Skip to main content
Menu
المواضيع

ما وراء الظلمات: تبعات عزل إسرائيل لقطاع غزة على حق الفلسطينيين في حياة أُسريّة

ملخّص تقرير مشترك لمكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" وبتسيلم، كانون اول 2014

سمحت إسرائيل للفلسطينيين، بعد احتلال الاراضي المحتلة، بالتنقل الحرّ نسبيًا بين قطاع غزة والضفة الغربية وإسرائيل. وقد كان بإمكان سكان الاراضي المحتلة المتزوّجين من مواطني إسرائيل وسكان القدس الشرقية التمتّع بوضعية قانونية دائمة في إسرائيل، في إطار مسار لمّ الشمل. وقد أدّت هذه السياسة إلى خلق منفذ لتجديد العلاقات الأسريّة ولخلق علاقات جديدة، تمثّلت في الزواج والعمل وغيرها.

ولكن، ومع اندلاع الانتفاضة الأولى، بدأت إسرائيل بتقييد حرية التنقل والحركة لدى سكان الاراضي المحتلة. واليوم يكاد يكون من غير الممكن العبور من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، كما لا يمكن لسكان قطاع غزة بأيّ حال من الأحوال التمتّع بوضعية قانونية في القدس الشرقية أو إسرائيل، والسكن فيهما مع الزوج/ة سكّان المكان.

وتؤدّي القيود التي تفرضها إسرائيل على الانتقال من وإلى قطاع غزة إلى الفصل بين أفراد العائلات، وهي تفرض على الأزواج الذين يسكن أحدهما في قطاع غزة والآخر (الأخرى) في الضفة الغربية أو إسرائيل، حياة خاضعة لسلسلة من القيود البيروقراطية، من دون أيّ إمكانية لتسيير روتين حياة واقعيّ. ويضطرّ آلاف الناس لمواجهة واقع مستحيل، تتغلغل فيه الدولة إلى أكثر الأبعاد حميمية في حياتهم، وذلك عبر سلسلة من الأحكام التي تنبثق عنها معايير صارمة لا يمكن استيفاؤها تقريبًا. كما أنّ الأمور الأكثر بساطة والمفهومة ضمنًا تتحوّل إلى أمور عصيّة المنال، مثل تأسيس عائلة وحياة مشتركة بين الزوجيْن ومع الأولاد، والحفاظ على علاقة مستمرّة مع العائلات الأم الخاصّة بالزوجيْن.

وتشترط جميع الأحكام المتعلقة بالدخول إلى قطاع غزة والخروج منه أن يكون العابر(ة) خاليًا من أيّ مانع أمنيّ. ويكفي في هذه الحالة أن تدّعي السلطات الإسرائيلية وجود مثل هذا المانع، حتى حين يكون هذا متعلقًا بأحد أفراد العائلة وليس بالمتقدّم بطلب العبور، بحيث يؤدّي هذا إلى الحيلولة دون أيّ إمكانية دخول إلى قطاع غزة أو الخروج منه.

امرأة تنتظر على معبر إيرز. تصوير: أورن روزنفيلد، 19.3.09
امرأة تنتظر على معبر إيرز. تصوير: أورن روزنفيلد، 19.3.09

العبور من قطاع غزة إلى الضفة الغربية

تحظر إسرائيل العبور من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، باستثناء الحالات الإنسانية الاستثنائية والنادرة جدًا، والتي تشمل الأمراض المستعصية والموت أو الزواج، وكلها متعلقة بقريب من الدرجة الأولى. وحتى في مثل هذه الحالات لا تُقبل جميع التوجّهات، وفي أحيان عديدة يصل الردّ بتأخير كبير يُفقده معناه. فعلى سبيل المثال التوجّهات المتعلقة بزيارة أحد أفراد العائلة القابع في المستشفى أو حضور حفل زفاف أو جنازة.

ولا يُعتبر الزفاف واحدًا من الظروف التي تُبرّر إصدار تصريح بالعبور بين قطاع غزة والضفة وأماكن أخرى، كما تحظر إسرائيل تغيير عنوان الإقامة في بطاقة الهوية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. ومنذ عام 2007 تتعامل إسرائيل مع الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة الغربية وتظهر أسماؤهم في سجلّ السكان على أنهم من سكان القطاع، باعتبارهم "مقيمين غير قانونيين"، إلا إذا كانوا يملكون تصريح إقامة أصدرته الإدارة المدنية. ويمكن لسكّان القطاع الذين يُضبطون في الضفة من دون تصريح كهذا أن يُطردوا إلى القطاع. وفي أعقاب تدخّل المحكمة العليا الإسرائيلية التزمت الدولة بعدم طرد من انتقل من قطاع غزة إلى الضفة الغربية قبل أيلول 2005 من بيوتهم، وهو موعد تطبيق خطة فكّ الارتباط.

