Skip to main content
Menu
المواضيع

جدران الاحتلال الشفافة: برقه، قضاء رام الله- حالة تفصيليّة

نحن نفكر ألف مرة قبل أن نبني أو نخرج للتنزّه أو للدراسة أو للعمل أو للاتجار أو لزراعة المحاصيل الزراعيّة. لا ينبع هذا من كسل أو عجز بل خشية من المعوّقات والمضايقات والاعتداءات من طرف الجيش الإسرائيليّ أو المستوطنين. نحن نعيش في ما يشبه السجن الكبير، مع جدران غير مرئيّة، نتيجة للقيود التي تُفرض علينا.

من إفادة لينا كنعان

يتطرّق هذا التقرير إلى قرية برقة في قضاء رام الله. وبرقة ليست قرية استثنائيّة، ولم تكن يومًا في واجهة النضال ضدّ ولم تعانِ جراء الخطوات العقابيّة الاستثنائيّة وقد اختيرت بالذات بسبب عدم خصوصيّتها، كي تكون مثالا على حياة سكان القرى الفلسطينيّين تحت الاحتلال: إنها قرية صغيرة ورعويّة، محاطة بالحقول، وتعاني قيودًا صعبة على الحركة تعزلها عن بيئتها، وسرقة واسعة لأراضيها وتضييقًا تخطيطيًا. وقد أدّت كل هذه العوامل إلى تحويلها لقرية مهملة ومكتظة وفقيرة، يعيش نحو نصف سكانها على شفا خط الفقر أو تحته.

View interactive documentary
View interactive documentary

صحيح>
  1. إغلاق الطرق: أغلق الجيش الاسرائيلي مطلع الانتفاضة الثانية الطريق الرئيسيّة من برقة إلى رام الله، وهي ما زالت مغلقة حتى يومنا هذا. ويستغرق السفر من القرية إلى رام الله وبالاتجاه المعاكس نحو يوم واحد، بدلا من دقائق قليلة، ونحو 45 دقيقة عبر طرق التفافيّة وملتوية لا تلائم حجم المواصلات الكبير. وقد حوّل إغلاق الطرق برقة إلى قرية منعزلة ونائية، رغم قربها الجغرافيّ من رام الله، إلى جانب تقييد منالية الخدمات التي توفرها مدينة القضاء لسكانها: العمل والخدمات الطبيّة ومراكز التسوّق ومؤسّسات التعليم العالي والمؤسسات الثقافيّة. .

    خارطة الطرق المغلقة من برقة الى رام الله. اضغطوا لتكبير الخارطة

  2. السيطرة على الأراضي- بشكل رسميّ وغير رسميّ: استند اقتصاد القرية تقليديًّا على الزراعة. ومنذ مطلع سنوات الثمانين بدأت إسرائيل بإقامة المستوطنات على أراض كانت بملكيّة سكان القرية الخاصة وبجوارها: بسجوت وكوخاف يعقوب وجفعات أساف ومجرون. ونتيجة لذلك قُيّدت قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم التي كانوا يستخدمونها للزراعة: فنحو 947 دونمًا من الأراضي التي بملكية سكان القرية تقع في داخل المستوطنات نفسها أو ما بعد طريق الدخول إليها، ويفتقر أصحابها لأيّ قدرة على الوصول إليها. نحو 60% من الأراضي التي أُخذت كانت أراضيَ مستصلحة زراعيًّا، كلها أو بعضها. اضافة الى ذلك أنّ أعمال العنف المتكرّرة من طرف المستوطنين في المنطقة، ولمجرد وجود المستوطنين في المناطق الزراعيّة ومناطق الرعي التابعة للقرية، يمتنع السكان عن الوصول إلى نحو 1,280 دونمًا أخرى بملكيتهم، رغم عدم فرض أيّ تقييد كهذا رسميًّا. وفي المجمل تُمنع منالية سكان القرية عن نحو 2,200 دونم، أي ما يعادل ثلث أراضي القرية.

