادتها يوم 19.12.2017، وصفت عائشة عوض التفتيش الذي أجراه الجنود في المنزل الذي تتقاسمه مع والدتها المسنّة:

استيقظت فجأة على أصوات تصيح "جيش!". عندما فتحت عينيّ كان بضعة جنود قد فتحوا الباب ودخلوا إلى بيتنا. لم أسمعهم يطرقون الباب. يبدو أنّنا نسينا إقفال الباب. كان البيت معتمًا، سوى إضاءة الليل الخافتة. سمعت مجدّدًا أحدهم يقول: "جيش! جيش!". كنت ما زلت في الفراش ولم أنهض بعض. قلت "رحمتك يا ألله، من هناك، من هذا؟"، فأجاب الشخص "جيش. جيش". كان هناك خمسة أو ستّة جنود يقفون عند مدخل المنزل، وهو عمليًّا غرفة واحدة فيها مطبخ وصالون وزاوية للنوم.

خفت أن يجروا تفتيشًا ويخرّبوا الأثاث. لم أستطع النهوض، لأنّني مشلولة، وكذلك أمّي - وهي امرأة مسنّة، بصعوبة تستطيع الاعتناء بنفسها. كنت أرتعد من الخوف. أحد الجنود تقدّم أكثر نحو الداخل، نظر ورأى أنّه يكاد لا يوجد لدينا أثاث. كان مسلّحًا ويوجّه بندقيّته إليّ، وكان ملصقًا بها مصباح. أضاء المصباح على وجهي ثمّ على أرجاء الغرفة، وسألني باللّغة العربية "هل يوجد هنا شباب؟". قلت له أنّه لا يوجد أحد، وأنّه ليس هنالك شيء يفتّشه أصلاً. لم يدخل إلى الغرفة، وإنّما بقي واقفًا بضعة ثوانٍ عند المدخل، وبعد ذلك خرج مع جنوده.

في الليلة ذاتها دخل الجنود إلى منزلين آخرين: بيت من طابق واحد، تسكنه عائلة مؤلّفة من 14 نفر، بينهم ثلاثة أولاد؛ وبيت من ثلاثة طوابق، تسكنه ثلاث أسَر: الوالدان وأولادهما الخمسة الصغار، وابناهما المتزوّجان مع أسرتيهما.

نحو الساعة 5:00 صباحًا، غادر الجنود القرية مخلّفين وراءهم السكّان وقد تملّكتهم الصدمة والخوف. ممارسات الجنود الفظّة، إذ لم يعيروا اهتمامًا لسنّ سكّان هذه المنازل ولا لحالتهم الصحّية، ولا كلّفوا أنفسهم عناء شرح سبب وجودهم، والفوضى والأضرار التي تسبّبوا بها - كلّها تعكس استعلاء الجيش واستهتاره العميق بحياة السكّان الواقعين تحت سيطرته. هذه الحادثة ليست استثنائيّة. بواسطة أمر عسكريّ، منحت إسرائيل لنفسها صلاحيّة كاسحة في الضفة الغربية بحيث يستطيع كلّ "ضابط أو جنديّ… الدخول في أيّ وقت، إلى أيّ مكان". هذا العُنف الوحشيّ، معناه سلب ملايين الفلسطينيين أمنهم وأمانهم وحرُماتهم، حتّى داخل بيوتهم. حياتهم معرّضة دائمًا للعنف التعسّفي يوقعه بهم نظام الاحتلال في كلّ حين - ليلاً ونهارًا، وفي كلّ مدينة أو بلدة أو قرية في الضفة.

كلمات مفتاحية

المكان