إلى جانب ذلك، التزمت إسرائيل في إطار بادرة حُسن نية سياسية لصالح السلطة الفلسطينية، بتغيير عناوين 5,000 فلسطينيّ بأثر رجعيّ، كانوا مسجّلين كسكان قطاع غزة، وهم يعيشون في الضفة الغربية منذ سنين طويلة.

إلا أنّ إسرائيل لم تستوفِ العدد المضروب أعلاه. واليوم، يُطلب من عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة ومسجّلين في القطاع أن يستوفوا إجراءً بيروقراطيًا يشبه جدًا إجراءات الهجرة، وذلك قبل أن ينظر الجيش في إمكانية الاعتراف بـ "قانونية" إقامتهم في بيوتهم وعلى أراضيهم.

في المقابل، يُسمح لسكان الضفة الغربية الذين يسعون للعيش إلى جانب أزواجهم في قطاع غزة، أن يفعلوا ذلك بسهولة، وذلك في حال التزامهم بنقل مكان إقامتهم إلى القطاع بشكل دائم، فقط. وفي حال التزامهم بذلك، تسري عليهم القيود السارية على سائر سكان القطاع، ولن يكون بوسعهم زيارة أفراد عائلاتهم في الضفة إلا في الحالات الاستثنائية مثل الموت والمرض أو زفاف أحد الأقرباء من الدرجة الأولى.

العبور من قطاع غزة إلى إسرائيل

قرار الحكومة الصادر عام 2008 يسدّ أيّ إمكانية تمامًا أمام لمّ شمل عائلات سكان قطاع غزة مع الأزواج في إسرائيل، وبهذا فهو يفرض على الأزواج العيش في القطاع أو العيش على حدة. أمّا أولئك الذين يختارون العيش سوية في القطاع، فإنّ حياتهم تسير بواسطة "إجراء العائلات المقسومة"، الذي يسمح للزوج الإسرائيليّ(ة) بالإقامة مع الزوجة في القطاع لغرض الزيارة أو السكن، وذلك بما يخضع لتجديد تصريح الإقامة في القطاع مرّة كلّ نصف سنة. غالبية الحاصلين على تصاريح في ضمن هذا الإطار هُنّ من النساء. ومع أنه يمكن لهؤلاء النساء الخروج من القطاع كما يَشَأنَ، إلا أنّ العودة إلى القطاع تلزمهنّ بتقديم طلب أثناء وجودهنّ في إسرائيل. ويمكن أن يستمرّ إجراء تصديق الطلب لأسابيع طويلة، وقد تزيد هذه الفترة عن هذا في فترات التوتر الأمنيّ في القطاع. وفي أعقاب ذلك، تضطرّ الكثير من النساء للمكوث في إسرائيل لفترة طويلة تطول أكثر بكثير عن المخطط له، وهنّ منقطعات عن أزواجهنّ وأبنائهنّ الذين ظلوا في القطاع، وكلّ ذلك خلافًا لرغباتهنّ ومن دون أن يعرفنَ موعد العودة إلى بيوتهنّ. كما أنّ الضبابية والخوف من القطيعة المتواصلة عن العائلة يردعان الكثير من النساء عن زيارة عائلاتهنّ في إسرائيل، وخصوصًا عندما يكُنّ مضطرات لإبقاء أبنائهن وبناتهنّ في غزة. "إجراء العائلات المقسومة" لا يقوم بالمرة بتسوية وتنظيم إمكانية دخول أبناء المقيمات الإسرائيليات (القدس الشرقية) برفقة أمهاتهم إلى إسرائيل، إذا كانوا لا يتمتعون بوضعية إقامة قانونية، ولا تسمح إسرائيل بذلك إلا للأطفال تحت سنّ السادسة.

