Skip to main content
Menu
المواضيع

مذكرة موقف: تقرير لجنة تيركل الثاني

تشير مذكرة موقف جديدة تنشرها المنظمة إلى الاحتمالات الكامنة في توصيات تقرير تيركل، وإلى المحدوديات التي فيها أيضًا

تقرير لجنة تيركل الثاني في يوم 6/2/2013 قدّمت اللجنة التي يرأسها قاضي المحكمة العليا المتقاعد، يعقوب تيركل، تقريرها الثاني بخصوص سياسة التحقيقات المتعلقة بانتهاك قوانين الحرب. واليوم، وبعد مرور قرابة نصف السنة على ذلك، حان الوقت لمناقشة تطبيق هذه التوصيات. في رسالة وجّهتها المديرة العامة لبتسيلم جيسيكا مونتيل، هذا الأسبوع، إلى رؤساء الجهازيْن القضائييْن المدنيّ والعسكريّ، قالت مونتيل إنه منذ تقديم تقرير اللجنة، سادت موافقة واسعة بخصوص أهمية التوصيات من أجل الدفع الفعّال للتحقيق في الحالات التي تُثار فيها الشبهات بانتهاك القانون الدوليّ الإنسانيّ. وأضافت مونتيل: "برغم اللغة المهذبة، فإنّ لجنة تيركل قالت بوضوح إنّ الجهاز خامل في كل ما يتعلق بالتحقيق في شبهات انتهاك قوانين الحرب. ليس الحديث هنا عن تعديلات سطحية بل عن تغيير جوهريّ وهام لاستغلال هذه الفرصة. والحديث يدور عن مصلحة إسرائيلية خالصة، بالقول إنه يمكن تحقيق العدل من الداخل. وكمنظمة مختصّة ذات باع طويل في العمل مقابل جهات التحقيق وفرض القانون وتطبيقه، فإنّ بتسيلم ستكون على استعداد للإسهام في دفع تطبيق هذه التوصيات."

وبموازاة توجّهها إلى سكرتير الحكومة، فإنّ بتسيلم تنشر اليوم (الخميس، 8/8/2013) مذكرة موقف تقوم بتحليل توصيات اللجنة.

وأوضحت اللجنة أنها ترى حسب رأيها بأنّ دولة إسرائيل تقوم بالواجب الملقى على أيّ دولة، بالتحقيق في الشبهات المتعلقة بانتهاك قوانين الحرب، لكن "في مجالات معدودة جرى التحقيق فيها فإنّ هناك إمكانية لإدخال تعديلات على أجهزة الفحص والتحقيق، بينما يجب إدخال التغييرات على السياسة المتبعة في بعض المجالات الأخرى". وبرغم هذه المقولة الحذرة، فإنّ توصيات اللجنة تمضي قدمًا ويمكن أن تؤدّي –في حال تطبيقها- إلى تغيير حقيقيّ في جودة التحقيقات وفي جهاز تطبيق القانون عمومًا.

ومع الأخذ بعين الاعتبار للقُصورات الموجودة اليوم في جهاز المحاسبة على المسّ بالفلسطينيين، فإنّ مثل هذا التغيير أمر حيويّ. وبناءً على تجربة وعمل بتسيلم مقابل الجيش وجهاز التحقيقات بكل ما يخصّ التحقيق في الشكاوى التي يقدّمها فلسطينيون في أعقاب انتهاك حقوقهم، فإنّ هذا الجهاز يكاد يكون معطلاً بالكامل. فهذا الجهاز قائم ظاهريًا: شكاوى تُقدَّم وتحقيقات تُفتح وقرارات تُتّخذ، ولكنّ الإجراء في واقع الأمر غير ناجع وغير مُجدٍ ويستمرّ لسنوات طويلة.

تتطرّق توصيات اللجنة إلى هذه المشاكل وتلزم بتغيير في وسائل عمل النيابة العسكرية، من خلال وضع جدول زمنيّ مُلزم لكلّ مرحلة ومرحلة. وفي حال تطبيق التوصيات، سيطرأ تحسّن حقيقيّ على أداء الجهاز القائم: قرارات فتح التحقيقات ستُتخذ خلال فترة وجيزة من وقوع الحادثة، التحقيق سيُدار بسرعة على يد جهات أكثر مهنية وتمرّسًا وقرار الاستمرار في علاج الملف سيُتخذ خلال فترة زمنية تسمح بنفاذ القانون. أضف إلى ذلك أنّ أيّ قرار صادر عن جهات في جهاز تطبيق القانون سيُسوّغ، وسيكون بوسع الضحايا الاستئناف على هذه القرارات بشكل فعّال والحصول على ردّ خلال فترة زمنية معقولة. في مثل هذا الجهاز ثمة احتمال أكبر لنفاذ القانون وتطبيقه، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي إلى ردع ارتكاب مخالفات مشابهة. كما أنّ توصية اللجنة بالتنازل عن الاستقصاء الميدانيّ في الحالات التي من غير الواضح وجود شبهة بارتكاب مخالفة جنائية فيها، هي أمر محمود. ومن المتوقع أن يؤدّي تطبيق توصيات اللجنة المتعلقة بالشكاوى التي قُدّمت ضد محققين من الشاباك –نقل التحقيقات إلى "ماحش" وتوثيق التحقيقات بصريًا- إلى تحسين العناية بهذه الشكاوى في هذا المجال أيضًا. محدوديات التوصيات:

إلى جانب ذلك، فإنّ تطبيق توصيات اللجنة ليس كافيًا من أجل استيفاء التحقيق في شبهات انتهاك القانون الدوليّ الإنسانيّ للمعايير المطلوبة. وتنبع المشكلة الأساسية في توصيات اللجنة من أنها تتطرّق إلى تحسين الجهاز القائم فقط، وتكاد لا تقترح أيّ تغييرات مَبنوية على الشكل الذي يقوم به الجيش اليوم بالتحقيق في شبهات انتهاك القانون الدوليّ الإنسانيّ. وهكذا تتجاهل اللجنة حقيقة أنّ الجيش –والجيش فقط- يحقق مع نفسه، وهو أمر يطرح علامة استفهام حول استقلالية جهاز التحقيقات.

علاوة على ذلك، ثمة موضوعان مركزيان في جهاز التحقيقات ظلاّ من دون ردّ حقيقيّ. الأول يتطرّق إلى الحالات التي تصرّف فيها الجنود وفقًا لأوامر الجيش –التي صدّقها النائب العسكريّ العام أو المستوى السياسي- مع الاشتباه بأنّ هذه الأوامر تخالف أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ. في مثل هذه الحالات، يكون المدّعي العسكريّ العام –المسؤول عن توفير الاستشارة وعن قرار فتح التحقيق في نفس الوقت- في وضعية تضارب مصالح وسيكون من الصعب عليه الأمر بفتح تحقيق. الموضوع الثاني الذي لم توفر اللجنة حلاً له يتعلق بالحالات التي يكون فيها المستوى السياسي ضالعًا في وضع سياسة الجيش أو في الأوامر التي صدرت له. وتوصي اللجنة في هذه الحالة بعدم فحص الشبهات عبر تحقيق جنائيّ، بل عبر إقامة لجنة تحقيق. ووفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ، فإنه لا يوجد حقًا واجب إجراء التحقيق في إطار تحقيق جنائيّ تحديدا. وكما تقول اللجنة، فإنّ التحقيق يجب أن يكون "فعّالاً" ليس إلا، أي أن يكون التحقيق "قادرًا على تشخيص المسؤولين واستنفاذ الإجراءات القانونية معهم"، ولهذا الغرض يجب أن تستوفي خمسة مبادئ عامة مشتقة من قوانين حقوق الإنسان: الاستقلالية، غياب التحيّز، الفاعلية والجذرية، السرعة والشفافية. لكنّ مجرد إقامة اللجنة متعلق بنوايا الحكومة الطيّبة، وباستعدادها للتحقيق في مسؤولية المستوى السياسيّ، الذي يشمل في حالات كثيرة ممثلين عن الحكومة نفسها، عن ارتكاب جرائم حرب.

وعليه، وحتى في حال تطبيق كلّ التوصيات، فإنّ التحقيق في الشبهات المتعلقة بانتهاك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ سيظلّ يجري داخل الجيش فقط، حيث تكون جميع الصلاحيات مُركّزة في يد النائب العسكريّ العام: هو المسؤول عن إصدار أمر بفتح التحقيق، وهو المسؤول عن الإشراف على التحقيق وهو المسؤول عن اتخاذ القرار بشأن الاستمرار في علاج ملف. كما أنّ المدّعي العسكريّ العام غير مخوّل اتخاذ قرار بفتح تحقيقات ضدّ المستوى السياسيّ، وهو في وضعية تضارب مصالح حين يكون ملزمًا بإصدار أوامر بفتح تحقيقات في أوامر صدرت بالاستناد على استشارة قدّمتها النيابة العسكرية، أو هو نفسه كما حدث في أكثر من حالة.

إحدى الإمكانيات الواردة لتغيير هيكلي يسمح بحلّ هذه المشاكل يكمن في إقامة لجنة مستقلة ودائمة، كما اقترح بروفيسور يوفال شَني ود. عميحاي كوهن، تقوم بفحص المسائل التي لا تعالجها اليوم أيّ جهة، بما فيها "ادّعاءات وشبهات موجّهة ضدّ نشاطات تستند إلى قرارات وتوجيهات صدرت عن مستويات رفيعة المستوى في الجيش والجهات السياسية". وقد قرّرت لجنة تيركل عدم تقديم توصية بهذا الحلّ، إلا أنها لم تقترح حلا آخر يسمح بالتحقيق مع المستوى السياسيّ ومستوى القيادات الرفيعة –بمن فيهم النائب العسكريّ نفسه- عندما يكون هؤلاء ضالعين في رسم سياسة تثير الشبهات بانتهاك القانون الدوليّ الإنسانيّ. وهكذا تنتفي إمكانية التحقيق في حوادث تثير الشبهات بأنّ الأوامر نفسها والسياسة التي تبناها الجيش غير قانونية. في مثل هذا الواقع تقول بتسيلم، يمكن للتحقيقات التي بوسع الشرطة العسكرية المحققة إجراؤها، أن تلقي بكامل المسؤولية على الجنديّ في الميدان، فيما لا يتحمل المسؤولون عن إصدار الأوامر وترسيم السياسات أيّ مسؤولية عن أفعالهم.