Skip to main content
ليث هيثم فتحي أبو نعيم. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة.
Menu
المواضيع

النيابة العسكريّة تغلق ثلاثة ملفّات تحقيق أخرى في مقتل فلسطينيّين دون أن يحاسَب أحد

أغلقت النيابة العسكريّة ثلاثة ملفّات تحقيق أخرى في مقتل فلسطينيّين على أيدي جنود إسرائيليّين هذا ما عُلم من المعلومات التي نقلها مؤخّرًا الناطق بلسان الجيش إلى وكالة أنباء AP. من جهة أخرى، بيّن التحقيق الذي أجرته بتسيلم لتقصّي الأحداث الثلاثة بُعيد وقوعها في بداية عام 2018 أنّ ملابساتها لم تستدعِ القتل بالضرورة. رغم ذلك، ورغم أنّه حتى وفقًا لأوامر الجيش ما كان يجب أن تنتهي هذه الاحداث بالموت، فإنّ مجرّد إجراء التحقيقات بعث مرّة أخرى أوهامًا بخصوص وجود جهة مساءلة ومحاسبة يؤدّي وظائفه كما ينبغي. في نهاية المطاف وبعد مماطلة طويلة انتهت هذه "التحقيقات" إلى الطّمس كالعادة:

علي قينو. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة. على عمر نمر قينو (17 عامًا) من سكّان عراق بورين تلقّى رصاصة في رأسه أطلقها جنود من جيب عسكريّ حيث كان علي وأصدقاؤه قد رشقوهم بالحجارة عند مدخل عراق بورين في 11.1.18. أخلى بعض الأهالي علي قينو إلى مستشفى في نابلس وهناك أعلن الأطبّاء وفاته. لا تسمح تعليمات إطلاق النار باستخدام النيران بهدف القتل إلّا حيال خطر يتهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو آخرين وشرط انعدام أيّة وسيلة أخرى لدرء الخطر. ظروف مقتل عليّ كانت أبعد ما يكون عن ذلك.

ليث هيثم فتحي أبو نعيم. صورة قدّمتها الأسرة مشكورةليث هيثم فتحي أبو نعيم (16 عامًا) من سكّان المغير أصيب بجراح بليغة في رأسه جرّاء رصاصة معدنيّة مغلّفة بالمطّاط أطلقها عليه جنود عن بُعد نحو عشرين مترًا لدى عودته إلى القرية بعد أن شارك في مواجهات وقعت في 30.1.18. غادر الجنود المكان دون أن يقدّموا للمصاب أيّ إسعاف طبّي. أخلى بعض الأهالي ليث أبو نعيم إلى المستشفى حيث أعلن الأطبّاء وفاته. إطلاق الرّصاص "المطّاطيّ" عن بُعد نحو عشرين مترًا وبالتصويب على الجزء العلويّ من الجسد قد يسبّب الموت ولذلك تحظر تعليمات إطلاق النار ذلك بصريح العبارة.

ياسين عمر سليمان السّراديح. صورة قدّمتها الأسرة مشكورةياسين عمر سليمان السّراديح (35 عامًا) من سكّان أريحا أصيب بجراح بليغة أطلقها عليه جندي حين همّ بمهاجمة جنود بقضيب حديديّ في 22.2.18. في شريط فيديو وثّق الحادثة يظهر الجنود وهم يركلون ياسين ويضربونه بسلاحهم وهو جريح ومطروح أرضًا ثمّ يجرّونه إلى زقاق قريب ويمتنعون عن إسعافه طيلة ما يقارب نصف السّاعة. لاحقًا توفّي ياسين السّراديح متأثّرًا بجراحه. الامتناع عن تقديم الإسعاف الطبّي والاعتداء بالضرب على شخص مصاب كلاهما مخالف لأحكام القانون ومبادئ الأخلاق الأساسيّة. إغلاق ملفّات التحقيق في أحداث القتل الثلاثة أعلاه لم يكن خطأ بل جزءًا لا يتجزّأ من سياسة تتّبعها النيابة العسكريّة منذ سنين طويلة؛ وهي السياسة التي بسببها كانت بتسيلم قد أعلنت بالعام 2016 أنّها لن تتعاون بعد مع جهاز تطبيق القانون العسكريّ. وهكذا، انضمّت ملفّات القتل الثلاثة من بداية 2018 بعد الانتهاء من طمس الحقائق فيها إلى مئات ملفّات الطمس الأخرى التي تراكمت على مرّ السنين. التجربة التي خاضتها بتسيلم طيلة 25 عامًا وهي تحاول دفع هذا الجهاز في اتّجاه اعتماد سياسة المحاسبة والمساءلة أثبتت أنّه لا يعنيه تقصّي الحقائق وإنصاف الضحايا بقدر ما يعنيه طمس الحقائق. الغاية الأساسية من وجود هذا الجهاز حماية المتورّطين في قتل وجرح الفلسطينيّين من خلال إجراءات توهم بأنّ الجهاز يؤدّي وظيفته كما ينبغي وبالتالي تُبعد عنه أيّ نقد.

إنّه جهاز عاجز منذ البداية عن أيّ أداء مُنصف وعادل وهذا الأمر واضح من مجرّد تعريف وظيفته - أي فحص أداء الجنود في الميدان فقط، دون التعرّض لأداء كبار المسؤولين وصنّاع السياسات. هذا الأمر واضح أيضًا من طريقة عمل الجهاز: إنّه لا يتوجّه بتاتًا إلى المشتكين الفلسطينيّين مع علمه أنّهم الضحايا الذين يُفترض أن يحميهم؛ بدلًا من الاعتماد في التحقيق على أدلّة وبيّنات خارجيّة مستقلّة، يعتمد الجهاز بشكل شبه كلّي على إفادات المشتبه فيهم من عناصر قوّات الأمن أمام محقّقي وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة وقلّما يستمع إلى إفادات الضحايا الفلسطينيّين؛ إنّهم لا يبحثون عن الأدلّة والبيّنات ونيابة الشؤون الميدانيّة تُغلق ملفّات التحقيق لهذا السبب تحديدًا: انعدام الأدلّة والبيّنات أو بسبب استنتاجها اعتمادًا على أقوال الجنود المتورّطين أنّهم أطلقوا النيران الفتّاكة في ملابسات شكّلت خطرًا على الحياة.

نحن لا نتحدّث هنا عن إخفاق تحقيق عينيّ هنا أو هناك أو إخفاق هذا المحقّق أو ذاك في أداء وظيفته. إنّه إخفاق الجهاز بكلّيته جهاز تطبيق القانون الذي يدرك أنّ أداءه بهذا الشكل يمنح الجنود - ضمنيًّا أيضًا - رخصة لمخالفة القانون أشدّ المخالفة دون أن تطالهم مساءلة أو محاسبة أو عقوبة. هذه التوليفة هي التي تتيح مواصلة إطلاق النيران بهدف القتل دون مبرّر وهي بالتّالي لبنة أساسيّة في البُنية التي تمكّن إسرائيل من مواصلة سيطرتها العنيفة على ملايين الفلسطينيّين.