تأثير السّياسة الإسرائيلية

من المُتبع في المجتمع الفلسطينيّ المحافظ أن تنتقل الزوجة للسكن مع عائلة الزوج، ولذلك فإنّ الأحكام التي وضعتها إسرائيل تمسّ بالنساء أساسًا: النساء من سكان القطاع اللواتي تزوّجن رجالا من سكان الضفة يضطررنَ لترك عائلاتهنّ وبيئتهنّ المألوفة، من دون أيّ إمكانية لزيارة القطاع، إلا في الحالات بالغة الاستثناء. وأولئك اللواتي لم ينجحنَ بتعديل عناوينهنّ يتعرّضنَ لخطر دائم بطردهنّ من بيوتهنّ وفصلهنّ عن أولادهنّ. كما أنّ وضعية النساء من سكان الضفة الغربية اللواتي تزوّجن رجالا من سكان القطاع شبيهة بذلك، باستثناء حقيقة أنّ إسرائيل تسمح لهنّ بتعديل عناوينهنّ. ويجب على المواطنات الإسرائيليات والنساء من القدس الشرقية المتزوّجات برجال من سكان القطاع واللواتي يرغبنَ بالعيش مع أزواجهنّ، أن ينتقلنَ للسكن في القطاع من أجل تحقيق هذه الغاية، وكلّ زيارة للعائلة الأم تُلزمهنّ بالإقامة الجبرية اللازمة لتجديد التصريح، من خلال فصلهنّ عن أزواجهنّ وأبنائهنّ في القطاع. الضّرر الذي تخلّفه الأحكام المتشدّدة بالنساء المُطلقات أكبر بكثير، حيث أنّ العودة إلى بيت العائلة الأم تفرض عليهنّ انفصالاً عن أبنائهنّ، حيث أنّ الوصاية عليهم تُمنح للزوج السابق، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

الواجبات المُلقاة على إسرائيل

تقول إسرائيل إنّ الحق في الحياة الأُسريّة لا يشمل حقّ الزوجيْن باختيار مكان سكنهما، وإنّ هذا القرار يتبع لها هي. كما أنّ الدولة لا تحترم خيارهم في مكان سكناهم إلا إذا قرّرا العيش سوية في قطاع غزة. ويستند هذا الإدراك –وفق ادعاء الدولة- على صلاحيتها المطلقة للبَتّ في مسألة من يحقّ له الدخول إلى نطاقها، وعلى الاعتبارات الأمنية. إلا أنّ حقيقة سماح إسرائيل للراغبين بنقل مكان سكنهم من الضفة إلى القطاع لغرض لمّ الشمل مع الزوج بفعل ذلك من دون أيّ صعوبة، تثير الريبة والشك في الإدعاء الأمنيّ. فالسهولة التي تسمح بها إسرائيل بمثل هذا الانتقال تثير الشكّ في أنّ الاعتبارات المعلنة تهدف للتستّر على اعتبارات ديمغرافية لاغية. وفي غياب تبرير عينيّ لمثل هذا المسّ الشديد بحقوق أساسية، فإنّ هذه السياسة تشكّل انتهاكًا لواجبات إسرائيل أمام القانون الدوليّ.

أضفْ إلى ذلك أنّ إسرائيل تقوم باستخدام الادعاء الأمنيّ بشكل جارف، حيث يفيد هذا الادّعاء بأنّ قطاع غزة هو "كيان مُعادٍ"، وعلى هذا الأساس فإنها تفرض مُنُوعات مُطلقة، من دون الموازنة بين الاعتبارات الأمنية وبين حقّ الفلسطينيين بحياة أسريّة وبحرية التنقل والحركة.

تدعو منظمتا بتسيلم و"هموكيد" لحقوق الفرد إسرائيلَ لاحترام حقوق جميع السكان الفلسطينيين بحياة أسريّة وبحرية التنقل والحركة، وبالسماح لهم باختيار أماكن سكنهم. عندما يكون الزوج(ة) من سكان الضفة الغربية، يجب السماح للزوجين بحرية العبور -بما يخضع لفحوصات أمنية عينية- بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية، اللتين تشكّلان وحدة جغرافية واحدة؛ وعلى إسرائيل السماح أيضًا لسكان قطاع غزة الذين تزوّجوا من سكان القدس الشرقية ومواطني إسرائيل العيش في المكانين مع الأزواج. كما على إسرائيل أن تسمح بإقامة علاقات أسريّة منتظمة بين سكان قطاع غزة وأقربائهم في إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية.