Skip to main content
Menu
المواضيع

"عدالة زائفة: مسؤولية قضاة محكمة العدل العليا عن هدم منازل الفلسطينيين وسلبهم"

تقرير جديد يصدر عن منظمة بتسيلم يُنشر اليوم يُظهر كيف شرعن قضاة المحكمة العليا جهاز التخطيط في الضفة الغربية ومكّنوا إسرائيل من مواصلة تنفيذ سياسة مخالفة للقانون. مرارًا وتكرارًا تجاهل القضاة في قراراتهم حقيقة أنّ جهاز التخطيط يفرض حظرًا شبه تامّ على البناء الفلسطيني بهدف إتاحة استيلاء إسرائيل على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينيّة. يصدر التقرير تحت عنوان "عدلٌ زائف: مسؤولية محكمة العدل العليا عن هدم منازل الفلسطينيين وسلبهم " وهو يستند إلى بحث شامل تقصّى مئات الالتماسات التي نظرت فيها المحكمة والأحكام التي صدرت عنها بخصوص بقضايا هدم منازل الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة - ويبيّن التقرير أنّ القضاة لم يقبلوا في أيّ منها ادّعاءات الملتمسين الفلسطينيّين.

يعمل جهاز التخطيط الذي أقامته إسرائيل في الضفّة الغربيّة على الحدّ ما أمكنه ذلك من البناء للفلسطينيّين، بينما يدأب في الوقت نفسه على توسيع البناء في المستوطنات - التي أقيمت خلافًا للقانون أصلًا - والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي. في شهر تشرين الأوّل الماضي خلال اجتماع اللّجنة الفرعية للجنة الخارجيّة والأمن في الكنيست اعترف العميد بن حور أحفوت رئيس الإدارة المدنيّة أنه "لا يوجد مخطّط بناء للفلسطينيّين في الوقت الحاليّ، وذلك بسبب توجيهات صادرة من القيادة السّياسيّة". تنعكس هذه السّياسة بشكل واضح في معطيات الإدارة المدنيّة - ليس المعطيات الحاليّة فقط وإنّما معطيات سنين طويلة وتفيد ما يلي: في الفترة الواقعة بين كانون الثاني عام 2000 ومنتصف عام 2016 لم تصادق الإدارة المدنيّة سوى على نحو 4% من الطلبات التي قدّمها فلسطينيّون للحصول على رخصة بناء. وعندما يبني الفلسطينيّون بدون ترخيص حيث لا يملكون خيارًا آخر يُعرّف البناء على أنه "مخالف للقانون" وتُصدر دولة إسرائيل أوامر هدم بحقّه. كذلك تفيد معطيات الإدارة المدنيّة الخاصّة بالفترة الواقعة بين السّنوات 1988 و- 2017 أنّه صدر 16,796 أمر هدم بحقّ مبانٍ أقامها الفلسطينيّون ومنذ عام 2009 صدرت أوامر هدم بمعدّل 1000 أمر سنويًّا وجرى تنفيذ 20% من مجمل هذه الأوامر. وتفيد معطيات بتسيلم عن الفترة الواقعة بين عام 2006 وعام 2018 أنّ دولة إسرائيل هدمت على الأقل 1,401 منزلًا فلسطينيًّا في الضفّة الغربيّة (لا يشمل القدس الشرقية) وشرّدت بذلك 6,207 شخصًا على الأقل من بينهم 3,134قاصرًا أصبحوا دون مأوى.

على مر السنين رفع الفلسطينيون مئات الالتماسات إلى محكمة العدل العليا مطالبين بإلغاء أوامر الهدم الصادرة عن الإدارة المدنيّة. في جميع هذه الالتماسات قبل قضاة المحكمة العليا ادّعاء الدولة بأنّ المسألة تتعلّق بتطبيق القانون لا أكثر وغضّوا الطرْف عن الانتهاك الشامل - والمتوقّع - لحقوق الإنسان لمئات الآلاف من الأشخاص وبضمنها المسّ بحقّهم في المعيشة وكسب الرّزق وإدارة حياتهم، وتجاهلوا حقيقة أنّ سياسة إسرائيل تشكّل خرْقًا لمبادئ وأحكام القانون الدوليّ.

رفض القضاة جميع الحجج المبدئيّة التي طُرحت أمامهم والمتعلّقة بجهاز التخطيط. وفقًا لما يتوفّر لبتسيلم من معلومات لم يحدث ولو مرّة واحدة أن قبل القضاة التماسًا قدّمه فلسطينيّون ضدّ هدم منازلهم. يتناول التقرير تفاصيل الحجج التي تقدّمها الدولة ويوضح لماذا هي باطلة ولا صلة لها بالواقع ورغم ذلك قبلها القضاة جملةً وتفصيلًا:

  • أصدر قضاة محكمة العدل العليا حُكمًا يضفي الشرعيّة القانونيّة على تغيير قانون التخطيط الأردنيّ واستبداله بأمر عسكريّ متجاهلين بذلك أحكام القانون الدوليّ التي تحظر إجراء مثل هذا التغيير وأنّه استنادًا إلى أمرٍ عسكريّ مخالف لأحكام هذا القانون أخرجت إسرائيل الفلسطينيّين من جميع لجان التخطيط وركّزت جهاز التخطيط في يديها وحدها.
  • لم يجد قضاة محكمة العدل العليا أيّة غضاضة في إعلان مساحات واسعة من الضفّة الغربيّة كـ"أراضي دولة" وتخصيصها للمستوطنين وحدهم ولا في إعلان مناطق سكنيّة فلسطينيّة كـ"مناطق تدريب". وقد ردّ القضاة جميع الادّعاءات التي بيّنت عدم شرعيّة هذه الإجراءات بموجب القانون الدوليّ والقانون الإسرائيليّ على حدّ سواء بل إنّهم رفضوا النظر في بعض هذه الادّعاءات - وصادقوا بالتّالي على عمليات الهدم.
  • قبل قضاة محكمة العدل العليا الادّعاء بأن التخطيط للفلسطينيّين مناسب ويلبّي احتياجاتهم - ذلك رغم أنّ الدّلائل على الأرض الواقع تثبت العكس ورغم أنّ هذا التخطيط يستند إلى خرائط هيكليّة قد مرّت 80 سنة منذ إعدادها وعلى "خرائط هيكليّة" أعدّتها الإدارة المدنيّة ولا تعدو كونها ترسيم حدود تحتجز البلدات الفلسطينيّة في إطار المناطق العمرانيّة القائمة.
Thumbnail
نساء وفتيات الأسرة من فصايل الوسطى قرب محتويات منزلهنّ المهدوم. تصوير عارف دراغمة، بتسيلم، 16.1.19

صادق القضاة على السّياسة الإسرائيليّة ليس فقط بصريح العبارة وإنّما ضمنيًّا أيضًا حيث أدرجوا في قرارات الحُكم المتعلّقة بالبناء الفلسطينيّ مقتطفات من قرارات متعلّقة بالتخطيط في المستوطنات وفي داخل الخطّ الأخضر - والعكس بالعكس. يمحو هذا الخلط الفروق بين الأجهزة المختلفة - التي تنطلق من قيَم مختلفة وأتت لتخدم غايات متعارضة. بذلك أضفى قضاة المحكمة العليا مظهر الإنصاف واللّياقة والشرعيّة القانونيّة على جهاز فاقد للشرعيّة دأبه السّلب والاضطهاد المنظّمين. كذلك توصّل القضاة في اجتهاداتهم إلى أنّ سياسة إسرائيل تنسجم والقانون الإنسانيّ الدولي استنادًا إلى مقتطفات انتقائيّة من أحكام هذا القانون. يبرز على نحوٍ خاصّ تجاهلهم الواضح لحقيقة انّ سياسة إسرائيل تنطوي على مخالفة أحكام تحظر النقل القسريّ حظرًا قطعيًّا - والذي يسري أيضًا على الحالات التي يغادر فيها النّاس مناطق سكناهم بمحض إرادتهم نتيجة لظروف معيشيّة قاهرة أنشأتها السّلطات. خرْق هذا الحظر يشكّل جريمة حرب ومن هنا فقضاة المحكمة العليا في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة شخصيًّا عن ارتكاب هذه الجرائم إلى جانب رئيس الحكومة وكبار الوزراء وقائد الأركان العامّة وذوي الرّتب الرّفيعة في الجيش.

تدير إسرائيل "جهاز تخطيط" للسكّان الفلسطينيّين لكي تزعم أنّ سياستها تنسجم وأحكام القانون الدوليّ والقانون الإسرائيليّ. تتستّر إسرائيل بهذا الرّداء الزّائف لدى تبرير هدم المنازل وسائر المباني الفلسطينيّة مدّعية أنّ البناء بدون ترخيص خيارٌ أراده الفلسطينيّون بأنفسهم - وكأنّما هم يملكون الخيار أصلًا.

محكمة العدل العليا هي أعلى هيئة قضائيّة تنظر في المسألة وبوصفها كذلك يلعب قضاتها دورًا مركزيًّا في نسج رداء الشرعيّة الزّائف هذا. رغم أنّ المحكمة العليا ليست هي من يسنّ القوانين ولا هي من يضع السياسات أو يطبّقها - إلّا أنّها تتحمّل قسطًا كبيرًا من مسؤوليّة حماية حقوق الإنسان: عندما تطبّق الدولة سياسة تمسّ بشكل منهجيّ بحقوق الإنسان الأساسيّة لآلاف الأشخاص المحرومين من أيّ تمثيل يصبح من صلاحيّة قضاة المحكمة بل من واجبهم بحكم وظيفتهم، أن يقرّروا بأنّ هذه السياسة مخالفة للقانون وعليهم بالتالي أن يمنعوا مواصلة تطبيقها. ولكن بدلًا من أن يقوموا بوظيفتهم هذه يختار قضاة العليا مرارًا وتكرارًا "تبييض" هذه السّياسة بإضفاء الشرعيّة القانونيّة عليها وبالتالي تسويغها لدى الجمهور. بذلك يخلّ قضاة المحكمة العليا بواجبهم بل ويلعبون دورًا مركزيًّا في ترسيخ مشروع الاحتلال الاستيطانيّ والإمعان في سلب أراضي الفلسطينيّين.