  3. الضائقة السكنيّة: عُرّفت المنطقة العمرانيّة في برقة وبعض المناطق الزراعيّة من حولها في اتفاقيات أوسلو، بأنها منطقة B. إلا أنّ غالبيّة احتياطي التطوير في القرية ظلّت في المنطقة المعرّفة C، وكذا الأمر مع أراضيها الزراعيّة الشاسعة. وبما أنّ كلّ بناء أو تطوير في منطقة C يلزمان بالحصول على تصديق من جهات إسرائيليّة، والتي يكاد الحصول عليها أن يكون مستحيلاً، فإنّ سكان القرية يعانون نقصًا في المباني السكنيّة والمؤسّسات العامة، حتى لو كانوا يملكون أراضي خاصة.

خارطة الاستيلاء على اراضي برقة. اضغطوا لتكبير الخارطة

ومستوى دخل سكان القرية مُتدنٍّ: نصف عائلات القرية على الأقلّ التي تحوي خمسة أنفار أو أكثر –نحو 75% من العائلات في القرية- تعيش على دخل يُعتبر في الضفة خط الفقر الأعمق (نحو 1,800 شيكل شهريًا) أو أقلّ منه. غالبيّة الرجال في القرية يعملون، إلا أنهم يعملون في وظائف جزئيّة أو عرضيّة ومن دون ضمانات اجتماعيّة. وتصل نسبة العاملين لدى من عمرهم 52 عامًا وأكثر إلى نحو 50% فقط- ربعهم فقط يعملون بشكل متواصل وبالحجم الذي يريدونه. ويحاول سكّان القرية استكمال مداخيلهم من الزراعة ورعاية المواشي وتحضير الجبن أو العمل في البيت مثل الخياطة والتطريز، إلا أنّ المداخيل من هذه الأعمال متدنيّة. وتمسّ القيود المفروضة على الحركة إلى القرية ومنها بالخدمات التربويّة والصحيّة الممنوحة للقرية، نتيجة لصعوبة وصول المهنيّين من خارج القرية إليها، وصعوبة الوصول لتلقي مثل هذه الخدمات خارج القرية.

برقة هي مثال على الاحتلال، والتي تشير إلى كيفية قيام المستوطنات ومصالحها بلعب دور مركزيّ في إملاء السياسات الإسرائيليّة، حتى لو كان ثمن ذلك المسّ الجسيم بالسكان الفلسطينيّين، وكيف أنّ نسيجًا قضائيًّا-إداريًّا يخنق القرية ويمنع سريان روتين الحياة والتطوير بشكل معقول: السلطات الإسرائيليّة تفضّل دائمًا مصالح المستوطنين والمستوطنات على احتياجات وصالح السكان الفلسطينيّين. ورغم أنّ إقامة المستوطنات ليست قانونيّة أصلاً، إلا أنّ الدولة تخصّص موارد كثيرة لتطويرها وحماية سكّانها، في الوقت الذي تبذل كل ما بوسعها من أجل منع التطوير الفلسطينيّ.

لا يمكن للواقع في برقة، على غرار سائر الضفة الغربية، أن يتغيّر جوهريًّا، إلا مع زوال الاحتلال. ولكن بوسع السلطات الإسرائيليّة أن تقوم منذ الآن بعدة خطوات تؤدّي إلى تحسين كبير في حياة سكان الضفة الغربية. وفي حالة برقة، يجب على هذه الخطوات أن تشمل:

  • إزالة كلّ الحواجز والمعوّقات التي وضعت على الشوارع الواصلة بين رام الله وبين القرى التي تقع شرقها؛

  • تنظيم وصول سكان برقة والقرى المجاورة إلى أراضيهم المجاورة للمستوطنات، والاهتمام بأن يكونوا قادرين على استصلاح أراضيهم ورعي مواشيهم بأمان، من دون أن يخشوا أذى المستوطنين؛

  • منح تصاريح لسكّان القرية للبناء على الأراضي التي بملكيّتهم، والتي عُرّفت في اتفاقيّة أوسلو كمنطقة C، بما في ذلك البناء السكنيّ وتشييد المباني العامة المطلوبة لغرض تطوير القرية.